آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

نتنياهو من إرادة الداخل إلى التوسع العضوي للدولة: قراءة في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية وتحولات النظام الدولي

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 03:16 م
د. جمال الهاشمي


لا تقاس الاستراتيجيات الكبرى للدول بما تعلنه من أهداف وإنما بما تنتجه من تحولات في موازين القوة والجغرافيا السياسية وبما تمارسه من علاقات.

فالدولة التي تسعى إلى التوسع لا تقدم مشروعها باعتباره سعيا للهيمنة وإنما قد تقدم لكل مرحلة من مراحل تقدمها مبررا أمنيا أو سياسيا أو قانونيا مما يجعل الفعل العسكري يبدو وكأنه استجابة لضرورة قائمة بينما يكشف الترابط بين هذه الأفعال عن اتجاه استراتيجي يتجاوز حدود المبررات المعلنة.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة الاستراتيجية الإسرائيلية في عهد بنيامين نتنياهو لا ينبغي أن تنحصر في تفسير الحروب باعتبارها مواجهات منفصلة مع حماس أو حزب الله أو إيران ومن خلال دراستي لهذه النتائج التراكمية من المواجهات وما تتيحه من إعادة تشكيل المجال الجغرافي والأمني المحيط بإسرائيل نجد أن أزمة الشرق الأوسط تبدأ من داخل كثير من النظم العربية التي تسعى للخلاص بنفسها دون اعتبار للمصالح الإقليمية وهو ما يؤجل سقوطها لأن كثير من هذه النظم إنما تستثمر بقائها بالأزمات والخلافات بين الدول ولكنه وبعد سقوط بعض النظم القومية أصبح الطريق سالكا للتخلص من الحلفاء ولكن ليس دفعة واحدة وإنما يتطلب استثماره في الصراع العابر للحدود ومن ثم وبطريقة غير مباشرة عبر الضغوط ااخارجية فك الارتباط والتغذية العكسية بيد المجتمع والدولة القائمة .

وتقوم الفرضية المركزية لهذه القراءة على أن إسرائيل تشهد تحولا من مفهوم الدولة التي تستخدم القوة العسكرية لحماية حدودها إلى مفهوم الدولة التي تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية لضمان تفوقها.

وهذا ما يمكن تسميته بالتوسع العضوي للدولة حيث لا يقتصر التوسع على ضم الأراضي وإنما يمتد إلى توسيع مجال السيطرة الأمنية والاقتصادية والسياسية وتحويل ضعف الدول المحيطة إلى أحد شروط استمرار القوة الإسرائيلية وتوسيع جغرافية الدولة . وبذلك يصبح التوسع الجغرافي نتيجة محتملة لتوسع النفوذ وليس ا صورته الوحيدة وتصبح السيطرة على القرار السيادي للدول المجاورة أحيانا أكثر أهمية من السيطرة المباشرة على أراضيها.

غير أن هذا التحول لا يمكن تفسيره بإرادة نتنياهو وحدها بل ينبغي ربطه بالتحولات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي وصعود التيارات القومية والدينية الداعية إلى توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية وبالتحولات الدولية التي أعادت الاعتبار للقوة العسكرية في إدارة التنافس بين الدول.

فقد وجد نتنياهو في البيئة الداخلية الإسرائيلية قاعدة سياسية تسمح بتقديم التوسع باعتباره ضرورة أمنية وتاريخية بينما وجد في التحولات الإقليمية والدولية فرصة لتحويل هذه الضرورة إلى وقائع عسكرية وسياسية. وهكذا تنتقل إرادة الداخل من كونها توجها أيديولوجيا إلى مشروع استراتيجي يسعى إلى إعادة تعريف موقع إسرائيل داخل الشرق الأوسط.

وتبدأ الحلقة الأولى من هذا المشروع المحتمل بفلسطين باعتبارها المجال الجغرافي الذي تتداخل فيه العقيدة السياسية الإسرائيلية مع الاعتبارات العسكرية والأمنية. فالحرب على غزة والتي تقدمها إسرائيل باعتبارها حربا ضد حماس لا يمكن فصل نتائجها عن مستقبل الكيان السياسي الفلسطيني إذ إن تدمير البنية العسكرية والتنظيمية لحماس وإضعاف المؤسسات المدنية والاقتصادية في القطاع يطرحان مسألة من يمتلك القدرة على إعادة بناء السلطة الفلسطينية ومن يحدد طبيعة النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم غزة مستقبلا.

وفي الضفة الغربية يتخذ المسار صورة مختلفة حيث تتقدم السيطرة عبر الاستيطان وتوسيع الصلاحيات الإدارية والأمنية الإسرائيلية، وتقليص المجال الجغرافي والسياسي المتاح لقيام دولة فلسطينية مستقلة. ومن هنا يمكن بناء سيناريو استشرافي لخمس سنوات ليس باعتباره جدولا زمنيا إسرائيليا معلنا وإنما كأفق لتحليل اتجاهات السيطرة. ففي المرحلة الأولى يجري تثبيت واقع أمني جديد في غزة وفي المرحلة التالية تتسارع عمليات إعادة تنظيم السيطرة على الضفة الغربية ثم يصبح تفكيك المقومات العملية للسيادة الفلسطينية مدخلا إلى ضم فعلي للجغرافية كأجزاء منفصلة من الأرض تبررها بردة الفعل ومكافحة الارهاب داخل المجال الفلسطيني ومن ثم ممارسة التهجير حتى و إن تأخر الإعلان القانوني عن الضم لأن فرض الواقع بالقوة أقوى من الاعتراف القانوني ما دامت أمريكا حليفا استراتيجيا وايدلوجيا.

والنتيجة الاستراتيجية المحتملة لهذا المسار ليست فقط في إضعاف السلطة الفلسطينية وإنما تحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى إلى إقامة دولة إلى قضية تجمعات سكانية تخضع لترتيبات أمنية وإدارية تفرضها القوة المسيطرة وهو ما يعني نهاية السلطة الفلسطينية.

وعندئذ تكون إسرائيل قد انتقلت من إدارة الصراع مع الفلسطينيين إلى إعادة تعريف مستقبلهم السياسي والجغرافي غير أن هذا المسار سيظل معرضا لمقاومة فلسطينية وضغوط دولية وتكاليف اقتصادية وأمنية قد ترفع من تكلفة تحقيقه أو تحول دون اكتماله وهنا يجب النظر إلى أزمة أوروبا والتي تؤدي إلى حالتين؛ الأولى انشغالها بمواجهة روسيا وهو ما قد يحقق لإسرائيل أهدافها في السيطرة على كل فلسطين وتهجير الكثير منهم بينما اخضاع البقية كما حدث مع عرب ٤٨.

أما الثانية اذا افترضنا استقرار أوروبا فإن الدول ستسعى للحفاظ على مصالحها الاستعمارية القديمة وهو ما قد سيعرقل بعضا من المشروع بينما يتحقق معظمه .

وتأتي لبنان في الحلقة الثانية من التحول العسكري الإسرائيلي. فالمواجهة مع حزب الله لا تقتصر في نتائجها المحتملة على إضعاف تنظيم مسلح وإنما يمكن أن تمتد إلى تغيير معادلة الردع على الحدود الشمالية وإعادة تحديد المجال الذي تستطيع الدولة اللبنانية ممارسة سيادتها فيه.

فإذا استطاعت إسرائيل تقليص القدرات العسكرية لحزب الله فإنها تكون قد أزالت جزءا مهما من مصادر التهديد التي تعتبرها قائمة على حدودها و لكنها قد تسعى أيضا إلى فرض ترتيبات أمنية تمنع إعادة تشكل قوة عسكرية قادرة على موازنة تفوقها وهو ما سيجعل القدرات الدفاعية للجيش اللبناني في مرمى الضربات الجوية الإسرائيلية.

وهو ما يعني انتقال العمليات الإسرائيلية من استهداف حزب الله إلى فرض قيود عملية على القدرة الدفاعية اللبنانية عموما.

أما سوريا فتمثل الحلقة الأكثر تعقيدا في الجغرافيا العسكرية الإسرائيلية لأنها تشكل نقطة اتصال بين لبنان والعراق والأردن وفلسطين وتمتلك موقعا استراتيجيا يسمح لأي قوة مسيطرة على جنوبها بالتأثير على

في التوازنات العسكرية والأمنية للدول المحيطة. ولذلك فإن إضعاف القدرات الدفاعية السورية لا يمكن النظر إليه من زاوية المواجهة الإسرائيلية السورية وحدها، وإنما من خلال ما يحدث من تحولات في الجغرافيا الاستراتيجية للمشرق العربي. فكلما تراجعت قدرة دمشق على بسط سيادتها العسكرية على الجنوب اتسعت إمكانات التدخل الخارجي وتحولت المناطق الحدودية إلى مجال تتنافس فيه القوى الإقليمية على إعادة توزيع النفوذ.

و يمكن قراءة العمليات الإسرائيلية ضد المنشآت والقدرات العسكرية السورية كاستراتيجية لمنع إعادة تشكيل قوة دفاعية سورية قادرة على فرض توازن عسكري مستقبلي.

ولكن الأهمية الأبعد لهذه العمليات تكمن في نتائجها السياسية إذ إن استمرار إضعاف المركز السوري قد يؤدي إلى تعزيز النزعات المحلية والانقسامات الاجتماعية والمناطقية وظهور ترتيبات أمنية وإدارية تتجاوز سلطة الدولة المركزية. وعندئذ يمكن أن تتحول مسألة حماية الأقليات والحقوق المحلية والحكم الذاتي إلى أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية إذا جرى توظيفها خارجيا وربطها بترتيبات حماية ونفوذ منفصلة عن الدولة السورية وقد يحدث بعد تثبيت الاستقلال الذاتي استفتاء حق تقرير المصير ومن ثم تندمج هذه الاقليات مع إسرائيل وقد يأخذ ترتيبات قانونية.

وتزداد أهمية الجنوب السوري عندما ننظر إلى الأردن باعتباره الامتداد الجغرافي الأكثر تأثرا بمستقبل هذه المنطقة.

فالأردن في فلسفة الجغرافيا العسكرية يشكل العمق الشرقي لفلسطين ويرتبط أمنه الوطني بمستقبل الضفة الغربية وبالتوازنات العسكرية في جنوب سوريا.

ومن ثم فإن أي تحول في هذه الجغرافيا ستكون له انعكاسات مباشرة على موقع الأردن الاستراتيجي خصوصا إذا تزامن مع اتساع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية وتراجع قدرة الدولة السورية على ضبط حدودها الجنوبية.

ومن هنا يمكن استشراف احتمال انتقال التوتر الأردني السوري من مستوى التحديات الحدودية إلى مستوى التنافس الأمني والسياسي إذا استمرت الظروف التي تهدد الاستقرار.

وهنا قد يضطر الأردن إلى توسيع إجراءاته الدفاعية لحماية حدوده من الجماعات المسلحة وشبكات التهريب بينما قد تنظر دمشق إلى بعض هذه الإجراءات باعتبارها انتقاصا من سيادتها. ومع تراكم الأزمات يمكن أن تنشأ حالة من انعدام الثقة تؤدي إلى احتكاكات عسكرية محدودة وإن كانت المصالح المشتركة بين الدولتين تجعل الحرب الشاملة أقل ترجيحا.

إلا أن تدخل الأردن قد يساهم في اضعاف هذه الخاصرة الأمنية بالطبع لصالح إسرائيل حيث قد يؤدي تبرير تدخل الأردن إلى تبرير التدخل الإسرائيلي ومن ثم يتحول يصبح التعاون بينهما قانونيا على حساب سوريا وأمنها .

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الاحتمال في أن إسرائيل قد تستفيد من انشغال الأردن وسوريا بمخاوفهما الأمنية المتبادلة، حتى دون أن تكون مسؤولة عن نشوء تلك المخاوف. فالدولتان اللتان تنصرفان إلى إدارة التوترات الحدودية تصبحان أقل قدرة على بناء تنسيق دفاعي وسياسي مشترك، وهو ما يتيح للقوة العسكرية المتفوقة هامشا أوسع للتحرك في البيئة الإقليمية المحيطة.

غير أن الأردن يمثل حالة مختلفة عن سوريا ولبنان بحكم ارتباطه بمعاهدة سلام مع إسرائيل وعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة. ولذلك فإن الانتقال إلى مواجهة عسكرية إسرائيلية أردنية ستكون مؤجلة.

لكن الخطر قد يتخذ شكلا آخر، يتمثل في الضغوط الجغرافية والسياسية والاقتصادية التي قد تنشأ عن إعادة تشكيل الضفة الغربية وما يمكن أن تفرضه من تحديات على الأمن الوطني الأردني.

وإذا اتجهت إسرائيل نحو توسيع الضم الفعلي في الضفة الغربية وتقليص مقومات الدولة الفلسطينية فإن الأردن قد يواجه تحولات تمس دوره الإقليمي وتوازناته الداخلية.

وقد يصبح الضغط السياسي والديموغرافي والاقتصادي أكثر تأثيرا من التهديد العسكري المباشر.

وفي هذه الحالة لا يكون إضعاف الأردن بالضرورة من خلال تدمير قدراته الدفاعية وإنما نتيجة تضييق هامش حركته الاستراتيجية وإعادة تشكيل البيئة الأمنية التي تحيط به .

وتكشف هذه العلاقة بين فلسطين وسوريا والأردن عن طبيعة التوسع العضوي للدولة حيث لا تتقدم السيطرة دائما عبر احتلال أراض جديدة وإنما عبر إحداث تغيرات متراكمة في موازين القوة تجعل الدول المحيطة مضطرة إلى إعادة تنظيم سياساتها الدفاعية والاقتصادية وفق واقع تفرضه القوة الإقليمية المتفوقة ومن ثم تتوسع الدولة عبر خطوات استراتيجية تقوم على تقييم المخاطر الإقليمية والدولية.

ويمكن الانتقال إلى الاستراتيجية العسكرية الأولى التي تقوم عليها الفرضية التحليلية للمقال وهي إضعاف القدرات الدفاعية للدول والقوى المحيطة بإسرائيل بما يمنع نشوء توازن عسكري إقليمي قادر على تقييد حرية عملياتها.

فإيران تمثل مركزا رئيسيا للقدرات العسكرية وشبكات النفوذ المناوئة لإسرائيل ولبنان يمثل ساحة مواجهة مع حزب الله وسوريا تمثل العمق الجغرافي الرابط بين المشرق العربي بينما يرتبط العراق بهذه المعادلة من خلال موقعه وشبكات القوى المسلحة الموجودة فيه.

والغاية المحتملة لهذا الاتجاه ليست بالضرورة تدمير جميع الجيوش أو احتلال جميع الدولط وإنما الوصول إلى بيئة أمنية يصبح فيها التفوق الإسرائيلي غير قابل للموازنة في المدى المنظور ومن ثم سيكون التوسع تحت مبررات أمنية حيث يبدأ بمواجهة التهديدات وإن كانت فردية ومن ثم فرض الواقع وسيكون بيدها تغيير الأنظمة ومنع أي شخصيات من تولي السلطة إلا من خلالها بنفس النموذج الذي فعلته إيران في العراق وساهمت في تفكيكه واضعافه ولم تدرك أن اضعاف العراق تهديد لها وأن العراق ثغر إيران والعرب معا وسقوطه تهديدا لكليهما ليس من بعضهما والذي كان حاضرا في فلسفة التاريخ وإنما من خلال إسرائيل التي قامت على نفس النموذج الأمريكي في ارض الهنود الحمر .

وهذا ما يحول القوة العسكرية من أداة للردع إلى وسيلة لإعادة تنظيم العلاقات بين الدول بحيث تتراجع قدرة القوى المحيطة على اتخاذ قرارات دفاعية مستقلة دون حساب احتمالات التدخل الإسرائيلي.

وتأتي الاستراتيجية الثانية في مجال الاستنزاف الاقتصادي إذ إن القدرة العسكرية للدولة لا تنفصل عن قاعدتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. فإيران ومصر وتركيا والسعودية تمثل مراكز قوة إقليمية مختلفة وتملك كل منها مقومات تؤهلها للتأثير في موازين الشرق الأوسط. ولذلك فإن استمرار الأزمات الاقتصادية والضغوط المالية والتحديات التنموية التي تواجه بعضها قد يؤدي إلى تقليص قدرتها على تطوير منظومات دفاعية مستقلة أو تشكيل

توازنات إقليمية جديدة قادرة على الحد من التفوق الإسرائيلي.

ولا تكمن أهمية الاستنزاف الاقتصادي في إضعاف الموارد المالية للدولة وحدها، وإنما في تحويل أولوياتها الاستراتيجية من بناء القوة والتأثير الخارجي إلى إدارة الأزمات الداخلية والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

فالدولة التي تنشغل بمواجهة التضخم والديون وتراجع الاستثمار وضغوط المعيشة تصبح أقل قدرة على تخصيص موارد طويلة الأمد لتطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز استقلالها التكنولوجي والعسكري.

ومن هنا يمكن قراءة الاستنزاف الاقتصادي باعتباره أحد المسارات التي قد تستفيد منها إسرائيل في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي دون افتراض أنها تتحكم في جميع الأزمات الاقتصادية للدول المنافسة.

فإيران تواجه تحديات مرتبطة بالعقوبات والضغوط الخارجية وتكاليف المواجهات الإقليمية ومصر تواجه أعباء اقتصادية وتنموية تتداخل مع متطلبات الأمن القومي وتركيا تسعى إلى المحافظة على توازن بين طموحاتها العسكرية والصناعية ومتطلبات استقرارها الاقتصادي بينما تعمل السعودية على إعادة هيكلة اقتصادها وتنويع مصادر قوتها في ظل تحولات أسواق الطاقة والتنافس الدولي.

وتختلف طبيعة التحديات بين هذه الدول ولكن القاسم الاستراتيجي المشترك يتمثل في أن تراجع القدرة الاقتصادية لأي قوة إقليمية رئيسية قد ينعكس على قدرتها على بناء استقلال دفاعي وسياسي.

ومن ثم فإن استمرار الضغوط الاقتصادية إذا تزامن مع تصاعد التوترات العسكرية قد يؤدي إلى اختلال في موازين القوة بحيث تستفيد منه الدولة التي تتمتع بتفوق تكنولوجي وعسكري ودعم خارجي مستمر.

وتأتي الاستراتيجية الثالثة في محاولة تحويل التفوق العسكري والتكنولوجي إلى نفوذ اقتصادي وأمني داخل المنظومة الإقليمية خصوصا من خلال العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومسارات التعاون مع دول الخليج والدول العربية الأخرى.

فالتعاون في مجالات الدفاع الجوي والتكنولوجيا والطاقة والتجارة والممرات الاقتصادية يمكن أن يفتح المجال أمام نشوء شبكات اعتماد متبادل لكن اختلال موازين القوة داخل هذه الشبكات قد يحول التعاون إلى مصدر نفوذ سياسي واستراتيجي غير متكافئ.

ومن هنا تظهر العلاقة بين الاستراتيجيات الثلاث، إذ إن إضعاف القدرات العسكرية يحد من استقلال القرار الدفاعي، بينما يؤدي الاستنزاف الاقتصادي إلى تقليص قدرة الدول على استعادة قوتها، ثم تأتي شبكات التعاون الأمني والاقتصادي لتعيد تنظيم علاقاتها الخارجية ضمن موازين جديدة. وعندما تتزامن هذه التحولات مع الانقسامات الداخلية والتنافس على السلطة والثروة والنفوذ، تصبح الدولة أكثر عرضة لتآكل سيادتها الفعلية.

غير أن هذه الاستراتيجيات لا يمكن فصلها عن التحولات الدولية التي تشهد انتقالا تدريجيا من مرحلة الهيمنة الأمريكية الواسعة إلى مرحلة تنافس أكثر تعقيدا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية صاعدة.

فالولايات المتحدة تسعى إلى المحافظة على موقعها في قمة النظام الدولي وترى في الشرق الأوسط مجالا مهما للتحكم في الممرات البحرية والتجارة والطاقة والتوازنات العسكريةزولذلك فإن الاعتماد على إسرائيل يمثل أحد خياراتها الاستراتيجية للحفاظ على نفوذها وتقليل أعباء تدخلها المباشر.

وفي المقابل قد ترى القيادة الإسرائيلية في هذا التوجه الأمريكي فرصة تاريخية لتوسيع دورها الإقليمي من خلال تقديم إسرائيل باعتبارها القوة العسكرية والتكنولوجية الأقدر على حماية المصالح الامريكية ومواجهة القوى المناوئة للولايات المتحدة.

وبهذا قد تسعى إلى الانتقال من موقع الحليف الذي يحصل على الحماية والدعم إلى موقع الشريك الذي يؤدي وظائف أمنية إقليمية واسعة نيابة عن القوة الدولية الكبرى.

لكن هذا التداخل بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية لا يعني تطابقها الكامل. فالولايات المتحدة تحتاج إلى استمرار تدفق التجارة والطاقة بينما قد تؤدي بعض السياسات التوسعية الإسرائيلية إلى تهديد هذه المصالح وإنتاج أزمات جديدة.

ومن هنا يمكن أن ينشأ تناقض بين الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى إدارة التوازنات الإقليمية وبين أي توجه إسرائيلي يسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة جغرافية وسياسية مفتوحة ولكن لن يكون هذا التناقض في ظل حكومة ترامب.

و عندما تتحول نتائج الاستنزاف العسكري والاقتصادي إلى عوامل لتفكيك الدولة من الداخل. فالدولة التي تفقد قدرتها على حماية حدودها وتتراجع مواردها الاقتصادية وتدخل مكوناتها السياسية والاجتماعية في صراعات ممتدة على السلطة والثروة تصبح أكثر عرضة لظهور مراكز قوة محلية تتنازع السيطرة على الأرض والمؤسسات والموارد.

وهنا يصبح التقسيم أحد المآلات المحتملة والمتوقعة مستقبلا إذا ظلت الدولة العربية تؤدي نفس سياساتها الفردية دون اعتبار للمجال الإقليمي والتكامل الاستراتيجي واحترام السيادة.