آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

الإعلام العربي والحرب اليمنية: بين صناعة الرواية وتقاطعات المصالح الإقليمية

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 06:29 م
د. جمال الهاشمي


كن غير الممكن فهم التغطية الإعلامية للحرب اليمنية بمعزل عن البنية الجيوسياسية التي تتحرك داخلها المؤسسات الإعلامية العربية ولا عن المصالح الاستراتيجية للدول التي تشكل بيئتها السياسية والاقتصادية.

فالإعلام في الصراعات الإقليمية لا يقتصر دوره على نقل الوقائع وإنما يسهم في تحديد أهميتها وترتيب أولوياتها وصياغة التصورات العامة حول أطراف الصراع ومستقبله وهو ما يجعل من الإعلام العربي في نظر كثير من المهتمين بالشأن العربي من الأكاديميين الغربيين متحيزا في تفسير الخبر.

ومن جهة أخرى فإنه يعطي أولوية للأخبار التي تتوافق مع مساراته ويؤخر الأخرى بفارق زمني وبما بعد أن تنشرها مواقع أخرى.

ومن هذا الأساس تمثل تغطيات الجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية للحرب اليمنية ثلاث مقاربات إعلامية تتقاطع في بعض الوقائع لكنها تختلف في المرجعيات السياسية التي تؤثر في تفسيرها وفي تصورها لمستقبل الدولة اليمنية.

وتقتضي الموضوعية المنهجية التمييز بين التبعية المؤسسية والتأثير السياسي والانحياز التحريري.

فارتباط مؤسسة إعلامية ببيئة سياسية معينة لا يعني بالضرورة أن جميع موادها تخضع لتوجيه مباشر كما أن توافق خطابها مع مصالح دولة ما لا يكفي وحده لإثبات وجود تعليمات سياسية.

غير أن تحليل أنماط التغطية وانتقاء المصادر وتوزيع الاهتمام بين الأطراف والمفردات المستخدمة في توصيف الأحداث يسمح بالكشف عن الاتجاهات العامة التي تتحكم في بناء الرواية الإعلامية.

في هذا السياق تتحرك قناة الجزيرة داخل البيئة السياسية القطرية التي اتسمت تاريخيا بعلاقات مع قوى سياسية إسلامية وبمواقف متباينة تجاه السياسات السعودية والإماراتية.

وقد انعكس ذلك في مراحل مختلفة من الصراع اليمني على طبيعة الاهتمام بالقوى الحزبية وبالتناقضات داخل التحالف وبالقضايا المتعلقة بالسيادة الوطنية وتداعيات التدخل الخارجي.

غير أن اختزال هذه المقاربة في الدفاع عن حزب الإصلاح أو في معارضة التحالف بصورة مطلقة يتجاهل تغير العلاقات الخليجية واختلاف السياقات السياسية التي مرت بها الحرب.

أما قناة العربية فتتحرك ضمن بيئة إعلامية سعودية تجعل الأمن القومي للمملكة عنصرا مؤثرا في ترتيب أولويات التغطية.

ولذلك يبرز التهديد الحوثي والارتباط الإيراني وأمن الحدود ضمن الموضوعات المركزية في تناولها للشأن اليمني.

وتكمن الأهمية التحليلية لهذا الاتجاه في أن الخطاب الإعلامي لا يرتبط بالضرورة باستمرار العمليات العسكرية وإنما قد يتكيف مع تغير الاستراتيجية السعودية نفسها.

فعندما تتقدم اعتبارات الردع العسكري تزداد أهمية خطاب التهديد الأمني وعندما تتقدم اعتبارات التهدئة والتفاوض تصبح التسوية السياسية أكثر حضورا.

وهكذا يمكن فهم التحول في الأولويات الإعلامية كمؤشر محتمل على تغير حسابات الدولة دون اعتباره دليلا قاطعا على قراراتها.

وفي المقابل تتشكل مقاربة سكاي نيوز عربية داخل البيئة الاستراتيجية الإماراتية التي أولت اهتماما خاصا بأمن الممرات البحرية ومكافحة التنظيمات المتشددة وبناء العلاقات مع القوى المحلية المؤثرة في جنوب اليمن وسواحله.

ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام النسبي بالمجلس الانتقالي الجنوبي وبعض التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين إلى جانب النظرة النقدية تجاه القوى المرتبطة بالإسلام السياسي.

وتكشف هذه المقاربة عن اختلاف مهم بين مفهوم استعادة الدولة المركزية ومفهوم بناء ترتيبات أمنية محلية قادرة على حماية مناطق النفوذ والمصالح البحرية.

غير أن هذا الاختلاف لا يثبت بمفرده تبني القناة مشروعا محددا لتقسيم اليمن وإنما يستدعي دراسة كيفية عرضها لقضايا الوحدة والانفصال والشرعية والسيادة.

وتتضح أهمية المقارنة عندما ننتقل من مضمون الأخبار إلى البنية السياسية التي تنتج الاعلام وتوجهاته ومعانيه.

فالحادثة العسكرية الواحدة يمكن أن تقدم بوصفها تقدما للقوات الحكومية أو تعزيزا لأمن منطقة استراتيجية أو تطورا يكشف تناقضات القوى المناهضة للحوثيين.

ولا تكمن المشكلة بالضرورة في اختلاف هذه الزوايا إذ قد تكون جميعها جوانب صحيحة من الحدث نفسه وإنما في تحول جانب واحد إلى إطار دائم يحجب الجوانب الأخرى ويعيد تشكيل إدراك الجمهور لطبيعة الصراع.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في اليمن بسبب تعدد مراكز القوة وغياب مؤسسة وطنية موحدة تمتلك القدرة على إنتاج خطاب سياسي وإعلامي مستقل.

فالحوثيون يقدمون أنفسهم من خلال رواية المقاومة والسيادة ومواجهة التدخل الخارجي بينما تستند الحكومة المعترف بها دوليا إلى الشرعية القانونية واستعادة مؤسسات الدولة وتطرح القوى الجنوبية تصورات مختلفة بشأن تقرير المصير والتمثيل السياسي وعندما تدخل هذه الروايات إلى المجال الإعلامي الإقليمي فإنها لا تحتفظ بالضرورة بأولوياتها اليمنية الأصلية وإنما يعاد ترتيبها بحسب أهميتها للأمن السعودي أو المصالح الإماراتية أو التوازنات السياسية القطرية.

ومن الناحية الاستراتيجية لا ينبغي افتراض أن اختلاف التغطيات يعكس دائما خلافا مباشرا بين الدول الثلاث.

فقد تتقارب المصالح السعودية والإماراتية في مواجهة التهديدات الحوثية لكنها تختلف في تصور بنية السلطة اليمنية المقبلة.

كما قد تتفق قطر والسعودية على دعم تسوية سياسية مع اختلاف مساحة الاهتمام التي تمنحها مؤسساتهما الإعلامية للقوى الحزبية والمكونات المحلية.

وبالتالي فإن العلاقة بين السياسة والإعلام ليست علاقة تطابق ميكانيكي وإنما علاقة تأثير متبادل تتغير بحسب المرحلة وموازين المصالح.

ويبرز هنا معيار منهجي ضروري للحكم على موضوعية القنوات الثلاث والذي يتمثل في مقارنة تغطيتها للأحداث المتشابهة وليس الاكتفاء بتحليل خبر واحد بحد ذاته.

فالموضوعية تقاس بمدى اتساق المعايير عند تناول انتهاكات الأطراف المختلفة وبحجم المساحة الممنوحة للمدنيين وبالتوازن بين المصادر وبوضوح الفصل بين الخبر والتعليق وباستعداد المؤسسة لتصحيح أخطائها.

كما يمكن قياس الانحياز من خلال دراسة المفردات التي تستخدمها القناة عند وصف القوات الحكومية والحوثيين والمجلس الانتقالي وحزب الإصلاح وملاحظة ما إذا كانت هذه المفردات تتغير وفقا لهوية الطرف المعني أو لطبيعة الفعل نفسه.

إن أهمية الإعلام الإقليمي تتجاوز التأثير في الرأي العام إلى المساهمة في تهيئة البيئة السياسية للترتيبات المقبلة. فالحروب لا تنتهي فقط بتغير خطوط السيطرة العسكرية وإنما تتأثر نهاياتها أيضا بتغير تعريف الأطراف المقبولة سياسيا وبإعادة تشكيل صورة الحلفاء والخصوم وبتهيئة المجتمعات لتقبل تسويات كانت مرفوضة في مراحل سابقة.

ولهذا قد يصبح التحول المتدرج في الخطاب الإعلامي تجاه الحوثيين أو الحكومة أو القوى الجنوبية مؤشرا يستحق الدراسة عند تحليل احتمالات التسوية وإعادة توزيع السلطة.

غير أن هذا المؤشر لا يمكن التعامل معه باعتباره تنبؤا مستقلا فالتغير الإعلامي قد يكون ناتجا عن تطور الوقائع الميدانية أو تبدل أولويات الجمهور أو تغير العلاقات الدبلوماسية أو قرارات تحريرية داخل المؤسسة نفسها.

ومن ثم فإن الاستشراف المنهجي يقتضي ربط التحولات الإعلامية بالمواقف الرسمية والتحركات الدبلوماسية والتطورات العسكرية بدلا من استنتاج السياسات المستقبلية من العناوين وحدها.

إن الأزمة التي تكشفها المقارنة بين الجزيرة والعربية وسكاي نيوز عربية لا تتمثل في وجود مصالح إقليمية تؤثر في الإعلام فهذه ظاهرة تتجاوز الحالة العربية وإنما في ضعف قدرة المجال الإعلامي اليمني على إنتاج رواية وطنية مستقلة تستطيع مساءلة جميع الأطراف بمعيار واحد. ونتيجة لذلك يصبح اليمن أحيانا موضوعا للتنافس على تفسير الأحداث أكثر من كونه مركزا لإنتاج تفسيرها وتتحول قضاياه الداخلية إلى امتدادات للصراع حول الأمن والنفوذ والتمثيل السياسي في المنطقة.

وعليه فإن القنوات الثلاث تعكس اتجاهات مختلفة في ترتيب المصالح والأولويات دون أن يلغي ذلك إمكان تقديمها أخبارا دقيقة أو تحقيقات مهنية.

فالجزيرة أكثر ارتباطا بسياق التوازنات السياسية القطرية والعربية أقرب إلى أولويات الأمن والاستقرار السعودي وسكاي نيوز عربية أكثر تأثرا بالتصورات الأمنية والجغرافية الإماراتية.

وهذه اتجاهات تفسيرية عامة تحتاج إلى اختبار مستمر بالمحتوى المنشور وليست أحكاما نهائية على كل مادة إعلامية.

وفي الاخير فإن مستقبل الرواية الإعلامية عن اليمن سيظل مرتبطا إلى حد كبير بمستقبل التفاهمات والتنافسات الإقليمية ما لم تتمكن المؤسسات اليمنية من استعادة استقلالها المهني وقدرتها على مساءلة السلطة والقوى المسلحة والحلفاء الخارجيين دون انتقائية. فالدولة التي تفقد القدرة على إنتاج روايتها المستقلة لا تفقد بالضرورة سيادتها القانونية و لكنها تخسر جزءا مهما من قدرتها على تعريف مصالحها أمام العالم.

وهنا تكمن العلاقة الأكثر عمقا بين الإعلام ومستقبل اليمن. فليست المسألة فقط من يسيطر على الأرض وإنما من يمتلك القدرة على تفسير ما يجري فيها وعليها وبها وتحديد المعنى السياسي لما ستؤول إليه الحرب.

وهنا نجد أن الإعلام اليمني بكل توجهاته وأشكاله وصوره يتخذ مسارا واحدا وتصورا ثابتا يعكس فيه نمطا ايدلوجيا متطرفا وهو ما يجعله غير مقبول في الوسط الأكاديمي والاعلامي الغربي.

وفي تفسير كثير من هولاء أن الإعلام اليمني لا يمكن أن يكون ممثلا لمفهوم الدولة اليمنية الجامعة وهو ما يجعل منه مادة لقياس مدى التباين والاختلاف والصراعات بين المكونات وتوجهاتها هذا من منظور المراقبين الدوليين .

أما من جهة الشعب اليمني فإن لكل مكون اتباعه وقاعدته ومن ثم تحرص القاعدة على متابعة القنوات المحددة لها من قيادة المكونات وهو ما يؤدي إلى تجزئة الوعي وتكريس التقسيم المجتمعي وهو ما يعني أن الإعلام اليمني يفقد وظيفته.