آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-08:18م
مجتمع مدني

صالح مهدي الواحدي.. قامة تربوية واجتماعية وثانوية عزان عنوانها

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 06:20 م بتوقيت عدن
صالح مهدي الواحدي.. قامة تربوية واجتماعية وثانوية عزان عنوانها
بقلم: الدكتور محمد الأحمدي

ما زلت أستعيد بشوق وحنين تلك الأيام الجميلة التي قضيتها طالبًا في ثانوية عزان، خلال الأعوام الدراسية الممتدة من 1982/1983م إلى 1985/1986م، وأعدّها من أجمل سنوات حياتي وأكثرها رسوخًا في الذاكرة. ففي رحاب تلك المدرسة عشت مرحلة زاخرة بالتجارب والمواقف والذكريات، وتعرّفت على أساتذة أجلّاء وزملاء أعزاء، جمعتني بهم روابط من الصداقة والمودة، لا يزال أثرها حاضرًا في نفسي حتى اليوم، رغم تعاقب السنين وتباعد المسافات.


غير أن العلاقة الأعمق والأكثر تميزًا، تلك التي استقرت في قلبي، كانت علاقتي بثانوية عزان نفسها؛ ذلك الصرح التربوي العريق الذي لم يكن مجرد مدرسة نتلقى فيها العلم، بل كان بيتًا ثانيًا، وفضاءً لصناعة الوعي، وبناء الشخصية، وغرس القيم، وتشكيل الطموحات.


لقد مثّلت ثانوية عزان، ولا تزال، واحدة من أهم المؤسسات التربوية التاريخية في المديريات الجنوبية لمحافظة شبوة، وتحديدًا مديريات ميفعة ورضوم وحبان والروضة. وقد ظلت على مدى عقود منارة علمية وتربوية، ومقصدًا لأجيال من الطلاب، حتى غدت من أبرز الثانويات المحورية في المحافظة، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.


وحين نستحضر تاريخ هذه المدرسة ومكانتها، لا يمكن أن نتجاوز اسمًا ارتبط بها ارتباطًا وثيقًا، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من هويتها وذاكرتها، وهو اسم الأستاذ القدير صالح مهدي الواحدي، تلك الشخصية التربوية والاجتماعية الاستثنائية التي تركت بصماتها الواضحة في مسيرة التعليم والحياة العامة بمدينة عزان ومحيطها.


فمنذ أن تولّى قيادة ثانوية عزان في تسعينيات القرن الماضي، أضفى عليها بحضوره المتميز وإدارته الحكيمة ألقًا خاصًا، وعزّز مكانتها وسمعتها التربوية، حتى أصبح اسمها حاضرًا بقوة في الوجدان الاجتماعي والتعليمي لأبناء المنطقة.


ولعل ما يميز الأستاذ صالح مهدي الواحدي أن شخصيته تجمع من الصفات ما قلّ أن تجتمع في رجل واحد؛ فهو صاحب نشاط لا يفتر، وإخلاص لا يتزعزع، ونزاهة مشهودة، وكفاءة إدارية عالية، وحزم لا ينفصل عن الحكمة، وحرص صادق على أداء الرسالة التربوية بأمانة ومسؤولية.


ولم تكن هذه الصفات مجرد انطباعات عابرة، بل جسّدها في سنوات طويلة من العمل والعطاء، وفي مواقف متكررة أكدت أن الإدارة التربوية، حين يتولاها المخلصون، تتحول من وظيفة إلى رسالة، ومن مسؤولية إدارية إلى التزام أخلاقي وإنساني تجاه الأجيال والمجتمع.


ورغم ما عُرض عليه من مغريات ومناصب مهمة، كان بإمكانها أن تفتح أمامه آفاقًا وظيفية أوسع، فإنه آثر البقاء في موقعه، متمسكًا بثانوية عزان، وفيًّا للمؤسسة التي أحبها وأخلص لها، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بحجم المنصب الذي يشغله، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.


وهكذا نشأت بين الأستاذ صالح مهدي وثانوية عزان علاقة نادرة، تجاوزت حدود المدير والمدرسة، لتصبح ثنائية متلازمة في ذاكرة الناس ووجدانهم؛ فإذا ذُكرت ثانوية عزان، حضر اسم مديرها وفارسها الأصيل الأستاذ صالح مهدي الواحدي، وإذا ذُكر الأستاذ صالح مهدي، حضرت ثانوية عزان بتاريخها ومكانتها ورسالتها.


ولم يقتصر عطاء هذا الرجل على أسوار المدرسة وقاعاتها الدراسية، فالأستاذ صالح مهدي الواحدي شخصية اجتماعية وتربوية ورياضية بارزة، امتد نشاطها إلى مختلف جوانب الحياة العامة، وبذل، ولا يزال، جُلّ جهده ووقته في خدمة مدينته التاريخية عزان، التي يحمل لها في قلبه محبة خاصة، ويترجم هذه المحبة إلى عمل ومبادرات ومواقف ملموسة.


لقد كان، ولا يزال، ركيزة أساسية وعضوًا فاعلًا في اللجان الأهلية والمجتمعية بمدينة عزان، حاضرًا حيثما كانت هناك حاجة إلى جهد مخلص، أو رأي حكيم، أو مبادرة تخدم الناس وتجمع كلمتهم. ولم يكن حضوره الاجتماعي منفصلًا عن رسالته التربوية، بل كان امتدادًا طبيعيًا لها؛ فمن يؤمن ببناء الإنسان داخل المدرسة، لا بد أن يؤمن بخدمة المجتمع خارجها.


وعزان، هذه المدينة التاريخية العريقة، ليست مدينة عادية في جغرافية شبوة وذاكرتها، بل هي من أهم مدن المحافظة، وتُعدّ المدينة الأبرز للمديريات الجنوبية، بما تمثله من ثقل تاريخي واجتماعي وتجاري وتربوي. ومن هنا تتضاعف قيمة الشخصيات التي تكرّس حياتها لخدمتها، وفي مقدمتها الأستاذ صالح مهدي الواحدي.


إن الحديث عن أمثال هذه القامات ليس مجرد وفاء لشخص بعينه، وإنما هو وفاء لقيمة العطاء ذاتها، واعتراف بفضل أولئك الرجال الذين يعملون بصمت، ويصنعون أثرًا عميقًا دون ضجيج، ويتركون في ذاكرة الأجيال ما هو أبقى من المناصب والألقاب.


وكم نحن بحاجة إلى أن ننصف هذه الشخصيات وهي بيننا، وأن نحتفي بتاريخها وجهودها، وأن نُعرّف الأجيال الجديدة بمن أسهموا في بناء مؤسساتنا التربوية والاجتماعية، وحافظوا على حضورها ومكانتها رغم ما مرّت به البلاد من ظروف وتحديات.


سيظل الأستاذ صالح مهدي الواحدي، في نظري، واحدًا من أولئك الرجال الذين لا تختصرهم المناصب، ولا توفيهم كلمات الثناء حقهم؛ لأنه لم يكن مجرد مدير لثانوية، بل كان حارسًا لرسالتها، وأمينًا على تاريخها، ووجهًا مشرقًا من وجوه مدينة عزان.


وفي الختام، لا أملك إلا أن أعبّر عن خالص تقديري واعتزازي بأستاذنا القدير صالح مهدي الواحدي، وأن أسأل الله العلي القدير أن يحفظه، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويطيل عمره في طاعته وخدمة مجتمعه، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم، وما لا يزال يقدّمه، من عطاء تربوي واجتماعي وإنساني نبيل.


فبعض الرجال يمرّون في حياة المؤسسات، وبعضهم يصبحون جزءًا من تاريخها وهويتها… والأستاذ صالح مهدي الواحدي من أولئك الذين أصبحت أسماؤهم عنوانًا للوفاء والعطاء، وصفحة مضيئة في تاريخ ثانوية عزان ومدينة عزان العريقة.




بقلم: الدكتور محمد الأحمدي

المستشار الثقافي – الصين