آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:46م

الحرب على إيران بين إسقاط النظام وتغيير موقع الدولة ومآلات السيادة الإقليمية

الخميس - 05 نوفمبر 2026 - الساعة 02:37 م
د. جمال الهاشمي


ثمة خطأ في قراءة المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتوصيفها باعتبارها صراعا بين قوة عسكرية متفوقة ودولة تحاول الصمود أمامها. فهذه القراءة تقيس الحرب بما تستطيع الطائرات والصواريخ تدميره ولا تقيسها بما يراد إنتاجه سياسيا بعد التدمير. إن الرؤية الاستراتيجية تشير إلى أن واشنطن وتل أبيب قد لا تحتاجان إلى إسقاط النظام الإيراني حتى تغيرا موقع إيران في الإقليم كما أن بقاء النظام الإيراني لا يعني بالضرورة احتفاظه بمكانته السابقة.

وبين هذين الاحتمالين تقع معادلة الحرب.

والفرضية التي أرى أنها تفسر جانبا كبيرا من الحسابات الأمريكية هي أن واشنطن تريد تغيير سلوك البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل وإعادة ضبط حدود القوة الإقليمية بما يمنع تشكل مراكز نفوذ قادرة على تحدي الترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.

غير أن إسقاط النظام الإيراني إذا أصبح هدفا للمواجهة لن يكون بالضرورة نهاية الحرب، بل قد يكون بداية مرحلة أخرى تتعلق بمن سيملأ الفراغ وكيف سيعاد توزيع القوة وما إذا كانت الدولة الإيرانية ستبقى قادرة على تأسيس مؤسسات وسلطة ومصالح وطنية بعد تغيير قيادتها أم ستغرق في فوضى الإثنيات والمعتقدات والأفكار.

فالدولة الإيرانية ليست قيادة سياسية يمكن استبدالها وتنتهي الأزمة وإنما بنية مؤسساتية وجغرافية وسكانية واقتصادية متشابكة. ولذلك فإن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة تفكيك قدرة الدولة على إنتاج القوة.

ولا يصح قياس الحالة الإيرانية على تجارب دول أخرى كانت مؤسساتها الوطنية أكثر هشاشة أمام التدخل الخارجي.

فحتى مع قيام الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه تغيرت مرجعية المؤسسة السياسية والأمنية وأدواتها لكن الدولة احتفظت بمقوماتها الجغرافية والإدارية ومصالحها الاستراتيجية.

وهذا يوضح أن التحولات السياسية العميقة لا تمحو بالضرورة استمرارية الدولة وأهدافها المرتبطة بموقعها ومصالحها.

من هنا يمكن فهم الفارق بين هدفين يجري الخلط بينهما: تغيير النظام وتغيير موقع الدولة.

الأول يتطلب تدخلا سياسيا واجتماعياً عميقا ولا يضمن أن تكون السلطة البديلة مستقرة أو موالية للقوة التي أسهمت في إسقاط النظام السابق.

أما الثاني فيمكن أن يتحقق بإضعاف قدرة الدولة على التأثير في محيطها وتقليص خياراتها الاستراتيجية وإعادة تعريف حدود حركتها الإقليمية حتى مع بقاء مؤسساتها ونظامها السياسي. وقد يكون هذا الهدف أقل كلفة وأكثر قابلية للتحقق بالنسبة إلى واشنطن لكنه لن يحقق بالضرورة جميع المطالب الإسرائيلية.

وهنا تظهر المعضلة الإسرائيلية.

فإسرائيل لا تقيس أمنها بتعطيل أي هجوم إيراني مباشر عليها فحسب وإنما بطبيعة التوازن العسكري والسياسي الذي يمكن أن يتشكل حولها وطموحها الديني والعسكري والاقتصادي في السيطرة على دول الخليج .

وكلما اتسعت قدرتها على استخدام القوة لتقليص التهديدات ازدادت حاجتها إلى إبقاء التفوق الذي حققته محميا بترتيبات إقليمية ودعم أمريكي مستمر.

فالقوة العسكرية قد توسع هامش الحركة الإسرائيلية لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج اعتراف إقليمي دائم بحدود النفوذ الإسرائيلي.

والهيمنة العسكرية شيء وتحويلها إلى شرعية سياسية مستقرة شيء آخر ولذلك فإن نجاح إسرائيل في إضعاف خصومها لا يعني بالضرورة أنها أصبحت أقرب إلى تسوية مستقرة مع محيطها.

أما إيران فإن الخطأ في تقديرها هو اختزال قوتها في البرنامج النووي أو الصواريخ أو القوى المتحالفة معها.

فهذه أدوات ضمن منظومة أوسع قوامها موقع الدولة في الجغرافيا وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية وموقعها في التوازنات الآسيوية وارتباط أمن الخليج باستقرار العلاقة معها.

ولذلك فإن إضعاف أداة من أدوات القوة لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة التي أنتجتها. لكن ذلك لا يمنح إيران حصانة استراتيجية؛ إذ إن استمرار الدولة في وضعية المواجهة قد يحول أدوات الردع نفسها إلى عبء على الاقتصاد والاستقرار الداخلي، ويجعل الحفاظ على النفوذ الخارجي منافساً لمتطلبات البقاء والتنمية في الداخل.

وهنا يصبح التحدي الإيراني مزدوجا وهو منع خصومها من فرض تراجع استراتيجي دائم، ومنع كلفة المواجهة من استنزاف مقومات الدولة من الداخل.

وقد لا تكون المشكلة الأمريكية في الشرق الأوسط نابعة من العجز عن حسم الحروب عسكريا بقدر ما تكمن في العجز عن تحويل نتائج الحسم العسكري إلى نظام سياسي مستقر من دون التورط في إدارته.

فقد أظهرت تجارب التدخلات الأمريكية السابقة أن إسقاط السلطات وتغيير موازين القوة لا يعنيان امتلاك القدرة على بناء نظام مستقر.

ففي أفغانستان انتهى الوجود الأمريكي من دون أن توجد واشنطن النظام السياسي الذي أرادته وفي العراق لم يؤد إسقاط النظام إلى بناء دولة مستقرة قادرة على إدارة تناقضاتها بعيدا عن التدخلات الخارجية ومراكز النفوذ المتعددة.

وهذا الإرث يفسر جانبا من التحول الأمريكي نحو إدارة التوازنات الإقليمية من خلال التحالفات بدلا من تحمل مسؤولية إعادة بناء الدول بعد إسقاط أنظمتها.

وفي الحالة الإيرانية تصبح هذه المعضلة أكثر حساسية؛ لأن حجم الدولة وموقعها وتشابك مصالحها يجعل تكلفة الفراغ المحتمل أكبر من أن تختزل في حسابات حملة عسكرية.

فواشنطن قد تستطيع إضعاف القدرات الإيرانية لكنها ستواجه سؤالا مختلفا إذا تحول الإضعاف إلى انهيار مؤسساتي من يدير الدولة؟ وكيف يمكن منع التنافس الداخلي والإقليمي على الفراغ من إنتاج أزمات جديدة؟.

إن إسقاط النظام لا يقدم إجابة تلقائية عن هذه الأسئلة، بل قد يضاعفها.

ولا تنفصل هذه الحسابات عن مستقبل التفاوض فالمشكلة أن الأطراف لا تريد الشيء نفسه من السلام.

الولايات المتحدة تريد قيودا يمكن التحقق منها وتحد من المخاطر التي تهدد مصالحها وإسرائيل تريد إزالة مصادر التهديد التي تراها مستمرة وإيران تريد الاعتراف بموقعها وضمانات تمنع تكرار المواجهة وتوفر لها مجالا لاستعادة قدرتها الاقتصادية والسياسية. وهذه ليست خلافات تقنية يمكن حلها بتعديل صياغة اتفاق وإنما تناقضات في تصور النظام الإقليمي نفسه. فإذا حصلت واشنطن على اتفاق نووي لا يحقق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية فقد تبقى إسرائيل معترضة على مضمونه وإذا طالبت إسرائيل بتصفية كل عناصر القوة الإيرانية فقد تجد واشنطن نفسها أمام حرب لا تتناسب مع أولوياتها الدولية. أما إذا قبلت إيران بتنازلات لا تقابلها ضمانات سياسية واقتصادية معتبرة فقد يصبح الاتفاق بالنسبة إليها تأجيلا للأزمة لا تسوية لها.

ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية ولكن ليس باعتبارها ساعة لتحديد موعد الحرب.

فالانتخابات تغير قدرة القيادة على تحمل التكاليف وتعيد ترتيب العلاقة بين القرار العسكري والشرعية الداخلية. وأي مواجهة طويلة تقودها الولايات المتحدة ستدخل في حسابات الإنفاق والتضخم وأولويات التنافس الدولي كما ستثير خلافا حول ما إذا كانت حماية إسرائيل تستدعي تحمل مخاطر إقليمية مفتوحة.

وفي إسرائيل يرتبط القرار العسكري بمستقبل الائتلافات الحاكمة وبقدرة القيادة على تقديم نتيجة أمنية ملموسة. ومع ذلك لا ينبغي افتراض أن الانتخابات ستدفع آليا إلى الحرب أو تمنعها؛ فالمؤسسات الأمنية والتحالفات والالتزامات الاستراتيجية تظل مؤثرة في القرار بصرف النظر عن نتائج الاستحقاقات الانتخابية.

السيناريوهات الاستراتيجية للمواجهة ومآلاتها:

السيناريو الأول: التصعيد العسكري المحسوب وإعادة فرض قواعد الاشتباك.

في هذا المسار تتجه المواجهة إلى تصعيد عسكري لا يستهدف بالضرورة إسقاط النظام الإيراني وإنما تقليص قدراته وإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة.

وتسعى واشنطن إلى إظهار أن استمرار التحدي الإيراني له تكلفة عسكرية وسياسية واقتصادية بينما تسعى إسرائيل إلى إضعاف القدرات التي ترى أنها تهدد أمنها على المدى البعيد.

أما إيران فتحاول منع تحول الضغط العسكري إلى نتيجة استراتيجية دائمة وجوهر هذا السيناريو أن الأطراف لا تريد حرباً مفتوحة لكنها لا تريد أيضا أن تظهر بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط. ولذلك قد تنتهي الجولة العسكرية بتوقف العمليات من دون أن تنتهي المواجهة السياسية، فتكون النتيجة ردعاً مؤقتا لا سلاما مستقرا.

السيناريو الثاني: الانفصال بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.

قد تصل واشنطن إلى قناعة بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم أولوياتها الدولية وأن المطلوب هو اتفاق يضبط البرنامج النووي ويحد من المخاطر المباشرة ويحمي المصالح الأمريكية.

لكن إسرائيل قد ترى أن هذا الاتفاق لا يعالج جوهر التهديد من وجهة نظرها خصوصا إذا بقيت لإيران قدرات عسكرية وإقليمية مؤثرة.

وهنا تظهر فجوة بين مفهومين للنصر. نصر أمريكي يقوم على احتواء التهديد ضمن حدود يمكن إدارتها ونصر إسرائيلي يتطلب تغييرا أعمق في البيئة الأمنية المحيطة.

وقد يؤدي ذلك إلى اختلاف في مستوى الضغط العسكري والدبلوماسي حتى مع استمرار التحالف الاستراتيجي بين الطرفين.

وفي هذه الحالة قد تجد إيران فرصة لاستعادة جزء من هامشها السياسي بينما تجد إسرائيل نفسها أمام تسوية لا تحقق جميع أهدافها وتجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إدارة خلافات حليفها بدلا من إنهاء الأزمة.

السيناريو الثالث: حرب الاستنزاف الإقليمية وتوسيع دائرة الكلفة.

في هذا المسار لا تتحول المواجهة إلى حرب شاملة بالضرورة لكنها تتجاوز الحدود الثنائية وتنعكس على أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة والأسواق العالمية. وتصبح قدرة الأطراف على تحمل التداعيات الاقتصادية والسياسية عاملا حاسما في حساباتها.

فإيران تحاول منع خصومها من تحقيق حسم سياسي والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على حرية الحركة وحماية مصالحها وحلفائها بينما تبقى إسرائيل في حالة تأهب وضغط أمني واقتصادي.

أما دول المنطقة فتتحمل مخاطر ارتفاع كلفة الطاقة والتجارة والتأمين والاستثمار حتى عندما لا تشارك مباشرة في القتال.

وخطورة هذا السيناريو أنه لا يحتاج إلى انتصار عسكري لأي طرف حتى يغير المنطقة؛ فالاستنزاف الطويل قد يعيد تشكيل أولويات الإنفاق والتحالفات والقرارات الاقتصادية ويجعل الأمن العسكري يتقدم على التنمية والاستقرار.

السيناريو الرابع: انهيار التفاوض والانتقال إلى محاولة تغيير موقع إيران الاستراتيجي.

ويرتبط هذا السيناريو بالتناقض بين الأهداف السياسية للأطراف.

فإذا اعتبرت واشنطن أن التفاوض لم يعد يحقق مصالحها ورأت إسرائيل أن بقاء القدرات الإيرانية يشكل خطرا لا يمكن تأجيله فقد تتجه المواجهة إلى مرحلة أوسع من الضغط العسكري والسياسي.

لكن ينبغي هنا التمييز بين إضعاف الدولة وتغيير نظامها وتفكيك بنيتها؛ فهذه ثلاثة أهداف مختلفة ولكل منها شروط وتكاليف ومآلات متباينة.

فقد تتعرض إيران لتراجع كبير في قدراتها من دون أن يسقط النظام كما أن حدوث تغيير سياسي داخلي لا يضمن نشوء سلطة مستقرة أو موالية للولايات المتحدة ولكن الضغط الشديد قد يؤدي إلى تقوية النزعة الدفاعية داخل الدولة الإيرانية أو إلى إعادة تشكيل مؤسساتها ومراكز قوتها بدلا من إنهائها.

وبذلك تتحول محاولة تغيير ميزان القوة إلى عملية طويلة لا تضمن نتائجها.

السيناريو الخامس: إعادة تشكيل الأمن الإقليمي وظهور توازنات جديدة.

لا يتوقف هذا السيناريو على نتيجة الحرب وحدها، وإنما على استجابة الدول الإقليمية للتحولات التي تتولد عنها. فإذا أدركت السعودية وتركيا ومصر وباكستان ودول الخليج أن استمرار الاعتماد على الترتيبات الخارجية لا يوفر ضمانات كافية لأمنها فقد تتجه إلى بناء تفاهمات أمنية وسياسية أكثر استقلالا لكن ذلك لا يعني بالضرورة نشوء تحالف عسكري موحد؛ فاختلاف المصالح والرؤى والقدرات سيظل قائما.

وقد يكون الشكل الأكثر واقعية هو بناء تفاهمات متعددة المستويات تشمل أمن الطاقة وحماية الملاحة ومنع الاعتداءات وضبط التدخلات الإقليمية وإيجاد قنوات دائمة لتسوية النزاعات.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول الحرب رغم كلفتها إلى عامل يدفع المنطقة نحو مراجعة بنيتها الأمنية.

أما إذا بقيت الدول العربية والإقليمية في موقع الاستجابة لقرارات القوى الكبرى فإن أي تغير في ميزان القوة الإيراني قد يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة لا تكون هذه الدول صاحبة القرار الأساسي فيها.

إن القراءة الاستراتيجية الجامعة لهذه السيناريوهات لا تفترض أنها مسارات منفصلة أو متعارضة تماما؛ فقد يبدأ الصراع بحرب محدودة ثم ينتقل إلى استنزاف إقليمي قبل أن يعود إلى التفاوض أو يفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة.

ولذلك فإن العامل الحاسم ليس حجم القوة العسكرية وحده وإنما قدرة الأطراف على التحكم في مسار التصعيد ومنع نتائجه من تجاوز أهدافه.

كما أن الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية قد تؤثر في توقيت القرارات وحدود تحمل كلفتها، لكنها لا تلغي التناقضات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب وطهران. وأي تسوية لا تعالج الاختلاف حول تعريف الأمن الإقليمي ستظل معرضة للانهيار.

وفي هذا السياق لن تكون الدول العربية أطرافا منعزلة عن الصراع بل ستكون أمام اختبار استقلال القرار.

فإذا اكتفت بتأمين أراضيها من ارتدادات المواجهة من دون بناء تصور مشترك لمستقبل الأمن الإقليمي فستجد نفسها أمام نتائج تفاوضية لا تتحكم في صياغتها.

وإذا اعتقدت أن إضعاف إيران سيؤدي تلقائيا إلى اتساع نفوذها فقد تكتشف أن الفراغ الذي ينشأ عن تراجع قوة إقليمية لا ينتقل بالضرورة إلى الدول العربية بل قد تملؤه قوى أخرى تمتلك أدوات التنظيم والتأثير والقدرة على الحركة.

ومن هنا لا تكمن المعضلة العربية في كيفية التعامل مع إيران وحدها وإنما في غياب مشروع أمني يحدد مصالح الدول العربية ويمنحها قدرة جماعية على التأثير في مستقبل المنطقة.

إن المفارقة الاستراتيجية أن واشنطن قد تنجح في تقليص القوة الإيرانية من دون أن تنجح في بناء نظام بديل وقد تنجح إسرائيل في توسيع تفوقها العسكري من دون أن يتحول ذلك إلى أمن دائم وقد تنجح إيران في منع إسقاط نظامها من دون أن تحافظ على مكانتها الإقليمية.

وهذه النتائج الثلاث يمكن أن تجتمع في مواجهة واحدة؛ فلا يكون هناك منتصر سياسي حقيقي حتى إذا حقق أحد الأطراف مكاسب عسكرية كبيرة.

وتقديري أن الاختبار الأكبر في هذه المواجهة ليس قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إلحاق الضرر بإيران ولا قدرة إيران على الصمود أمامهما وإنما قدرة كل طرف على منع خصمه من تحويل المواجهة إلى نظام إقليمي جديد.

فقد تنتهي الحرب بتراجع إيراني دون سقوط النظام أو بتسوية أمريكية دون رضا إسرائيلي كامل أو ببقاء إيران مع خسارة جزء من نفوذها. وفي كل هذه الحالات تظل المسألة الأهم هي موقع الدول العربية من الترتيبات التي ستنشا بعد الحرب.

فالمنطقة لا تحتاج إلى استبدال مركز نفوذ بمركز آخر بقدر ما تحتاج إلى بناء توازن لا تكون فيه سيادة الدول رهينة لتفاهمات القوى الكبرى أو حسابات التفوق الإسرائيلي أو أدوات الردع الإيرانية.

وما لم يتحقق ذلك فإن أي حرب تنتهي ستترك وراءها الشروط السياسية والعسكرية التي تجعل الحرب التالية ممكنة. وقد يكون الخاسر الاستراتيجي الأكبر ليس الدولة التي تتراجع قوتها العسكرية فحسب وانما الدول التي تفقد قدرتها على المشاركة في صياغة مستقبلها وتتحول من أطراف في معادلة الأمن الإقليمي إلى ساحات تتشكل فوقها نتائج صراعات الآخرين.