أمي... ماتت أمي، ومات معها شيءٌ في داخلي لا تعرف الأيام كيف تحييه، ولا يستطيع الزمن أن يرمّم شقوقه.
منذ رحيلك يا أمي، وأنا أعيش بنصف قلب؛ جسدٌ يحاول أن يبدو قويًا أمام الناس، وروحٌ ما زالت تبحث عنك في كل زاوية، وتتمنى عودتك رغم يقينها أنك لن تعودي.
لم أكن أصدق أنك ستموتين يومًا... كنت أراك مريضة، لكنني كنت أهرب من فكرة رحيلك، وأقنع نفسي أنك ستتعافين، وأن هناك متسعًا من الوقت لأجلس معك، وأقبّل يديك، وأخبرك كم أحبك وكم أنا محتاج إليك.
يا ليتني كنت أعلم أن الأيام التي مرّت بجانبك كانت تعدّ أيامك الأخيرة! ويا ليتني أدركت أن صوتك الذي كنت أسمعه كل يوم سيصبح أمنية أتمنى سماعها ولو لمرة واحدة.
أمي... سامحيني!
سامحيني على كل مرة احتجتِ فيها إليّ ولم أكن بقربك كما تمنيتِ، وعلى كل لحظة لم أطِل فيها الجلوس بجانبك، وعلى كل قبلة أخّرتها، وكل كلمة حبّ ظننت أن الوقت ما زال يسمح بقولها.
كم أنا نادم لأنني لم أحتضنك أكثر، ولم أجلس عند قدميك طويلًا، ولم أملأ عينيّ من وجهك بما يكفي لأواجه به سنوات الغياب.
كنت أظن أن الأمهات لا يرحلن بهذه السرعة، وأن أمي ستظل هناك، تنتظرني مهما تأخرت، وتسـامحني مهما قصّرت. لكنني اكتشفت متأخرًا أن الموت لا يمنحنا فرصة أخيرة، ولا ينتظر حتى نكمل اعتذاراتنا.
ماتت أمي... وأنا ما زلت فقيرًا إليها، جائعًا لحنانها، محتاجًا إلى دعائها، كأنني طفل لم يكبر يومًا.
ماتت المرأة التي خبّأتني في عينيها من بطش أبي، وحاولت أن تحميني من قسوة العالم، وكانت تخاف عليّ من نسمة الهواء، وتقرأ وجعي من ملامحي قبل أن أنطق.
رحلت أمي وأنا بعيد عنها... وهذه المسافة هي التي تقتلني كل يوم؛ فقد كنت أظن أن هناك وقتًا آخر سأراها فيه، ولم أتخيل أن أعود يومًا فلا أجد سوى قبرها.
ما زلت أتذكر ذلك اليوم الذي حملتك فيه بيديّ نحو مثواك الأخير. أيُّ قسوة هذه التي جعلتني أحمل أمي على كتفيّ، بعدما حملتني في أحشائها تسعة أشهر؟
وأيُّ وجع هذا الذي جعلني أنزل المرأة التي كانت ترفع يديها إلى السماء بالدعاء لي، إلى حفرة في الأرض، ثم أعود وحيدًا؟
حين وضعوك في قبرك، شعرت أنني أدفن طفولتي وأمانيّ وملجئي الأخير. كنت أريد أن أصرخ: لا تدفنوها! أعيدوا إليّ أمي! لم أكتفِ منها بعد، ولم أقل لها كل ما في قلبي، ولم أعتذر عن كل ما قصّرت فيه!
لكن التراب كان أسرع من صراخي، وأُغلق القبر، وانتهى كل شيء... إلا وجعي.
ثلاث سنوات مرّت على رحيلك، وما زلت أشعر أنني ذلك الابن الذي عاد متأخرًا، فوجد أمه قد رحلت إلى الأبد. ما زلت أفتش عنك في الوجوه والأحلام، وأفتقد كلمة «يا ولدي» التي كانت تمنحني شعورًا بأن الدنيا ما زالت بخير.
أتعلمين ما الذي يؤلمني أكثر يا أمي؟ أنني كلما مرضت افتقدت يدك على جبيني، وكلما ضاقت بي الحياة بحثت عن حضنك الذي كان يتسع لكل انكساراتي.
أصبحت أرى الأمهات يمسكن بأيدي أبنائهن، فأشيح بوجهي كي لا يروا دموعي، وأسمع أحدهم ينادي أمه، فيرتجف قلبي شوقًا ووجعًا.
يا أمي، ما أقسى أن تكون لك أمٌّ تحت التراب، وقلبٌ فوق الأرض لا يعرف كيف يصل إليها!
وما أخشاه الآن أن تخونني ذاكرتي يومًا، فأنسى نبرة صوتك أو تفاصيل ضحكتك أو الطريقة التي كنت تنادينني بها؛ فأفقدك مرة أخرى، حتى في الأشياء الصغيرة التي بقيت منك داخلي.
سامحيني يا أمي...
إن كان لي من ندم أحمله حتى آخر عمري، فهو أنني لم أدرك أن الأيام التي جمعتني بك كانت أثمن من كل ما كنت أبحث عنه في هذه الدنيا.
كنت أظن أنني سأعوّضك عن كل شيء في الغد، ولم أكن أعلم أن الغد قد يأتي من دونك.
يا ليت الموت أعادني إلى يوم واحد قبل رحيلك... يوم واحد فقط! كنت سأترك الدنيا كلها، وأجلس عند قدميك، وأقبّل يديك، وأضع رأسي في حجرك، وأخبرك أنني أحبك أكثر مما استطعت أن أقول، وأنني مهما كبرت سأظل طفلًا لا يعرف كيف يواجه الحياة من دون أمه.
لكنها أمنيات لا يعيدها البكاء، ولا يمنحنا الموت فرصة لتحقيقها.
أمي... لا أعرف إن كان الموتى يشعرون باشتياق الأحياء، لكنني أتمنى أن يصلك حنيني، وأن يبلغك ندمي، وأن تعلمي أن ابنك الذي تركتِه خلفك لم يعد كما كان. لقد كبرت في أعين الناس، لكنني أمام قبرك ما زلت طفلًا يبحث عن أمه.
رحمك الله يا أمي، وغفر لك، وأنار قبرك، وجعل ما تحملتِه من ألم في ميزان حسناتك. اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعني بها في مستقر رحمتك، حيث لا مرض ولا فراق ولا موت.
ولكل من لا تزال أمه على قيد الحياة، أقول: لا تؤجلوا احتضان أمهاتكم، ولا تبخلوا عليهن بكلمة حب، ولا تظنوا أن الوقت طويل. اجلسوا معهن، وقبّلوا أيديهن، واطلبوا رضاهن، واغتنموا وجودهن قبل أن يصبح كل ذلك أمنيات لا تتحقق.
فقد يأتي يوم تتمنون فيه لحظة واحدة مع أمهاتكم، ولا تجدون سوى القبور لتخبروهن كم كنتم تحبونهن.
سلامٌ عليكِ يا أمي، يوم كنتِ هنا، ويوم رحلتِ، ويوم ألقاكِ بإذن الله.