آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

التكفير بين التدبير والتدمير: قراءة في إشكالية المصالحة بين أطراف الصراع اليمني

الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 01:38 م
د. جمال الهاشمي


إن التكفير والتخوين في الصراع بين المكونات اليمنية تجاوز مرحلة التعبير عن الاختلافات العقائدية والخصومات سياسية وتحول إلى أداتين لإدارة العنف وإعادة تشكيل المجتمعات وبذلك أصبح أدلة بيد الأطراف للتدبير والتعبئة وإدارة الحرب ومن أحد أهم العوامل التي قد تهدد بتدمير مستقبلها السياسي والاجتماعي.

ومن هنا نجد أن الحوثيين يصفون خصومهم بالدواعش والتكفيريين والارهابيين باعتبار المفهومين من أهم المفاهيم المحورية للسياسات الدولية في الشرق الأوسط.

ويقابلهم خصومهم بوصفهم بالمجوس والروافض .

وهو ما نقل سمة الصراع من التنافس على السلطة إلى الصراع على الشرعية الدينية والوطنية.

ومع استمرار هذه التعبئة اصبح الخصم السياسي عدوا وجوديا ومن هنا نشأ مفهوم الجهاد المعاصر.

وهو ما يجعل التسوية معه كخيار عقلاني إلى ما تصلب يرى أن ذلك تنازلا عن العقيدة والهوية وهنا تكمن الأزمة، إذ تستطيع الجماعات توظيف التكفير والتخوين لتعبئة أنصارها وتعزيز تماسكها العسكري ولكنها ستكتشف لاحقا أن الخطاب الذي ساعدها على استمرار الحرب أصبح عائقا على إنهائها.

ومن هذا الإدراك انطلقت دعوتنا إلى المصالحة الوطنية وسعينا إلى تأسيسها مؤسسيا سنون مضت كانت الشرعية ترفض المصالحة انطلاقا من مشروعيتها وبحجة اختلافها وتحفظها عن بعض الشخصيات رغم ابداء كثير من المكونات رغبتهم في خوض تجربة الحوار اليمني اليمني.

ومن خلال هذا المشروع تبين أن الأزمة اليمنية لا يمكن اختزالها في خلاف بين قيادات تتنافس على السلطة فقط وإنما هي أزمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع وفي قدرة المكونات السياسية والمذهبية والمناطقية على الاعتراف المتبادل بحقوق بعضها.

وأن هذه المصالحة التي دعونا إليها لم تكن تسعى لتسوية عابرة بين المتحاربين ولا إعادة توزيع للسلطة والمناصب وإنما انتقال من إدارة الصراع كمصدر للنفوذ إلى إدارة الاختلاف بوصفه أساسا لبناء الدولة.

وهذا الانتقال لا يشترط تطابق المعتقدات أو وحدة المشاريع السياسية وإنما يتطلب اتفاقا على قواعد مشتركة تمنع تحويل الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء والعنف .

إن المشكلة ليست في وجود تعدد مذهبي أو سياسي أو مناطقي فقد عرفت المجتمعات اليمنية تاريخيا أشكالا متعددة من الاختلاف والتداخل الاجتماعي وإنما في تحويل هذا التعدد إلى مادة للتعبئة العسكرية وتوسيع العداوة وتضييق الحرية العقائدية واستغلال السلطة للمعتقدات ومنع المخالفين

حي أن الحرب لم تكتف بعسكرة الجغرافيا وانما امتدت إلى عسكرة المجتمع واللغة والذاكرة التاريخية، وأنتجت قاموسا جديدا لتصنيف المواطنين وفق انتماءاتهم وأصولهم ومواقفهم السياسية.

وانتشرت أوصاف مثل الميليشيات والدحابيش والسلالي والحراكي والانفصالي والخونجي والوهابي والبرغلي والعميل والتي اختزلت الشافعية والزيدية كهويتين لا كعقيدتين إلا على مستوى النخبة وهو ما جعل المجتمعات اليمنية متشابهة حتى افسدتها الاختلافات التي اخرجها صغار العلم للعامة وتوسيع الاختلاف تحت مظلة البحث العلمي الهدام .

وإلى جانب الاختلافات الفكرية برزت مصطلحات عرقية عبر استدعاء تسميات الأقيال والطبريين والحبشي والأبناء والهندي والعربي وغير العربي.

ورغم اختلاف الدلالات التاريخية والسياسية لهذه المصطلحات فإن توظيفها في سياق التحقير والإقصاء يعكس تحولا خطيرا من الخصومة بين التنظيمات والفكر السياسي إلى الخصومة بين الهويات الاجتماعية ذاتها.

وحين يصبح الأصل أو النسب أو المذهب أو المنطقة معيارا للولاء الوطني تنتقل الحرب من الجبهات العسكرية إلى العلاقات اليومية بين المواطنين.

وتصبح الهوية التي يفترض أن تعبر عن التنوع الثقافي والتكامل الى وسيلة للتمييز السياسي والاجتماعي ويتحول التاريخ من مصدر للمعرفة والانتماء إلى أداة لإثبات التفوق أو نفي حقوق الآخرين.

ومن هنا فإن استدعاء الأقيال أو الأنساب الهاشمية أو الأصول العربية وغير العربية لا يمثل مشكلة في ذاته وإنما تكمن المشكلة في تحويل هذه الانتماءات إلى مرجعيات تمنح الجماعات حقا سياسيا يتقدم على حقوق بقية المواطنين.

فالدولة الحديثة لا تستمد مشروعيتها من الأنساب وإنما من المواطنة والقانون والقدرة على إدارة المصالح العامة.

وتبرز هنا إحدى أهم وظائف المصالحة المجتمعية التي يسعى مشروع المصالحة إلى تأصيلها وهي إعادة بناء العلاقة بين الهويات الجزئية والهوية الوطنية الجامعة. فالمطلوب ليس إلغاء الخصوصيات المذهبية أو المناطقية أو الثقافية وإنما منع تحويلها إلى حدود سياسية واجتماعية مغلقة ولا يمكن تحقيق ذلك باتفاق القيادات لأن المصالحة السياسية قد توقف المواجهة المسلحة، لكنها لا تزيل تلقائيا العداوات التي استقرت في الوعي الاجتماعي.

ومن ثم فإن أي مشروع جاد للمصالحة يحتاج إلى معالجة خطاب الكراهية وإعادة الاعتبار للمؤسسات التعليمية والثقافية والمدنية وفتح مساحات للحوار بين المكونات التي أعادت الحرب تعريف علاقاتها على أساس الخصومة.

إن أخطر ما في عسكرة المجتمعات أنها اوجدت بنية اجتماعية واقتصادية تستفيد من استمرار الحرب.

ومع مرور الزمن تنشأ شبكات مصالح ترتبط بالسلاح والجبايات والموارد والوظائف والنفوذ المحلي وتتحول الحرب من حالة عابرة إلى وسيلة لتنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية وفي هذه البيئة تصبح العداوات موردا سياسيا واقتصاديا يمكن استثماره في التعبئة والحصول على الامتيازات.

وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته باقتصاد العداوة حيث تتداخل المصالح المادية مع الخطابات المذهبية والمناطقية وتصبح المصالحة تهديدا لبعض المستفيدين من استمرار الانقسام.

وهذا يفسر جانبا من استمرار الصراع رغم تراجع فرص الحسم العسكري فبعض القوى قد تدرك محدودية قدرتها على تحقيق انتصار نهائي لكنها تفضل استمرار حالة اللاسلم واللاحرب لأنها تحفظ لها نفوذا قد تفقده في ظل مؤسسات وطنية موحدة.

ولذلك فإن المصالحة لا تواجه الأفكار المتشددة وحدها وإنما تواجه أيضا منظومة مصالح نشأت خلال الحرب وأصبحت تعتمد على استمرارها ومن هنا فإن نجاح المصالحة بوصفه مشروعا بحثيا ومجتمعيا مقترحا يرتبط بقدرته على دراسة هذه المصالح وتقديم تصورات تجعل عوائد الاستقرار والتنمية والمشاركة السياسية أكبر من عوائد الصراع.

ومن الضروري في هذا السياق التمييز بين التشيع العربي بوصفه امتدادا تاريخيا واجتماعيا داخل المجتمعات العربية وبين المشاريع السياسية والعسكرية التي توظف الانتماء المذهبي في بناء النفوذ.

فالتشيع العربي شأنه شأن بقية المذاهب الإسلامية لا يمكن اختزاله في الولاء لدولة خارجية أو مشروع عسكري معين كما أن الزيدية اليمنية تشكلت تاريخيا داخل بيئة اجتماعية وثقافية عربية ذات تقاليد سياسية وفقهية خاصة.

وقد عرفت العلاقات بين الزيدية والشافعية في اليمن فترات طويلة من التداخل والتعايش رغم ما شهدته من صراعات سياسية ومذهبية في مراحل مختلفة.

وهذا التداخل يكشف أن الانقسام الراهن هو نتيجة تفاعل معقد بين العقيدة والسلطة والحرب والمصالح.

كما أن دراسة أنماط العنف في اليمن ينبغي أن تنطلق من الوقائع الموثقة لا من التعميمات المذهبية.

فقد شهدت الحرب انتهاكات جسيمة بما فيها حالات موثقة من العنف وهي جرائم تستوجب المحاسبة دون اعتبار لانتماء مرتكبيها غير أن وجود هذه الجرائم لا يبرر تعميمها على مجتمع أو مذهب بأكمله كما أن المقارنة مع النزاعات الطائفية الأخرى تحتاج إلى التمييز بين الانتهاكات الفردية والأنماط المنظمة للعنف.

وفي المقابل فإن استمرار بعض الروابط الاجتماعية والأعراف المحلية رغم الحرب يمثل مجالا مهما لدراسة عوامل التماسك المجتمعي وإمكانات توظيفها في المصالحة دون تحويل تلك الأعراف إلى بديل عن القانون والعدالة.

غير أن المصالحة لا يمكن أن تقوم على افتراض تماثل الأطراف المتصارعة في بنيتها أو مسؤولياتها أو أهدافها. فالحوثيون يمتلكون تنظيما عسكريا وعقائديا مركزيا يسعى إلى إعادة تشكيل السلطة والمجتمع بينما يجمع الإصلاح بين امتداد حزبي واجتماعي ومرجعيات دينية وسياسية متعددة وتتوزع القوى السلفية بين اتجاهات دينية واجتماعية وعسكرية مختلفة.

أما المجلس الانتقالي الجنوبي فيستند إلى مشروع سياسي وجغرافي مرتبط بالقضية الجنوبية وإعادة تعريف العلاقة بين الشمال والجنوب.

وهذه الاختلافات لا تمنع البحث عن المصالح المشتركة لكنها تفرض أن تكون المصالحة قائمة على فهم دقيق لبنية كل طرف ولا على تصور نظري يفترض إمكانية جمع الجميع في اتفاق شكلي واحد وتكشف التجربة اليمنية أن قوة الجماعة لا تعني بالضرورة قوة الدولة.

فقد تستطيع جماعة بناء تنظيم عسكري متماسك أو السيطرة على مساحة جغرافية واسعة أو امتلاك شبكة من العلاقات الخارجية لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل هذه المقومات إلى مؤسسات حكم مستقرة. فالدولة تحتاج إلى قبول اجتماعي يتجاوز قاعدة أنصارها وإلى موارد اقتصادية قابلة للاستمرار ومؤسسات خدمية وإدارية وقدرة على إدارة الاختلاف دون اللجوء المستمر إلى التعبئة والقوة.

ولذلك فإن معيار النجاح السياسي لا ينبغي أن يقتصر في القدرة على السيطرة وإنما على القدرة على تحويل السيطرة إلى شرعية مؤسسية وخدمات واستقرار.

وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في المشروع السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي. فالجنوب ليس كتلة اجتماعية أو سياسية موحدة الولاء والأهداف، بل تتداخل فيه هويات محلية ومصالح اقتصادية وتوازنات قبلية ومناطقية مختلفة ولا يمكن افتراض أن المواقف السياسية في عدن ولحج وأبين تتطابق بالضرورة مع المصالح والتصورات السائدة في حضرموت والمهرة وشبوة.

ولذلك فإن قدرة الانتقالي على توسيع نفوذه العسكري لا تمنحه تلقائيا القدرة على حكم الجنوب منفردا لأن السيطرة على الجغرافيا تختلف عن امتلاك تفويض اجتماعي وسياسي شامل.

ومن هذا المنطلق فإن التقدير يرجح أن المجلس الانتقالي بصيغته التنظيمية والسياسية الحالية سيواجه صعوبة بنيوية في تحويل مشروعه إلى سلطة مستقرة على كامل الجنوب دون توافق واسع مع بقية المكونات الجنوبية.

وقد يؤدي تجاهل هذا التعدد إلى نقل الصراع من مستوى العلاقة بين الشمال والجنوب إلى مستوى التنافس داخل الجنوب نفسه بما يجعل الانفصال إذا تحقق دون تسوية جامعة بداية لأزمة جديدة بدلا من أن يكون نهاية للأزمة القائمة.

وهذا لا يعني إنكار القضية الجنوبية أو التقليل من مظالمها وإنما يعني أن معالجة الإقصاء التاريخي لا ينبغي أن تتم بإنتاج إقصاءات جديدة.

وهنا تبرز أهمية المصالحة كإطار لإدارة المصالح والحقوق لا وسيلة لفرض خيار سياسي مسبق.

فالقضية الجنوبية تحتاج إلى حوار يعترف بتعدد تمثيل الجنوب وحق سكانه في المشاركة في تحديد مستقبله كما تحتاج إلى معالجة عادلة للموارد والسلطة والمظالم التاريخية ويمكن لبرنامج المصالحة أن يسهم في دراسة هذه المسارات وتقديم مقاربات تستند إلى المصالح الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية بدلا من اختزال القضية في تنافس الشعارات والهويات أو في هيئة التشاور والمصالح التي تتقاسمها نفوذ المكونات وجعلتها واحدة من أهم المؤسسات في تأطبر الاختلاف وتوسيعه ولس في تضييقه وتجاوزه حيث تتميز الحكومة اليمنية بتوسيع المسميات المؤسسية دون معاني حقيقية لمأسستها.

أما في مناطق سيطرة الحوثيين فإن المعضلة الاستراتيجية تتمثل في الفجوة بين متطلبات التنظيم العسكري ومتطلبات الحكم المستدام وقد استطاعت الجماعة المحافظة على تماسكها العسكري والتنظيمي خلال سنوات الحرب ولكن استمرار السيطرة يفرض تحديات تتعلق بإدارة الاقتصاد والخدمات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية وكلما أصبحت التعبئة العسكرية والعقائدية أساسا لإدارة المجتمع تراجعت فرص بناء شرعية سياسية تستوعب الاختلاف وتحقق استقرارا طويل الأمد وهو ما يجعل الغضب الاجتماعي والقبلي تحديا لذلك وأن خطر السلم سيكون أكثر عنفا من الحرب ما لم تتشكل قدرة مؤسسية واعية وأن القوة والعنف وشلل التنمية من أهم أسباب سقوط النظم والدول والحضارات.

فالمجتمع الذي يمكن تعبئته لمواجهة خطر خارجي لا يمكن بالضرورة إدارته إلى ما بالوسائل نفسها.

وفي المقابل تواجه القوى المنضوية ضمن الشرعية اليمنية بما فيها الإصلاح والمكونات السياسية والعسكرية الأخرى إشكالية تحويل الاعتراف الدولي والدعم الإقليمي إلى نموذج فعلي للدولة.

فالشرعية القانونية لا تكفي وحدها لبناء سلطة مستقرة ما لم تقترن بوحدة القرار العسكري وكفاءة المؤسسات وإدارة الموارد وتحسين الخدمات وإعادة الثقة بين المجتمع والسلطة.

كما أن استمرار الانقسامات داخل معسكر الشرعية يضعف قدرتها على تقديم بديل مؤسسي متماسك ويجعل الاعتراف الخارجي أقل تأثيرا في الحياة اليومية للمواطنين.

وعلى اختلاف هذه المشاريع فإنها تلتقي عند حدود القوة العسكرية.

فالحوثيون لا يستطيعون افتراض أن السيطرة العسكرية تكفي لإنتاج قبول اجتماعي دائم والانتقالي لا يستطيع افتراض أن القضية الجنوبية تمنحه حق تمثيل جميع الجنوبيين كما أن الشرعية لا تستطيع افتراض أن الاعتراف الدولي يعوض غياب المؤسسات والخدمات. ومن هنا فإن المصالحة لا تعني مساواة الأطراف في المسؤولية عن الحرب أو الانتهاكات وإنما تعني الاعتراف بأن أيا منها لا يستطيع بناء استقرار شامل بمجرد إقصاء الآخرين.

إن الحروب الممتدة لا تحسم دائما بانهيار الطرف الأضعف عسكريا وانما قد تنتهي بتآكل الطرف الأقل قدرة على التكيف مع متطلبات البقاء.

ومن ثم فإن معادلة الاستنزاف في اليمن لا ينبغي قياسها بعدد المقاتلين أو حجم التسليح أو مساحة السيطرة وحدها وإنما بقدرة كل طرف على بناء معادلة اجتماعية وجغرافية وتنموية وخدمية متماسكة.

وعني المعادلة الاجتماعية امتلاك حد مقبول من الرضا العام والمعادلة الجغرافية تعني القدرة على إدارة التنوع المكاني والمصالح المحلية والمعادلة التنموية تعني إيجاد موارد اقتصادية قابلة للاستمرار أما المعادلة الخدمية فتعني تحويل السلطة من جهاز للسيطرة والنفوذ إلى مؤسسة تقدم للمجتمع أسباب الاستقرار.

والطرف الذي يعجز عن تحقيق هذه المعادلات قد يحتفظ بقوته العسكرية زمنا طويلا لكنه يصبح أكثر عرضة للتآكل السياسي والاجتماعي.

وقد يخسر قدرته على الحكم قبل أن يخسر قدرته على القتال كما قد تتراجع شرعيته رغم احتفاظه بالدعم الخارجي أو الاعتراف السياسي وهذا هو الفارق بين بقاء التنظيم وبقاء الدولة؛ فالتنظيم يستطيع الاستمرار في ظروف الصراع أما الدولة فلا تستطيع الاستمرار طويلا دون اقتصاد ومؤسسات وشرعية اجتماعية.

ولا يمكن فصل هذه المآلات عن طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية في اليمن فالقوى الخارجية التي تدعم أطراف الصراع تتحرك وفق حسابات الأمن والنفوذ والمصالح وليس وفق التزام مفتوح بضمان بقاء حلفائها إلى ما لا نهاية. وقد تتغير أولويات هذه الدول نتيجة تحولات الاقتصاد الإقليمي أو توازنات القوى الدولية أو ارتفاع تكاليف التدخل أو ظهور تسويات أمنية جديدة.

وعندئذ ستجد القوى اليمنية نفسها أمام اختبار لم تستعد له بما يكفي وهو قدرتها على الاستمرار دون الاعتماد على مستويات الدعم الخارجي التي اعتادت عليها خلال الحرب.

ومن الخطأ الاعتقاد أن استمرار الدعم الخارجي دليل على استدامة المشروع السياسي فالدول قد تدعم قوة عسكرية لتحقيق توازن معين ولكنها ليست ملزمة بتحمل تكاليف حكمها وإدارة مجتمعها بصورة دائمة.

كما أن تغير المصالح قد يدفع الداعمين إلى إعادة ترتيب تحالفاتهم أو تقليص التزاماتهم أو البحث عن صيغ سياسية أقل تكلفة ولهذا فإن الزمن في الحروب الطويلة لا يعمل بالضرورة لمصلحة الطرف الأكثر تسليحا وانما لمصلحة الطرف الأقدر على التكيف مع المتغيرات وتحويل النفوذ إلى مؤسسات والمؤسسات إلى خدمات والخدمات إلى قبول اجتماعي.

ومن هنا تبرز أهمية المصالحة لاعادة تعريف للمصلحة السياسية وبدلا من استمرار التنافس على تعظيم مكاسب الحرب ينبغي الانتقال إلى بناء معادلة تجعل الاستقرار أكثر جدوى من الصراع وتجعل المشاركة السياسية أكثر فائدة من الإقصاء والتنمية والخدمات مصدرا للشرعية بدلا من التعبئة العسكرية.

وهذا التحول لا يتحقق بالمواعظ الأخلاقية وحدها وإنما يحتاج إلى ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تضمن الحقوق وتحد من احتكار الموارد والسلاح والقرار.

ولذلك فإن مشروع المصالحة ا يقوم، في تصوره الفكري على تجاوز الفصل التقليدي بين المصالحة السياسية والمصالحة المجتمعية. فالأولى تعالج العلاقة بين القوى المتصارعة على السلطة بينما تعالج الثانية العلاقة بين المجتمعات التي عملت الحرب تشكيل وعيها وهوياتها ومصالحها.

وقد تنجح القيادات في توقيع اتفاق سياسي ولكنها تترك وراءها مجتمعات مختلفة ومتصارعة وهو الأمر الذي يجعل التسوية معرضة للانهيار عند أول أزمة ومن ثم فإن المصالحة المستدامة تحتاج إلى مسارين متكاملين يعالجان السلطة والمجتمع في الوقت نفسه.

وتتحدد الوظيفة المؤسسية المقترحة لمركز المصالحة في دراسة جذور الصراع وتحولاته وتحليل خطاب الكراهية والتعبئة المذهبية والمناطقية وتطوير مسارات للحوار بين القوى السياسية والاجتماعية والدينية وإنتاج تصورات للعدالة الانتقالية وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة.

كما ينبغي أن يمتد هذا العمل إلى دراسة اقتصاد الحرب وشبكات المصالح التي تعرقل التسوية وإلى البحث في سبل إعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنيةووتعزيز استقلال المؤسسات التعليمية والقضائية والإدارية وربط المصالحة ببرامج التنمية والخدمات وإعادة الإعمار.

ولا تعني المصالحة إسقاط المسؤولية عن الجرائم أو مطالبة الضحايا بنسيان حقوقهم وإنما ينبغي أن تقوم على التمييز بين المسؤولية الفردية والجماعية وعلى ضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة وحماية الحقوق المدنية والسياسية ومنع استخدام الدين أو النسب أو المنطقة مبررا للتمييز. فالمصالحة التي تقوم على الإفلات من العقاب قد توقف الحرب مؤقتا لكنها تترك أسبابها الأخلاقية والقانونية قائمة.

كما أن العدالة التي تتحول إلى وسيلة للانتقام الجماعي تعيد إنتاج الصراع بدلا من معالجته.

إن إحدى أخطر الفرضيات الاستشرافية في الحالة اليمنية تتمثل في احتمال دخول البلاد مرحلة ما بعد الحسم العسكري دون الدخول في مرحلة ما بعد الحرب؛ فقد تتجمد الجبهات وتستقر مناطق النفوذ وتتراجع المواجهات المباشرة بينما يستمر الصراع اقتصاديا وإعلاميا واجتماعيا وتتحول الانقسامات المذهبية والمناطقية إلى حدود غير معلنة بين المجتمعات.

وفي هذه الحالة لا تكون الحرب قد انتهت وإنما تكون قد انتقلت من المجال العسكري إلى المجال الاجتماعي والمؤسسي حيث تصبح إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة من وقف إطلاق النار.

وهذا الاحتمال يجعل تأسيس المصالحة المؤسسية ضرورة مبكرة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاتفاق السياسي النهائي. فالمجتمعات التي اعتادت التعبئة والعداوة تحتاج إلى مسارات طويلة لإعادة بناء الثقة كما أن الأجيال التي نشأت في ظل الحرب تحتاج إلى خطاب مدني يعيد تعريف الانتماء الوطني بعيدا عن التصنيفات السلالية والمذهبية والمناطقية.

وكل تأخير في معالجة هذه التحولات يزيد من احتمال تحول الانقسام السياسي المؤقت إلى انقسام اجتماعي مستدام.

إن التكفير الذي استخدمته الأطراف في تدبير صراعها قد يتحول إلى أحد أهم أسباب تدمير مستقبلها السياسي لأن من يبني شرعيته على إلغاء الآخر يضع نفسه أمام حرب لا تنتهي إلا بإلغاء المجتمع الذي يريد حكمه.

والمجتمع اليمني بتعدده المذهبي والمناطقي والسياسي لا يمكن أن تستوعبه جماعة واحدة أو هوية جزئية أو سلطة قائمة على الغلبة العسكرية ولذلك فإن المصالحة ليست خيارا يفرضه ضعف أحد الأطراف بل ضرورة تفرضها حدود القوة نفسها.

إن مستقبل اليمن لن يتحدد فقط بمن يمتلك السلاح والجغرافيا اليوم وإنما بمن يمتلك القدرة على بناء المجتمع والمؤسسات غدا. والطرف الذي يرفض المصالحة معتقدا أن الزمن سيمنحه نصرا كاملا قد يكتشف متأخرا أن الزمن لم يكن يعمل لمصلحته وأن ما خسره من المجتمع والاقتصاد والشرعية أكبر مما كسبه من الأرض والنفوذ.

وقد تنتهي الحرب دون منتصر قادر على الحكم وقد تستمر التنظيمات بينما تتآكل الدولة التي تتنافس عليها.

ومن هنا فإن القيمة الاستراتيجية لمشروع المصالحة لا تكمن في الدعوة إلى جمع الخصوم حول طاولة واحدة فحسب وإنما في تأسيس رؤية تنقل اليمن من اقتصاد العداوة إلى اقتصاد الاستقرار ومن عسكرة المجتمع إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية ومن التنافس على احتكار الهوية إلى الاعتراف بالتعدد ضمن المواطنة المتساوية. فالمصالحة لا تعني أن يتخلى اليمنيون عن اختلافاتهم وإنما أن يتخلوا عن تحويل تلك الاختلافات إلى مبررات للحرب والإقصاء.

إن اليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر حاجته إلى دولة لا يشعر فيها أحد أنه مهزوم بسبب مذهبه أو منطقته أو نسبه أو رأيه السياسي. وليست المصالحة اتفاقا بين أطراف أنهكتها الحرب بقدر ما هي انتقالا من إدارة الصراع كمصدرا للسلطة إلى إدارة الاختلاف كأساس لبناء الدولة.

فالحرب قد تصنع سلطة و لكنها لا تصنع دولة أما المصالحة القائمة على الحقوق والمؤسسات والعدالة فهي التي تستطيع الانتقال من الحرب إلى الااستقرار.