تتجلى أزمة العقل السياسي العربي في أنه لم يعد قادرا على الفصل بين المصالح الأمريكية ومصالح الدول العربية ولا بين التحالف كعلاقة تقوم على تبادل المنافع والتبعية مما يعكس حالة مزمنة من الانحطاط السياسي والعسكري والاقتصادي.
وقد أسهم هذا الخلل في تحويل قطاعات من النخب العربية من قوى يفترض أن تضع تصورات مستقلة للأمن القومي إلى قوى تعيد تفسير المواقف الأمريكية وتبريرها حتى عندما تتعارض نتائجها مع المصالح الاستراتيجية لدولها لا سيما وأن الاستشارات التي تعتمدها أجنبية كالقواعد الاجنبية التي تعتمد عليها في تدفق البيانات والمعلومات الجيوسياسية بالاضافة الى الذكاء الاصطناعي الذي تديره شركات اجنبية تنطلق من مصالحها دولها القومية.
ومن هنا فإن الإشكالية ليس في قوة الولايات المتحدة وحدها وإنما في عجز العقل السياسي العربي عن إدراك طبيعة المشروع الأمريكي في المنطقة والتمييز بين ما تمليه الضرورات الأمنية المؤقتة وما يترتب على التحالفات الدائمة من قيود على السيادة والاستقلال.
ولفهم هذا المسار ينبغي النظر إلى البنية الفكرية التي تشكل السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي ولا سيما العلاقة بين التيارات الدينية والسياسية الأمريكية وبين المشروع الإسرائيلي.
إذ توجد داخل الحزب الجمهوري تيارات إنجيلية محافظة تنطلق في دعمها لإسرائيل من تصورات دينية وتاريخية تمنح وجودها وأمنها مكانة خاصة بينما يغلب على المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي التعامل مع إسرائيل من منظور التحالف السياسي والاستراتيجي والقيم والمصالح المشتركة وإن كانت هذه القاعدة تشهد خلافات متزايدة.
ولا يعني ذلك أن الجمهوريين يتحركون بدافع ديني خالص أو أن الديمقراطيين منفصلون عن التأثيرات الدينية وإنما يكشف عن اختلاف المداخل التي تتقاطع عندها المصالح الأمريكية مع متطلبات الأمن الإسرائيلي ومن هنا يمكن قراءة التفاوت بين الإدارات الأمريكية من حيث اختلافها في الوسائل والأولويات.
واذا استعدنا الذاكرة السياسية سنجد أن إدارة جورج بوش الابن الجمهورية ركزت في الغزو المباشر للعراق علي تفكيك مؤسساته العسكرية والأمنية وتدمير بنيته التنموية من تعليم واقتصاد ومجتمع وسيادة بينما اعتتمدت إدارات ديمقراطية بدرجات متفاوتة على العقوبات والدبلوماسية والتحالفات المحلية وإدارة التحولات السياسية وجميعها تتفق في الغايات ولكنها تختلف بالوسائل والأدوات والأولويات، ومن الأولويات المختلف فيها على سبيل المثال أن ادارة الحزب الجمهوري تعتمد علي دول الخليج كقاعدة متقدمة لتفكيك العراق ومن ثم سوريا كمناطق استراتيجية وأمنية بالنسبة لاسرائيل ومن ثم باتجاه ايران وتركيا كدول اقليمية تتوسع في نفوذها في المناطق الأمنية الهشة في العراق ودول ثورات الربيع التي انتهت فيها صفة الدولة ومن بعدها مصر والسعودية كدولتين تسعيان لاحلال وجودهما عسكريا واقتصاديا في نفس المجال الاقليمي وهذا الفكر يقوم على التفكيك والتهديد والاستفراد عبر التحالف والتجييش والفعل العسكري المباشر . أما الادارة الديمقراطية فتعمل على الدبلوماسية واستخدام القيم الانسانية والحقوقية لتفكيك الدول بالثورات من داخلها ومن ثم تفعيل الحرب الاقتصادية التي تصاحب المفاوضات والعمليات العسكرية الخاطفة دون الاستغراق في حروب مزمنة وبدلا من التدخل العسكري تقوم علي استراتيجية المساعدات العسكرية.
ولقد كشفت الحرب الباردة عن قدرة الولايات المتحدة على توظيف المجال الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي ضمن استراتيجية احتواء الاتحاد السوفيتي. وفي أفغانستان تحولت التعبئة الإسلامية العابرة للحدود إلى أداة مهمة لمواجهة السوفيت للدفاع عن اوروبا وامريكا من الفكر الشيوعي بينما كانت دول العالم الاسلامي ترضع الفكر الرأسمالي والشيوعي في دول تتنافس فيما بينهما داخل المجال الاسلامي او القومي وقضاياه.
ومن ثم اصبحت بعض الشبكات التي نشأت أو توسعت في سياق مقاومة النفوذ السوفيتي لاحقا جزءا من أزمات أمنية وسياسية امتدت آثارها إلى دول متعددة وهو ما نقل التنافس داخل العالم العربي الي مرحلة جديدة من الاستنزاف الرأسمالي واحادية النظام الدولي ومن ثم بروز المعتقدات السياسية والتوظيف السياسي بين دول الشرق الأوسط واستثمرته الدول الرأسمالية بعد زوال الخطر الشيوعي لتدمير بينة المجتمعات الاسلامية فكريا واخلاقيا وقيميا وتعليميا كمقدمة استراتيجية لتغيير النظم المعادية والتي استمرت علي منهجها الاشتراكي المقاوم كالعراق وسوريا وليبيا مما يعكس منهجا ثابتا في الادارة الأمريكية في أن حلفاء اليوم اعداء الغد.
وهكذا لم تعد العقيدة مكون في هوية المجتمعات فحسب وانما غدت أداة للتعبئة العسكرية والصراع على السلطة.
وقد جاءت الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 لتكشف انتقال التدخل من إسقاط النظام السياسي إلى تفكيك البنية المؤسسية للدولة وخلق فراغ أمني وصراع داخلي اتسعت معه الانقسامات المذهبية والسياسية.
والأهم من ذلك أن إضعاف العراق أزال أحد أهم موازين القوة الإقليمية في مواجهة إيران ومنح طهران فرصا واسعة للتمدد السياسي والأمني داخل المجال العربي وفي هذا السياق تبدو المفارقة أكثر عمقا؛ إذ إن الولايات المتحدة التي أعلنت مواجهة التهديدات الإقليمية المرتبطة بإيران أسهمت من خلال نتائج حرب العراق في توسيع البيئة الجيوسياسية التي سمحت بنمو النفوذ الإيراني.
ومن هنا فإن تفكيك الجيوش والمؤسسات لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراء إداريا مصاحبا لتغيير الأنظمة وانما يعكس تحولا استراتيجيا مدروسا يمس بنية التوازن الإقليمي ويعيد توزيع القوة بين الدول والجماعات المسلحة أما الانقسام السني الشيعي فقد اكتسب بعد الغزو الأمريكي للعراق أبعادا سياسية وأمنية تجاوزت خلافاته التاريخية.
فقد انتقلت التناقضات المذهبية في بعض الساحات من المجال الاجتماعي والديني إلى المجال المؤسسي والعسكري وأصبحت جزءا من التنافس بين إيران وخصومها الإقليميين.
ولم تكن الولايات المتحدة المنشئ الوحيد لهذه الانقسامات ولكنها أسهمت عبر سياساتها وتحالفاتها وطريقة إدارة المرحلة العراقية في توفير ظروف ساعدت على تعميقها وقد استفادت قوى إقليمية متعددة من هذا التحول لأن المجتمعات المنقسمة مذهبيا تصبح أكثر قابلية للاستقطاب وأقل قدرة على ايجاد مشروع وطني جامع.
ولم يكن اليمن بعيدا عن هذه التحولات فقد تحولت المنافسة السياسية التي رافقت احتجاجات عام 2011 إلى أزمة في بنية السلطة والمؤسسة العسكرية ثم إلى صراع مسلح واسع انتهى بانقسام الدولة وتعدد مراكز القوة.
ولم تكن المشكلة في المطالبة بتغيير النظام السياسي وإنما في غياب تصور يحمي المؤسسات السيادية أثناء الانتقال وفي تحول الخلافات السياسية والحزبية والقبلية إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ العسكري وقد ساعدت التدخلات الإقليمية إلى جانب العوامل الداخلية على تعميق هذا المسار حتى أصبح اليمن ساحة تتداخل فيها المصالح المحلية مع الحسابات الخليجية والإيرانية والدولية وهنا تتضح العلاقة بين الاقتصاد والتعبئة السياسية.
فالأزمات الاقتصادية والفساد والبطالة وتراجع الخدمات تمثل أسبابا حقيقية للاحتجاج الاجتماعي لكنها قد تتحول في ظروف ضعف المؤسسات إلى أدوات تستخدمها القوى المتنافسة لتوسيع الصراع على السلطة وعندما لا توجد مؤسسات قادرة على إدارة الانتقال السياسي تصبح المطالب الإصلاحية عرضة للتوظيف من أطراف داخلية وخارجية وقد تنتقل الدولة من أزمة نظام قابل للتغيير إلى أزمة وجود مؤسسي يصعب تجاوزها.
وتقدم ليبيا وسوريا والسودان نماذج مختلفة لهذه الإشكالية حيث أدى تداخل الصراع الداخلي مع التدخلات الخارجية إلى إضعاف المؤسسات وتعدد القوى المسلحة كما تكشف تجارب أفغانستان والصومال عن خطورة استمرار الفراغ الأمني وتحول الانتماءات المحلية والعقائدية إلى بدائل عن سلطة الدولة.
ولا يعني تشابه النتائج وحدت الأسباب أو وجود مركز دولي واحد يدير جميع هذه الأزمات وإنما يشير إلى أن انهيار المؤسسات العسكرية والإدارية يخلق بيئة تسمح للقوى الخارجية بإعادة تشكيل موازين النفوذ.
وفي المقابل تبرز مصر وتركيا وباكستان كدول حافظت رغم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية على قدر مهم من تماسك مؤسساتها السيادية.
ففي مصر حالت المؤسسة العسكرية دون انهيار الدولة خلال التحولات التي أعقبت عام 2011 بينما استطاعت تركيا تجاوز محاولة الانقلاب عام 2016 دون تفكك بنيتها المؤسسية أما باكستان فقد واجهت اضطرابات سياسية وأمنية متكررة مع استمرار مؤسسات الدولة الأساسية مما يؤكد علي أن قوة المؤسسات الوطنية تعد أحد أهم محددات قدرة الدولة على مقاومة الأزمات والتدخلات.
وتكتسب القواعد العسكرية الأجنبية في هذا السياق أهمية مركزية اذ لا يجوز فصلها عن إشكالية التبعية.
فالوجود العسكري الأمريكي في عدد من الدول العربية لا يمكن تعريفه على انه ترتيبات فنية للتعاون الدفاعي وإنما يدخل ضمن شبكة من المصالح العسكرية والاستخباراتية واللوجستية التي تمنح واشنطن قدرة على الانتشار والتأثير في التوازنات الإقليمية.
وتختلف درجة هذا التأثير بحسب الاتفاقيات المنظمة للقواعد وصلاحيات استخدامها ومدى احتفاظ الدولة المضيفة بسلطة فعلية على القرار العسكري داخل أراضيها بل إن القاعدة الأمريكية في قطر قدمت معلومات لاسرائيل لضرب بعض قيادات حماس مما يشير إلى هذه القواعد تغذي دولها بالبيانات الأمنية والجيوسياسية والقدرات والتسليح لدول المنطقة.
والخطر الاستراتيجي لا يقتصر على احتمال استخدام القواعد في عمليات لا تتوافق مع المصالح الوطنية وانما يمتد إلى إمكانية تحول الدولة المضيفة إلى طرف معرض لتداعيات صراعية ليس لها حق القرارات مما يلغي قدرتها السيادية كما أن الاعتماد الطويل على الحماية الخارجية قد يؤدي إلى اختلال العلاقة بين بناء القدرات الدفاعية الوطنية والاعتماد على الضمانات الأجنبية.
ومن ثم فإن القاعدة العسكرية قد توفر حماية من تهديد معين يرتبط بمصالح دولها القومية فقط قد وفي الوقت نفسه تخلق تبعية أمنية تجعل الدولة المضيفة أكثر حساسية للضغوط السياسية والعسكرية الصادرة عن القوة التي تديرها وهذا التناقض يكتسب أبعادا في الخليج العربي حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع أمن الطاقة والممرات البحرية والتنافس مع إيران والتفوق العسكري الإسرائيلي.
فالدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية تمتلك قدرات اقتصادية واستثمارية كبيرة لكنها تواجه بيئة أمنية تجعل الإنفاق الدفاعي والتحالفات الخارجية جزءا أساسيا من سياساتها وكلما اتسعت دوائر تدخلها في الأزمات الإقليمية من اليمن إلى السودان وليبيا وغيرها ازدادت احتمالات انتقال الاستنزاف من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والتنموي.
ولا يشترط الاستنزاف أن تتعرض الدولة لغزو عسكري مباشر إذ يمكن أن يتجسد في استمرار الإنفاق الأمني المرتفع وتعاظم الالتزامات الخارجية وتراجع القدرة على توجيه الموارد نحو التنمية وازدياد الاعتماد على منظومات التسليح والتكنولوجيا الأجنبية وعندما تصبح الحماية الخارجية شرطا لاستمرار الاستقرار فإن القوة الاقتصادية نفسها قد تتحول إلى مورد لتمويل التبعية بدلا من أن تكون أداة لبناء الاستقلال.
ومن هنا فإن السعودية تحتل موقعا بالغ الحساسية في مستقبل التوازن الإقليمي لأنها لا تمثل قوة اقتصادية ونفطية فحسب بل لانها تمتلك ثقلا دينيا وجغرافيا وسياسيا مما يجعل استقلال قرارها مؤثرا في المجال العربي والإسلامي بأكمله.
ولذلك فإن أي استنزاف طويل لقدراتها الاقتصادية أو انخراطها في صراعات إقليمية مفتوحة قد ينعكس على قدرتها في بناء منظومة أمنية مستقلة وفي المقابل فإن نجاحها في تنويع الشراكات الدولية وتطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يحد من اعتمادها على الضمانات الخارجية.
أما إيران فقد سعت إلى إحياء مكانتها ك قوة حضارية وإقليمية مستقلة و لكنها اختارت بناء جزء مهم من نفوذها من خلال شبكات عسكرية وعقائدية خارج حدودها وقد منحها هذا النموذج قدرة على التأثير في العراق وسوريا ولبنان واليمن و لكنه أوجد تناقضا بين خطاب مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وبين النتائج التي ترتبت على إضعاف سيادة الدول العربية.
فالمشروع الذي يقدم نفسه باعتباره أداة لتحرير المنطقة من الهيمنة الخارجية قد يتحول عندما يعتمد على الجماعات المسلحة العابرة للحدود إلى عامل يعمق الانقسام الداخلي ويمنح القوى الدولية مبررات إضافية للتدخل العسكري والأمني.
وفي المقابل تمثل تركيا نموذجا مختلفا في بناء القوة الإقليمية اذ تستند إلى قاعدة صناعية وعسكرية ومؤسسات دولة وشبكات اقتصادية وثقافية وتنظيمية تمتد إلى مناطق واسعة من العالم الإسلامي ولذلك فإن قدرتها على التأثير لا تعتمد أساسا على الانتماء المذهبي وانما على الجمع بين المصالح الاقتصادية والروابط التاريخية والقدرات الدفاعية والعلاقات السياسية والتنظيمات السياسية.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن صعود تركيا قوة مستقلة قد يمثل تحديا بعيد المدى للتفوق الإسرائيلي في بعض المجالات خصوصا إذا استطاعت تحويل امتدادها الاقتصادي والتنظيمي إلى شراكات استراتيجية مستقرة مع الدول العربية والإسلامية وهذا في نظر امريكا واسرائيل يشكل تحديا خطيرا ولذلك سعتا الي الانقلاب بهدف فصل تركيا عن عمقها الاسلامي ومن ثم تعطيل قدراتها العسكرية وتقييدها بحلف الناتو .
وقد يكون احتواء استقلالها الاستراتيجي أو تقييد بعض خياراتها الإقليمية أكثر قابلية للتحقق السريع من محاولة إسقاط نظامها أو تفكيك دولتها.
وتبرز مصر باعتبارها ركنا آخر في معادلة القوة الإقليمية كونها تمتلك موقعا جغرافيا يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية وقوة عسكرية كبيرة وعمقا سكانيا وتاريخيا يمنحها تأثيرا يتجاوز حدودها الوطنية.
ولذلك فإن أي تراجع مستمر في قدراتها الاقتصادية قد يؤدي إلى تقليص دورها الإقليمي حتى من دون تعرضها لتهديد عسكري مباشر ومن مصلحة إسرائيل الاستراتيجية ألا تتشكل في محيطها قوة قادرة على تهديد أمنها ولو كانت حليفا استراتيجيا لها لأن المصالح قد تغير المعدلة بين الحلفاء ولذلك تعتمد اسرائيل علي استثمار الأزمات في اطراف الدولة المصرية على الحدود الليبية والسودانية والبحر الأحمر ومنطقة الشام وحتى مصالحها في اثيوبيا اضافة الي اضعاف التنمية والضغوط الاقتصادية.
والتحدي الذي يواجه مصر هو أن يؤدي الانكفاء الطويل على إدارة أزماتها الداخلية إلى تراجع قدرتها على التأثير في محيطها الغربي والأفريقي والبحري ولا سيما في ليبيا والسودان والبحر الأحمر. فالقوة المصرية لا تقاس بحجم جيشها وحده وإنما بقدرتها على حماية عمقها الاستراتيجي ومنع تحول المناطق المحيطة بها إلى ساحات نفوذ لقوى متنافسة ولكن الانخراط المزمن دون نتائج عملية قد يستنزف قدراتها العسكرية ويزيد من اضعاف بنيتها التنموية وقدراتها الاقتصادية وهو ما يجعلها بين تحديات داخلية وخارجية.
أما باكستان فتحتل موقعا مختلفا في الحسابات الدولية لأنها تجمع بين القوة النووية والعمق السكاني والعلاقة الاستراتيجية مع الصين والارتباطات التاريخية بالعالم الإسلامي ويمنح صعود الهند بعدا إضافيا للضغوط التي تواجهها إسلام آباد غير أن التنافس الأمريكي الصيني يظل عاملا رئيسيا في تفسير هذه الشراكة وهو ما يجعلها متوازنة بين الصين وامريكا في ضمان بقاء الدولة ومؤسساتها كما تخشى امريكا من انهيار الدولة حتي لا تهيمن مجموعات مسلحة علي اسلحتها النووية.
وعند جمع هذه المعادلات يتضح أن السعودية وتركيا ومصر وباكستان يمثلون رغم اختلاف أنظمتها وتحالفاتها مراكز ثقل أساسية في المجال الإسلامي وتكمن أهميتها في أن تكامل قدراتها الاقتصادية والعسكرية والجغرافية يمكن أن ينتج توازنا إقليميا أكثر استقلالا بينما يؤدي استمرار التنافس بينها إلى إضعاف قدرتها الجماعية على مواجهة الضغوط الخارجية.
ولذلك فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل فقط في حجم النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي وانما في عجز هذه الدول عن بناء تصور مشترك للأمن يحول دون استنزاف قدراتها في صراعات متفرقة.
ولن تبقى دول المغرب العربي بمنأى عن نتائج هذه التحولات. فامتداد الصراعات في المشرق والخليج إلى البحر الأحمر وأفريقيا والبحر المتوسط قد يؤدي إلى إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة والتحالفات الأمنية بما يفرض على المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا تحديات متزايدة.
كما أن استمرار ضعف التنسيق العربي قد يدفع هذه الدول إلى الاعتماد بصورة أكبر على ترتيبات أمنية واقتصادية منفردة مع القوى الدولية الأمر الذي يوسع الفجوة بين المجالين المشرقي والمغاربي وهنا تتضح الطبيعة المركبة لأزمة العقل السياسي العربي.
فالمشكلة ليست في التحالف مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة دولية كبرى وإنما في تحويل هذا التحالف إلى مرجعية تحدد العدو والحليف وحينما تصبح المصالح الأمريكية أساسا لتفسير التهديدات الإقليمية تفقد الدولة تدريجيا قدرتها على بناء تصور مستقل لأمنها القومي وتتحول خلافاتها مع جيرانها إلى امتداد للتنافس الدولي.
ونرى ان الاحتمال الأكثر خطرا على العالم العربي هو استمرار استنزافها مما يجعلها أقل قدرة على التحكم في مواردها وتحالفاتها وقرارها العسكري وعندما يتزامن ذلك مع أزمات اقتصادية واجتماعية وتنافس إقليمي مستمر تتسع قابلية المجتمعات للاستقطاب وتزداد فرص تدخل القوى الخارجية تحت عناوين الحماية أو مكافحة الإرهاب أو إدارة الأزمات وادارة الحقوق الانسانية والمطالب الجهوية وحقوق الاقليات وما استهداف الاقليات من الطوائف والمسيحيين الا ذريعة من ذرائع توسيع التحالف مع اسرائيل وتفكيك الدولة القومية العربية التي اتخذت من فكرتها القومية وسيلة للتنافس علي الزاعمة داخل المجال العربي بدلا من توحيد قدراتها وتلبية طموحات مجتمعاتها.
وفي هذا المسار قد يتحول التفوق الإسرائيلي من تفوق عسكري إلى تفوق جيوسياسي ناتج عن ضعف البيئة الإقليمية المحيطة به.
وكلما تراجعت قدرات الدول العربية الكبرى وتعمقت خلافاتها مع تركيا وإيران واستمرت الحروب الداخلية في استنزاف الجيوش والاقتصادات تقلصت قدرة المنطقة على إنتاج توازن مستقل.
وعليه فإن استعادة استقلال العقل السياسي العربي تبدأ بإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة من منظور المصالح المتبادلة لا الحماية المطلقة وإعادة تقييم القواعد العسكرية الأجنبية وفقا لمعيار السيادة الفعلية على الأرض والقرار وبناء قدرات دفاعية واقتصادية وطنية تقلل من الاعتماد على الخارج. كما تتطلب تجاوز منطق المحاور المتصارعة نحو تفاهمات إقليمية بين السعودية ومصر وتركيا وفتح مسارات لضبط التنافس مع إيران على أساس احترام سيادة الدول ووقف توظيف الجماعات المسلحة في الصراعات الإقليمية.
إن أخطر ما تواجهه الدول العربية ليس وجود قوة دولية تسعى إلى حماية مصالحها فذلك من طبيعة العلاقات الدولية وإنما أن تتحول مصالح تلك القوة إلى جزء من تعريف النخب العربية لمصالح أوطانها. وعندما تقترن هذه الحالة بوجود عسكري أجنبي واسع وباعتماد اقتصادي وتسليحي واستخباراتي طويل المدى فإن الاستقلال السياسي قد يتحول إلى سيادة شكلية تتراجع خلفها القدرة الحقيقية على اتخاذ القرار.
فالاستقلال لا يقاس ببقاء النظام السياسي وإنما بامتلاك الدولة قرار الحرب والسلام والسيطرة الفعلية على أراضيها وقواعدها العسكرية والقدرة على توظيف ثرواتها في بناء قوتها الوطنية وتحديد تحالفاتها وفقا لمصالحها لا وفقا لأولويات القوى التي توفر لها الحماية.
ومن هنا فإن أزمة العقل السياسي العربي ليس في أن يجهل قوة الولايات المتحدة وانما في أن يبالغ في تقدير حاجته إليها حتى يفقد القدرة على تقييم سياساتها بصورة مستقلة وتلك هي المرحلة التي تتحول فيها التبعية من واقع تفرضه اختلالات القوة إلى قناعة سياسية تدافع عنها النخب باعتبارها ضرورة لبقاء الدولة.
فالدولة التي تستعير من الآخرين تعريف أمنها وتمنحهم أدوات التأثير في قرارها العسكري قد تنجح في حماية نظامها السياسي زمنا لكنها تفقد استقلالها الاستراتيجي وحينما يصبح بقاء النظام أهم من استقلال الدولة تتحول الحماية الأجنبية من وسيلة للأمن إلى أحد مصادر التبعية التي تعيد إنتاج الضعف العربي وتطيل أمده وتسقط النظام متي رأت عدم قدرته علي حماية مصالحها وهذا قد ثبت تجربة مع شاه ايران الذي فقد فاعليته وصارت كلفة حمايته فوق مردود المصالح الامريكية فالدول العظمى تنطلق من عقلية وطنية قومية نفعية اذا لا مبادئ خارج مصالحها ومعتقداتها وثقافتها وفكرها وسيادتها.