حين تشتعل الأزمات الكبرى على حواف الخليج، وتتطاير نذر الحرب في سماء المشرق، ينسى الناس، وسط صخب الانفجارات، أن البارود وحده لا يصنع السياسة، وأن تكديس الأسلحة وتدمير المنشآت ليسا سوى فصل عابر في رواية صراع أطول. لقد علمتنا تقلبات الأيام أن القوة العسكرية المفرطة تعجز عن حسم الملفات السياسية متى افتقرت إلى رؤية استراتيجية بعيدة الأمد؛ فإيران ليست مجرد مفاعل نووي يمكن اختزاله في صفائح من الرصاص واليورانيوم، بل هي جغرافيا مترامية، وذاكرة تاريخية صلبة، وشبكة معقدة من التحالفات والأذرع التي استطاعت طهران نسج خيوطها بصبر وعناية عبر العقود. ومن يظن أن غارات جوية واسعة قادرة على محو مشروع إقليمي متجذر، كمن يحاول اقتلاع شجرة معمرة بقطع أغصانها الظاهرة، واهمًا أن جذورها العميقة في الأرض ستفنى من تلقاء نفسها.
وتاريخنا القريب شاهد لا يخطئ؛ فقد خرجت طهران من أتون حرب الاستنزاف الطويلة في ثمانينيات القرن الماضي وهي تنزف دم ودمار ولم تمضي سوى سنوات معدودة حتى أعادت ترتيب بيتها الداخلي، ورممت مؤسساتها العسكرية، وراحت تبني أدوات ردعها من جديد. فالدول التي تملك مؤسسات قائمة لا تموت بهذه السرعة وانما تستمد من رمادها أسباب جديدة للبعث. وهنا تكمن المعضلة الكبرى التي تتجاهلها الحسابات الأمريكية المتعجلة؛ فواشنطن وإسرائيل وفق هذه القراءة، لا تبتغيان إسقاط النظام الإيراني من أساسه، وتسعيان إلى ترويضه وتجريده من أنيابه الحادة، مع إبقائه بمثابة البعبع الدائم الذي تُسوَّق من خلاله سياسات الابتزاز، وتحافَظ به على حاجة عواصم المنطقة إلى الرعاية والتحصين الأجنبي. وإذا انتهت الجولة الراهنة بلا اتفاق سياسي ملزم يكبّل طهران ويقيد حركتها، فلن يكون أمام العالم سوى نمر جريح يعود إلى وكره ليلعق جراحه، متربص باللحظات القريبة والبعيدة، بينما تفقد القوى الدولية رغبتها وقدرتها على خوض حرب ثانية باهظة التكاليف.
وليس خافيا أن قوة طهران لم تكن يوما مستمدة من مفاعلاتها النووية وحدها، وانما من جغرافيا ممتدة، وموارد بشرية واجتماعية ضخمة، وشبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء الذين نسجت خيوطهم على نار هادئة ولعل في تجربة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي عبرة بالغة لمن يعتبر؛ فقد خرجت إيران يومذاك من أتون حرب استنزاف كادت تعصف بكيانها، وما لبثت أن استعادت عافيتها، وبنت مؤسساتها العسكرية، ووسعت نطاق نفوذها السياسي في محيطها العربي، حتى أصبحت رقم لا يمكن تجاوزه. ما دامت بنية النظام قائمة، ومفاصل الدولة تحت سيطرته، فإن الخسائر مهما عظمت لا تعني نهاية قدرته على إعادة بناء قوته واستعادة نفوذه.
ومن هنا تتجلى المعضلة الكبرى في الموقف الأمريكي الذي يبدو أن الهدف المعلن أو العملي غالبا هو شل القدرة الآنية، دون اكتراث كافي بما قد يأتي غدا. وحين تنتهي المواجهة بلا اتفاقيات صارمة وملزمة، وتبدأ طهران في لملمة قدراتها الصاروخية وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية، فإن التفكير في خوض حرب ثانية سيصبح درس بالغ الصعوبة، بالنظر إلى ما تتحمله الدول الكبرى من تبعات اقتصادية وسياسية باهظة. بل إن القراءة الاستراتيجية المتجردة تطرح احتمال أكثر خطورة، يتمثل في رغبة واشنطن، ومن خلفها إسرائيل، في إبقاء إيران في دور البعبع الذي يبتز دول المنطقة، بحيث يجري تحطيم طموحها النووي فحسب، مع ترك قدراتها التقليدية وأدوات نفوذها الإقليمي قائمة، لتظل مصدرا دائما للخوف والتبعية.
وعلى دول الإقليم التي تستشعر حرارة هذه النار أن تدرك عمق المأزق فالنظام الإيراني، إن نجا من هذه العاصفة، قد يخرج منها بثقة أكبر في قدرته على الصمود، وربما يوظف بقاءه سياسيا وشعبيا، ويقدم نفسه لأنصاره في الداخل والقطاعات الموالية له في المشرق العربي باعتباره الحصن المنيع. وحينئذ لن تكفي طمأنة الولايات المتحدة بأن ما تحقق يمثل نصر عسكري أو أنها أفرغت الترسانة من جانب من قدراتها، فالمعيار الحقيقي للأمن الإقليمي يظل مرتبط بمعالجة مصادر التهديد، وفي مقدمتها منظومة الصواريخ الباليستية وشبكة الأذرع الممتدة من بغداد وصنعاء إلى بيروت وغزة..فالحرب التي تترك وراءها نمر جريح تتحرك فيه غرائز الانتقام، ليست سوى استراحة مقاتل أو جولة مؤجلة من صراع أشد ضراوة.
لهذا كله، من غير المعقول أن تكتفي العواصم العربية بموقع المتفرج الذي يترقب نتائج الميدان؛ فالواجب القومي والسياسي يفرض تحركا استباقيا وموقفا موحدا يضع أمام البيت الأبيض ضرورة ألا تنتهي مهمته عند حدود الضربات العسكرية المؤقتة وأي تسوية لا تشمل القدرات الصاروخية الإيرانية، ولا تضع قيودا على شبكة نفوذها وأذرعها الإقليمية، لن تكون سوى تمهيد لعهد جديد من الابتزاز والفوضى وحينها ستدرك المنطقة متأخرة أن النار التي ظنت أنها خمدت لم تكن سوى جمر يتقد تحت رماد الهزيمة المؤقتة.