بداية سأتخذ من فلسفة ميكافيللي مدخلا لقراءة خارطة الإسلام العسكري من زاوية القوة والفعل السياسي.
وهنا نؤكد بأنه لا تقاس السلطة بما تعلنه من فضائل وإنما بما تحققه من مصالح ولا تظهر حقيقة الحاكم في الشعارات التي يرفعها وإنما في طبيعة القوة التي يستخدمها والغاية السياسية التي تخدمها.
ومن هنا يمكن قراءة التحول الذي شهدته جماعة الحوثيين في اليمن من حركة عقائدية نشأت داخل بيئة اجتماعية ومذهبية محددة إلى عقيدة تاريخية اعيد إنتاجها داخل الحاضنة الزيدية.
ومن خلال هذه العقيدة تحولت إلى سلطة عسكرية لا تتناسب مع الفكر الزيدي الذي ينطلق من رؤية مستقلة لا تتفق مع منهجيات المعتقدات الأخرى كالجارودية أو الجعفرية ومن هنا نجد أن الحركة تتوسع باتخاذ حواضن ثقافية أخرى للتعبئة.
وبذلك أصبحت تؤدي وظيفة استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية وتتقاطع بصورة عميقة مع مصالح إيران وأمنها الإقليمي وهو ما يشير إلى مقاربة فكرية عميقة .
والمسألة لم تعد تتعلق بوجود علاقة سياسية أو عسكرية بين صنعاء وطهران وإنما بطبيعة السلطة التي نشأت في اليمن وبالوظيفة التي أصبحت تؤديها ضمن الصراع على الشرق الأوسط.
إذ يبدو أن الجماعة نجحت في امتلاك أدوات السيطرة على جزء واسع من الدولة اليمنية ولكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذه السيطرة إلى مشروع وطني جامع ولم تستطع أن تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لبناء الدولة مما جعل الدولة ومؤسساتها ومواردها جزءا من منظومة مركزية تخدم استمرار القوة العسكرية.
وهنا تظهر المفارقة الميكافيلية الأولى فالجماعة التي بدأت بمواجهة الدولة تحت شعار مقاومة الظلم والهيمنة انتهت إلى بناء سلطة تجعل من احتكار القوة أساسا لاستمرارها ومن استمرار الصراع مصدرا لتجديد شرعيتها.
ومن قم لم تعد الحرب وسيلة للوصول إلى الحكم فقط وإنما أصبحت إحدى الأدوات التي يعاد من خلالها إنتاج الحكم نفسه .
وفي المنطق الميكافيلي يحتاج الأمير إلى عدو يحشد به أنصاره عندما يعجز عن بناء الرضا السياسي المستقر والعدو الخارجي يؤدي وظيفة مضاعفة فهو يوحد الصفوف حول القيادة ويتيح تفسير الأزمات الداخلية باعتبارها نتيجة للحصار والمؤامرة ويحول المطالبة بالحقوق إلى مسألة مؤجلة أمام مقتضيات المواجهة وهو ما جعل الحرب يتخذ ابعادا مختلفة بدأت بالدفاع عن فلسطين ثم بالدفاع عن اليمن ضد الضربات الأمريكية ومن ثم تحولت نحو السعودية ولكن التوجه بالحرب نحو السعودية إنما كان الهدف منه تبرير وذريعة للسيطرة على باب المندب ضمن خطة استراتيجية للدفاع عن إيران.
وهذا لا يعني أن التهديدات الخارجية التي تواجه الحوثيين وهمية وإنما يعني أن وجودها الحقيقي يمكن توظيفه سياسيا لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ومن هذا الجانب اكتسب الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل أهمية تتجاوز الموقف المعلن من فلسطين فقد أتاح للجماعة الانتقال بخطابها من شرعية السيطرة الداخلية إلى شرعية المواجهة الإقليمية ومن موقع الطرف المتهم بتقويض الدولة اليمنية إلى موقع القوة التي تقدم نفسها مدافعا عن الأمة.
وفي هذه العملية تصبح القضية الكبرى مصدرا للشرعية السياسية المحلية بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بحقوق المواطنين وطبيعة الحكم والاقتصاد وتداول السلطة.
لكن المفارقة الأخرى في أن هذه الوظيفة العسكرية تتقاطع مع المصالح الإيرانية بصورة يصعب تجاهلها. فإيران دولة تسعى إلى حماية أمنها وتوسيع مجال نفوذها وتستفيد من وجود قوى حليفة تستطيع ممارسة الضغط على خصومها خارج حدودها ومن هذا المنظور لا يمثل اليمن بالنسبة إلى طهران حليف عقائدي فقط وإنما موقعا جيوسياسيا يمنحها قدرة على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب وأمن شبه الجزيرة العربية.
إن جوهر العلاقة هنا ليس في تطابق العقائد وحدها وإنما تبادل المنفعة بين سلطة محلية تبحث عن القوة والحماية ودولة إقليمية تبحث عن توسيع الردع الاستراتيجي.
والحوثيون يستفيدون من الدعم والخبرة والغطاء السياسي بينما تستفيد إيران من وجود قوة مسلحة قادرة على التأثير في حسابات خصومها دون أن تتحمل بصورة مباشرة جميع تكاليف المواجهة.
وبذلك يصبح السؤال المتعلق باستقلال القرار الحوثي أقل أهمية من السؤال المتعلق بنتائج ذلك القرار.
فقد تحتفظ الجماعة بهامش واسع من الاستقلال التنظيمي وقد تتخذ قرارات لا تتطابق تماما مع رغبات طهران و لكن ذلك لا ينفي أن الأهمية الاستراتيجية لكثير من تحركاتها تصب في توسيع قدرة إيران على الضغط الإقليمي.
وفي فلسفة المصالح لا يشترط أن يكون الحليف تابعا في كل قراراته حتى يؤدي وظيفة نافعة للدولة التي تدعمه.
وهنا تتجلى المفارقة الميكافيلية الثانية إذ تحاول إيران أن تجعل من الجغرافيا اليمنية امتدادا لأمنها القومي بينما يصبح اليمن معرضا لدفع أثمان صراع لا يملك وحده قرار بدايته أو نهايته.
فالدولة الإيرانية تتصرف بمنطق المصلحة القومية حتى عندما تستخدم خطابا عقائديا عابرا للحدود أما الحوثيون فيخاطرون بتحويل المصلحة الوطنية اليمنية إلى عنصر ثانوي في معادلة الدفاع عن حليف خارجي.
وتقدم التطورات الأخيرة دليلا مهما على هذا التداخل.
فقد كشف تحليل لوكالة رويترز في 15 أكتوبر 2026، استنادا إلى مصادر سعودية وإيرانية وإقليمية أن التصعيد الحوثي ضد السعودية يرتبط بحسابات تتجاوز المطالب اليمنية وتشمل الضغط على الرياض لدفع واشنطن نحو تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران.
كما أشار التقرير إلى أن الحوثيين يسعون بالتوازي إلى انتزاع مكاسب خاصة تعزز سلطتهم في اليمن وهذا التداخل يؤكد أن العلاقة ليست تبعية مطلقة وإنما شراكة غير متكافئة تتلاقى فيها مصالح الطرفين عند استخدام القوة العسكرية.
ومن منظور ميكافيللي فإن أخطر أخطاء الحاكم أن يخلط بين امتلاك القوة وامتلاك الدولة فالقوة تستطيع إخضاع الخصوم وفرض القرارات لكنها لا تستطيع بمفردها خلق الشرعية المستقرة.
وقد تمكن الحوثيون من بناء تنظيم عسكري متماسك إلا أن نجاحهم العسكري لا يقدم دليلا كافيا على نجاح مشروعهم السياسي.
ان الدولة ليست جغرافيا تخضع للسلاح وإنما مؤسسات واقتصاد وعلاقات اجتماعية وقواعد قانونية تجعل السلطة قابلة للاستمرار دون الحاجة الدائمة إلى التعبئة والحرب.
والمفارقة الثالثة أن الجماعة التي تستمد قوتها من استمرار المواجهة قد تجد في السلام تهديدا لبنيتها السياسية.
ففي زمن الحرب تستطيع القيادة تبرير مركزية القرار وتقييد المنافسة وتقديم الانضباط العقائدي باعتباره ضرورة أمنية.
أما في زمن السلام فإن المجتمع يبدأ بمحاسبة السلطة على الخدمات والاقتصاد والعدالة والحريات.
وهنا تنتقل شرعية الحكم من ميدان القتال إلى ميدان الإدارة وهو انتقال قد يكون أشد صعوبة على الحركة العقائدية من المواجهة العسكرية نفسها.
ولذلك فإن مستقبل أنصار الله لا يتحدد بعدد الصواريخ أو حجم الأراضي الخاضعة لسيطرتها بل بقدرتها على التحول من تنظيم عسكري يحتكر القرار إلى سلطة سياسية تقبل بقيود الدولة والمجتمع.
وكلما تأخر هذا التحول، ازداد اعتماد الجماعة على التهديد الخارجي بوصفه وسيلة لتوحيد الداخل وأصبحت أكثر ارتباطا باستمرار التوتر الإقليمي الذي يمنحها أهميتها العسكرية مما يؤدي إلى اصعاف الموارد البشرية وتعطيل وظائفها التنموية.
غير أن هذا المسار يحمل تناقضا لا تستطيع القوة العسكرية إزالته.
فإيران قد تستفيد من استمرار الضغط الحوثي على خصومها و لكنها تستطيع أيضا تعديل أولوياتها إذا تغيرت موازين القوى أو ظهرت تسوية تحقق مصالحها. أما اليمن فلا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي أو التخلص بسهولة من النتائج الاجتماعية والاقتصادية للحروب التي تدور على أرضه.
وبذلك تختلف تكلفة التحالف بين الطرفين فما قد يمثل ورقة تفاوضية بالنسبة إلى طهران قد يتحول إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد بالنسبة إلى اليمن.
وفي المقابل لا يمكن إعفاء السلطة الشرعية اليمنية من مسؤوليتها التاريخية فقد ساهم عجزها عن بناء مركز سياسي وعسكري موحد وتعدد الولاءات داخل مؤسساتها واعتمادها المستمر على الدعم الخارجي في توفير البيئة التي تسمح للحوثيين بتعزيز نفوذهم. فالحركة العقائدية لا تنتصر بقوتها الذاتية وحدها وإنما تستفيد أيضا من ضعف خصومها وفقدانهم القدرة على تقديم بديل مقنع.
ومن منظور ميكافيلي فإن السلطة التي تمتلك الاعتراف القانوني دون امتلاك أدوات الحكم الفعلي تظل سلطة ناقصة مثلما أن القوة التي تمتلك السلاح دون بناء قبول سياسي واسع تظل معرضة لأزمات الشرعية.
وهذه هي المعضلة اليمنية إذ يمتلك الحوثيون قدرا كبيرا من القوة التنظيمية دون إجماع وطني بينما تمتلك الشرعية الاعتراف الدولي دون وحدة مؤسسية كافية. وبينهما تتآكل الدولة ويتحول المجتمع إلى مورد للصراعات المتنافسة.
أن استمرار هذه المعادلة يعيد تشكيل البنية المجتمعية اليمنية على نحو يخدم بقاء القوى المسلحة وحين تصبح العقيدة السياسية معيارا للولاء ويتحول التعليم والإعلام والخطاب الديني إلى أدوات لتثبيت السلطة تنشأ أجيال تتلقى تصورات متعارضة عن الدولة والهوية والتاريخ ومع مرور الزمن يصبح الانقسام أعمق من حدود الجبهات لأن الحرب تنتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الوعي
وفي تقديري فإن المرحلة المقبلة قد تكشف حدود القوة الحوثية أكثر مما تكشف قدرتها على التوسع فكلما تعاظمت أهمية الجماعة في الاستراتيجية الإيرانية ازدادت احتمالات تعرضها لضغوط إقليمية ودولية وكلما توسعت وظائفها العسكرية الخارجية ازدادت صعوبة التوفيق بينها وبين مسؤولياتها تجاه المجتمع اليمني.
وقد تحقق الجماعة مكاسب تكتيكية مهمة لكنها تظل معرضة لخسارة استراتيجية إذا أصبحت قدرتها على إدارة الحرب أكبر من قدرتها على إدارة الدولة.
وإذا استطاعت إيران مستقبلا الوصول إلى تفاهمات أمنية مع خصومها فإن القيمة التفاوضية للحوثيين قد تتغير.
وإذا استمرت المواجهة فقد تتحول مناطق سيطرتهم إلى ساحة استنزاف أوسع وفي الحالتين، لا يبدو الارتهان إلى الصراع الإقليمي أساسا آمنا لبناء دولة مستقرة، لأن مصير اليمن سيظل مرتبطا بقرارات تتخذ خارج مؤسساته الوطني
وهنا نصل إلى جوهر المسألة في فلسفة السلطة.
ف الحاكم الذكي لا يقاس بقدرته على تحويل شعبه إلى قوة تخدم حلفاءه وإنما بقدرته على تحويل القوة التي يمتلكها إلى أمن وازدهار واستقلال لمجتمعه وإذا كان ميكافيللي قد جعل الحفاظ على الدولة معيارا مركزيا لنجاح الأمير فإن تحويل الدولة إلى أداة في استراتيجية دولة أخرى يمثل تناقضا مع هذا المعيار مهما بلغت قوة الخطاب العقائدي أو القدرة العسكرية.
إن أنصار الله في صورتها الراهنة تواجه تحديا تاريخيا يتجاوز الصراع على صنعاء أو السيطرة على باب المندب. فإما أن تتجه نحو قبول الدولة الوطنية كمرجعية أعلى من الجماعة والتحالف الخارجي وهو ما يجعلها شريكا لا مركزا لنفوذها.
وإما أن يستمر تحولها إلى قوة عسكرية تؤدي وظيفة إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح اليمنيين
والحكم لنفسها..
أن الحوثيين قد نجحوا في تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى مصدر قوة في المعادلة الإيرانية ولكنهم لم يثبتوا أن هذه القوة تحولت إلى مكسب وطني لليمن.
لقد أصبحوا قادرين على التأثير في أمن المنطقة بينما بقيت قدرتهم على بناء دولة مستقرة بعيدا جدا .
وهنا تكمن المفارقة الميكافيلية وهو أن تنتصر الجماعة في معركة النفوذ لكنها تخسر الغاية التي يفترض أن تبرر امتلاك السلطة وهي حماية الدولة والمجتمع.
فالقوة التي تجعل اليمن مهما لإيران لا تعني بالضرورة أنها تجعل إيران مفيدة لمستقبل اليمن والانتصار الذي يعزز موقع الحليف الخارجي قد يكون هزيمة مؤجلة للدولة الوطنية.
ولكني لا أرى أن للحوثيين النباهة السياسية التي تتساوى مع النباهة العسكرية فالعقيدة التي تستخدم القوة ستنكمش وستجد مقاومة وان انتهت الحرب فإنها لن تستقر الدولة .