آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

العقيدة ودورها في هدم القيم من الداخل

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 01:30 م
د. جمال الهاشمي


إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له المجتمعات ليس هجوما صريحا على عقيدتها ولا مواجهة مباشرة مع قيمها وانما عبر توظيف سياسي و عملية أكثر تعقيدا ودهاء حيث يستخدم فيها الدين وسيلة لإعادة تشكيل الوعي وتتخذ فيها الشعارات الإيمانية غطاء لتمرير أفكار ومشاريع سياسية او تنظيمية قد تنتهي إلى تقويض القيم التي يعتقد المجتمع أنه يدافع عنها.

فالاختراق الفكري الأكثر فاعلية لا يأتي في الغالب من خارج المنظومة وانما قد ينشأ من داخلها حين تستغل الثقة بالمقدس وتعاد صياغة المفاهيم الدينية وفق مقتضيات المصالح السياسية حتى يصبح الانحراف عن المبادئ أقرب إلى التدين في نظر أتباعه ويغدو الاعتراض عليه وكأنه اعتراض على الدين ذاته.

وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه لا يطلب من الإنسان التخلي عن عقيدته وانما يعيد توجيه علاقته واعادة تعريف تلك القيم تدريجيا عبر رموز دينية تجتهد بالدين ولا تجتهد فيه تنتقي من التراث والنصوص والتجارب التاريخية العناصر بما يخدم مشروعا معينا بينما تهمش العناصر التي تقيد النفوذ أو تفرض المسؤولية الأخلاقية.

وهكذا يتحول الدين من مرجعية تحاكم السلطة والتنظيم والمصلحة إلى أداة تستخدمها هذه الأطراف لتبرير خياراتها وعندما يحدث فلن يبقى المقدس هو المحدد الذي يضبط السياسة وانما تصبح السياسة هي التي تحدد أي الموضوعات المقدسة التي يجب إبرازها وكيف يجب فهمها ومتى يجوز الاستشهاد بها وهي التي تنسخ من الدين ما تشاء فتجعله صحيحا او ضعيفا او موضوعا وتحدد متى يجب العمل به ومتى لا يجب وتجعل من فقه الواقع حاكما على النص وهذه القاعدة المستحدثة تعرف لدى أرباب فقهاء الحداثة بفقه التنزيل وفقه المناسبة مع أن البون شاسع بينهما.

إن الخبث الحقيقي في توظيف المعتقدات لا يكمن بالضرورة في إنكار الدين أو مهاجمته وإنما قد يكمن في المحافظة على شكله مع تغيير وظيفته وفي الإبقاء على لغته مع إفراغها من مضمونها الأخلاقي.

وقد ترفع شعارات العدل لتبرير الإقصاء ويستدعى مفهوم الإصلاح لتسويغ تفكيك الضوابط الأخلاقية ويستخدم خطاب الحرية لتبرير كل ما يخدم مصلحة معينة كما قد يستغل شعار المحافظة على العقيدة لتكريس التعصب وإغلاق أبواب الاجتهاد.

وفي جميع هذه الحالات، يجري توظيف القيمة ضد معناها بحيث تصبح المفاهيم التي وجدت لضبط السلوك أدوات لتبريره وتتحول المبادئ من معايير ثابتة لمحاسبة الأفعال إلى شعارات مرنة تتغير دلالاتها بتغير المصالح.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على تيار ديني بعينه لأن قابلية المعتقدات للتوظيف السياسي ترتبط بطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة وبين الإيمان والولاء وبين المقدس والمصلحة وهنا قد تستخدم بعض الحركات الإسلامية المرجعية الدينية لبناء نفوذ تنظيمي عابر للحدود وتقديم مشروعها السياسي بوصفه التعبير الأصدق عن الإسلام حتى يتداخل الولاء للجماعة مع الولاء للعقيدة ويصبح نقد التنظيم في نظر أتباعه تشكيكا في الدين.

وفي المقابل قد تستخدم بعض المشاريع السياسية خطاب الاعتدال والتحديث والانفتاح لتقديم تحولات اجتماعية وثقافية باعتبارها مسارا لا بديل عنه دون فتح نقاش جاد حول حدود هذه التحولات وآثارها في البنية الأخلاقية للمجتمع وبين خطاب يوظف الدين لتوسيع سلطة التنظيم وخطاب يوظف التحديث لتوسيع سلطة النموذج السياسي والاجتماعي قد يجد المجتمع نفسه أمام مشروعين متنافسين.

إن الصراع بين المشاريع الإسلامية ذات الامتدادات العابرة للحدود والمشاريع والتي تعطي الأولوية للدولة الوطنية وتتبنى جوانب من النماذج الغربية في الإدارة والحياة العامة يكشف عن حقيقة تتجاوز الاختلافات المعلنة.

فالتنافس لا يدور دائما حول الدين في ذاته وانما يدور حول من يمتلك سلطة تفسيره ومن يستطيع توجيه الوعي باسمه ومن يحدد صورة الإسلام المقبولة في المجال العام وقد تتعارض هذه المشاريع في خطابها ومصالحها لكنها قد تلتقي من حيث لا تعلن في إخضاع القيم لضرورات القوة والنفوذ.

فطرف قد يستثمر في الخطاب الديني لبناء شبكة من الولاءات وطرف آخر قد يستثمر في خطاب التحديث لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصوره الخاص،ولا يعني ذلك أن كل عمل إسلامي مشروع سياسي مقنع أو أن كل تحديث اجتماعي استهداف للقيم أو أن الاستفادة من التجارب الغربية تعني التخلي عن الهوية الإسلامية فهذه تعميمات لا تخدم الفهم السليم وإنما تمنح الخطابات المتطرفة فرصة للهروب من النقد المنهجي الجاد.

إن المشكلة تبدأ عندما يطلب من المجتمع أن يقبل الفكرة بسبب هويتها المعلنة لا بسبب حجتها أو أن يرفضها بسبب مصدرها لا بسبب مضمونها فالفكرة لا تصبح صحيحة لأنها رفعت تحت راية الدين ولا تصبح فاسدة لأنها نشأت خارج المجال الحضاري الإسلامي وإنما ينبغي إخضاعها للفحص والنظر في مدى اتساقها مع القيم التي تدعي خدمتها وفي آثارها على العدل والأسرة والحرية والمسؤولية وكرامة الإنسان.

وهنا يظهر أحد أكثر أشكال التلاعب الفكري خطورة في صناعة التناقض بين الهوية والعقل وحتي تفسير التاريخ وانشطة العلماء المسلمين بحيث يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الدفاع عن عقيدته يقتضي التسليم لكل من يتحدث باسمها أو أن الانفتاح على العالم يقتضي التخلي عن حقه في النقد والاختيار.

والحقيقة أن الهوية التي تخشى السؤال تتحول إلى هوية مذبذبة متفككة كثيرة الانكسارات كما أن الانفتاح الذي يرفض المحاسبة يتحول إلى تبعية ذلك لأن المجتمع الواثق من قيمه لا يحتاج إلى تحصينها بالتخويف من كل جديد ولا في التواصل مع المخالفين وقد علمنا الاسلام منطق الجدال مع أهل الكتاب ومع المشركين وحذرنا من الركون اليهم بل وبالغ في تحذير نبيه المصطفى بمضاعفة عذاب الحياة والممات وهو أحب الخلق اليه ومن باب اولى فالتحذير لمن يعلم أشد وقعا من تهديد الحبيب ولذلك شبه صاحب الآيات بنجاسة الكلب وسمومه كون اللهاث مصدرها ،

وبين الاجتهاد بالنص والذي اعني به ملامسة النص بحرف الباب للتناول والتداول وليس الاجتهاد فيها والذي يقتضي فهمها وإدراك مقاصدها والتمييز بين جوهرها التاريخي والأخلاقي وبين الوسائل البشرية المتغيرة التي تستخدم في تطبيقها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السعودية بحكم مكانتها الدينية وارتباط تاريخها السياسي بالمؤسسة الدينية ووجود الحرمين الشريفين على أراضيها فقد تأثر المجال الديني السعودي عبر مراحل مختلفة بتفاعلات بين المرجعية الدينية المحلية والتيارات الإسلامية العابرة للحدود والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

ولم تكن هذه التأثيرات أحادية الاتجاه إذ تداخلت فيها الدعوة والتعليم والعمل التنظيمي والمنافسة على الشرعية فضلا عن تغير تصورات الدولة والمجتمع بشأن العلاقة بين الدين والسياسة.

ويتمثل التحدي الحقيقي أمام المجتمع العربية في ألا تتحول مرجعيته الإسلامية إلى ساحة تتنافس فيها المشاريع السياسية على احتكار تمثيل الدين وألا يصبح تحديث المجتمع مرادفا لإقصاء كل ما لا ينسجم مع نموذج مستورد كما لا ينبغي أن تتحول المحافظة على الهوية إلى ذريعة لرفض كل اجتهاد أو تغيير.

فالحفاظ على القيم لا يعني تجميد التاريخ والتطوير لا يعني أن كل ما هو جديد أفضل مما سبقه. وإنما يتطلب الأمر قدرة على التمييز بين المبادئ التي تمنح المجتمع تماسكه الأخلاقي وبين الوسائل التي يمكن تطويرها وبين الأفكار التي تستحق الاستفادة منها وتلك التي ينبغي نقدها مهما كان مصدرها أو الجهة التي تروج لها.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات في هذا السياق أن تفقد قدرتها على التمييز بين الدين كمرجعية أخلاقية والتدين كمظهر اجتماعي والتوظيف السياسي للدين كوسيلة لبناء النفوذ.

فقد يكثر الحديث عن العقيدة بينما تتراجع قيم الصدق والعدل وقد تتسع المؤسسات الدينية بينما يضيق على التفكير المستقل وقد يرفع شعار الاعتدال بينما يمنع النقاش في بعض الخيارات السياسية والاجتماعية.

وفي المقابل قد ترفع شعارات التقدم والتحرر بينما تهمش الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية الأخلاقية وآثار التحولات السريعة في المجتمع وعندما تصبح الشعارات بديلا عن المعايير يسهل تمرير التناقضات تحت مسميات تلبيسية، وهنا تأتي اخطر تحد للفكر من خلال تلبيس الدين واتخاذه لباسا مع المصالح المتغيرة، وهنا لم يحد الاختلاف متعلق باحتهادات المذهب العملية في فقه المعاملات بل اصبح اليوم يمس العقيدة مباشرة بسبب اختلاط المجتمعات وثقافة الاندماج، وهنا تأتي خطورة الكلمة التي تجعل الايمان لباسا للشرك.

ولا يقل خطورة عن ذلك توظيف الاختلافات المذهبية في صناعة العداوة داخل المجتمع فالخلافات العقدية والفقهية بين المسلمين حقيقة تاريخية ولكنها لا تبرر تحويل الانتماء المذهبي إلى حكم مسبق على أخلاق الأفراد أو ولائهم أو استحقاقهم للحقوق.

كما أن التدخلات السياسية الإقليمية حين تستثمر في الانتماءات المذهبية قد تسهم في تحويل الخلاف الديني إلى أداة للصراع على النفوذ ومن الضروري لذلك التمييز بين النقد العقدي والتوظيف السياسي للمذهب والتطرف الذي يبرر العنف أو الإقصاء. فهذه أمور مختلفة وخلطها لا يحمي العقيدة بل يفتح المجال أمام التعميم والظلم ويمنح الخطابات الطائفية القدرة على توسيع دائرة الصراع.

إن حماية المجتمع من التوظيف السياسي للمعتقدات لا تتحقق باتهام كل مخالف بأنه صاحب مشروع خفي ولا بمنح أي تيار حصانة فقط لأنه رفع شعارات دينية أو تحديثية وقد رفعت المصاحف في صفين كما رفعت المحكمة القرآن وقد رفع ذلك في وجه الخليفة الثالث عثمان ومن قبل تحدث ذو الخويصرة بالعدل متهما اعدل الناس واكملهم نفسا وخلقا وخلقا.

وإنما تتحقق بإخضاع الخطاب للمساءلة والبحث عن الأدلة وفحص مصادر التمويل والتأثير عند وجود ما يبرر ذلك ومقارنة الشعارات بالممارسات والنتائج فادعاء وجود نيات سرية لا يغني عن إثباتها كما أن غياب التصريح بالمقاصد لا يعني استحالة وجود توظيف سياسي وإنما يحتاج الأمر إلى قراءة دقيقة للوقائع لا إلى الاستسلام للشكوك أو التسليم بالدعاية.

إن أخطر عملية لتدمير القيم ليست بالضرورة تلك التي تعلن الحرب عليها بل تلك التي تحتفظ بأسمائها وتغير معانيها وتستدعي احترامها لتمنع مساءلة من يتحدث باسمها.

لذلك، فإن الحصانة الفكرية الحقيقية لا تقوم على الخوف الدائم من الآخر، ولا على الثقة العمياء بمن يتحدث باسم الدين بل على وعي يستطيع التمييز بين الإيمان واستغلال الإيمان وبين الإصلاح وتوظيف شعاره وبين الاختلاف المشروع والتطرف وبين الاستفادة من الحضارات والتبعية لها.

وهنا نجد أن منظومة الجزيرة العربية ومصدر الاصولية الدينية النقية قد ضربت من داخلها ومن خارجها حتى اصبحت فيه مراكز مختلفة تعمل عبر أدواتها الاعلامية في توظيف الدين ومن هنا وانطلاقا من شهادات معتبرة نجد ان من يدافع عن الدين ويوظفه لتبرير المفاهيم والقيم الغربية تحت مسميات الحداثة الاسلامية هو اشبه ببولس الرسول الذي عمل علي تديين الثقافة اليونانية ومعتقداتها وحلالها وحرامها وهذا تقوده بعض دول المنطقة العربية سياسيا وعبر مؤسساتها الدينية والاعلامية بينما دول اخرى دخلت علي الخط في منافسة شرسه وهي أقل شرا من سابقتها حيث أنها تعمل علي مناقضة القيم العقائدية ومبادئها وتوظفه سياسيا ودينيا لمواجهة الأخرى وجميعهن يسعون لارضاء الغرب بغية استمرار مواقعهم التي لا تثبت الا باداء وظائفهم وهو ما ادى الي انتشار الامية الدينية من جهة والسقوط الاخلاقي من جهة اخرى سقوطا للدين من داخله والذي بدأ بالاسلام السياسي ثم الاسلامي القومي او الوطني ثم الاسلام الليبرالي ثم الاسلام الطائفي ثم الاسلام العرقي والله قد بين لنا ان امة الاسلام تقوم على منهجين : منهجية العبادة ومنهجية التقوى فقال تعالى "ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون" وقال : « ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون" وبهاتين المنهجيتين يتحقق معني الخيرية ومعنى الدعوة.