إن نهاية الحوثيين في اليمن ليست مسألة حسم عسكري بقدر ما تبدو نتيجة محتملة لتحول عميق في البيئة الجيوسياسية التي كانت من أهم مصادر ابتعاث قوتهم واستمرارهم.
فالحركات المسلحة لا تنتهي بالضرورة عندما تفقد قدرتها على القتال وإنما عندما تفقد الوظيفة السياسية والاستراتيجية التي منحت وجودها قيمة في حسابات القوى الداخلية والخارجية. ومن هنا فإن مستقبل الحوثيين لم يعد مرتبطا بقدرتهم على الاحتفاظ بصنعاء وحدها وإنما بمدى قدرتهم على التكيف مع التحولات التي تعيد تشكيل التوازنات الأمنية في الجزيرة العربية والبحر الأحمر والشرق الأوسط.
وتكشف الاتجاهات العامة في الصحافة الأمريكية والأوروبية والصينية والروسية رغم اختلاف منطلقاتها عن حقيقة استراتيجية مهمة تتمثل في أن المجتمع الدولي لا يتبنى تصورا موحدا لإنهاء الحوثيين ولكنه يقترب من إدراك صعوبة استمرارهم كسلطة عسكرية تحتكر القرار اليمني وتمتلك في الوقت نفسه القدرة على تهديد المصالح الإقليمية والممرات البحرية الدولية.
وهذا التباين لا يعني بالضرورة وجود توافق دولي على إسقاط الجماعة وإنما يشير إلى احتمال انتقال التعامل معها من سياسة إدارة التهديد إلى البحث عن صيغة تعيد تحديد موقعها داخل النظام السياسي والأمني اليمني.
فالمنظور الأمريكي يتعامل مع الحوثيين من زاوية ارتباطهم بإيران وقدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر والمصالح الأمريكية.
غير أن التجربة العسكرية أثبتت أن إضعاف القدرات القتالية لا يؤدي تلقائيا إلى انهيار البنية السياسية والاجتماعية للحركات العقائدية.
ولهذا تبدو واشنطن أقرب إلى تفضيل تقليص النفوذ الحوثي وحرمانه من أدوات التأثير الإقليمي دون الانخراط المباشر في حرب مفتوحة لإسقاط سلطته في صنعاء. وفي حال تطور هذا الاتجاه فقد يتحول الهدف الأمريكي من تدمير القوة العسكرية إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تسمح لهذه القوة بالاستمرار.
أما المقاربة الأوروبية فتبدو أكثر ارتباطا بمفهوم الاستقرار الوظيفي للدولة اليمنية. فأوروبا لا تنظر إلى الحوثيين كتهديد أمني منفصل عن أزمة الدولة وإنما باعتبارهم جزءا من اختلالات أصابت التوازن السياسي والاجتماعي والمؤسسي في اليمن.
ومن ثم فإن إنهاء احتكارهم للسلطة قد يصبح أكثر أهمية من إنهاء وجودهم السياسي لأن انهيارهم دون وجود بديل مؤسسي قادر على إدارة البلاد قد يفتح المجال أمام فوضى أمنية جديدة تهدد الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين أساسيين في التفكير السياسي الأوروبي:
الشرعية القانونية والقدرة الفعلية على الحكم؛ فأوروبا تعترف بالحكومة اليمنية ومؤسساتها المعترف بها دوليا لكنها تدرك أن الاعتراف الدولي لا يكفي وحده لاستعادة الدولة.
فالسلطة التي تعاني من الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القرار العسكري وضعف المؤسسات الاقتصادية والخدمية قد لا تكون من المنظور الأوروبي قادرة على ملء الفراغ الذي سيترتب على انهيار الحكم الحوثي.
وهذا يقود إلى استنتاج استراتيجي مهم وهو انه قد تكون أوروبا أكثر تخوفا من انهيار الحوثيين دون وجود بديل مؤسسي مستقر من استمرارهم مؤقتا ضمن توازن يمكن احتواؤه سياسيا.
وفي اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 12 أكتوبر 2026 أكد الوزراء دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وفي الوقت نفسه شددوا على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية.
والأكثر دلالة أن دراسة صادرة في 14 سبتمبر 2026 عن مركز الأبحاث الألماني CARPO وصفت تماسك الحكومة اليمنية بأنه هش وحددت ثلاث مشكلات أساسية:
التمثيل الجنوبي، والاعتماد المالي على الرياض ودمج القوات التابعة سابقا للمجلس الانتقالي.
ولكنها اعتبرت أيضا أن الحكومة تمتلك فرصة حقيقية للتحسن إذا حصلت على دعم مؤسسي مناسب.
وفي المقابل تنطلق الصين من فلسفة استراتيجية مختلفة تجعل استقرار الممرات التجارية واستمرارية تدفق الطاقة والسلع أولوية تتقدم على طبيعة النظام السياسي الحاكم.
فبكين لا تحتاج إلى هزيمة الحوثيين لتحقيق مصالحها لكنها تحتاج إلى بيئة بحرية مستقرة لا تتحول فيها الجغرافيا اليمنية إلى مصدر دائم لتهديد التجارة الدولية.
ولذلك فإن استمرار الحوثيين في توظيف البحر الأحمر كورقة ضغط عسكرية قد يضعف قدرتهم على الاستفادة من الحياد الصيني دون أن يقود بالضرورة إلى اصطفاف بكين ضمن مشروع دولي لإسقاطهم إلا أن تكون للصين حسابات أخرى .
وعند جمع هذه الاتجاهات تتشكل فرضية استشرافية مفادها أن مستقبل الحوثيين قد يتحدد من خلال تراجع القيمة الاستراتيجية لوظيفتهم العسكرية وليس من خلال خسارتهم الميدانية وحدها.
فقد استطاعت الجماعة خلال سنوات الحرب تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى مصدر نفوذ يتجاوز وزنها المحلي مستفيدة من التنافس الإيراني الأمريكي ومن حساسية الأمن السعودي ومن الأهمية الدولية لباب المندب.
غير أن هذه المعادلة قد تنقلب عندما تتجه القوى الإقليمية والدولية إلى تقليص ساحات المواجهة غير المباشرة وإعادة تنظيم أمن البحر الأحمر ضمن ترتيبات أوسع.
وفي هذا السياق تبرز العلاقة السعودية الإيرانية باعتبارها أحد أهم محددات المستقبل الحوثي.
فقد استفادت الجماعة من موقعها داخل معادلة الضغط الإقليمي على السعودية و لكن أي تحول مستدام نحو تفاهم أمني بين الرياض وطهران قد يعيد تعريف الدور الذي تؤديه في الاستراتيجية الإيرانية
وليس من الضروري أن يؤدي ذلك إلى تخلي إيران عنها مما قد يدفع إلى تحويلها من أداة ضغط عسكري إلى ورقة تفاوض سياسي وهو انتقال يحمل في داخله احتمالات إضعاف استقلالية القرار الحوثي وإعادة تشكيل علاقته بالسلطة اليمنية.
غير أن هذا التحول لن يكون كافيا لإحداث نهاية سياسية للجماعة ما لم يتزامن مع تغير جوهري في بنية القوى اليمنية المناهضة لها.
فقد كانت الانقسامات داخل المعسكر المقابل أحد أهم مصادر الاستقرار النسبي للحوثيين لأنها سمحت لهم بتحويل تشتت خصومهم إلى عنصر قوة داخلية ولذلك فإن استمرار الانقسام السياسي والعسكري في المناطق الخارجة عن سيطرتهم قد يمنحهم فرصة البقاء حتى في ظل تراجع الدعم الخارجي أو تعرضهم لضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة.
وتتجلى المعضلة الكبرى في أن الحوثيين استطاعوا بناء سلطة تعتمد على مركزية القيادة والتعبئة العقائدية واستمرار الشعور بالخطر الخارجي و لكن الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة يفرض معايير مختلفة للشرعية والاستقرار.
فالدولة تحتاج إلى اقتصاد منتج ومؤسسات قابلة للاستمرار وعلاقة سياسية مستقرة مع المجتمع بينما تمنح الحرب الحركات المسلحة قدرة استثنائية على تأجيل الاستحقاقات الداخلية وتبرير إخفاقاتها الاقتصادية والإدارية وعندما تتراجع فاعلية التعبئة العسكرية فقد تنتقل التناقضات من مواجهة الخصوم الخارجيين إلى داخل البنية الحاكمة نفسها.
ومن هنا يمكن تصور مسار تتآكل فيه قدرة الحوثيين على إدارة المجال السياسي والاقتصادي قبل أن تتراجع قدرتهم على الاحتفاظ بالسلاح وقد يبدأ هذا المسار بفقدان بعض أدوات التأثير البحري والإقليمي ثم بتراجع الموارد والقدرة على ضبط التوازنات الاجتماعية وصولا إلى ظهور اختلافات داخل مراكز القوة بشأن مستقبل العلاقة مع إيران وشكل التسوية السياسية وموقع الجماعة داخل الدولة.
إلا أن تحول هذه الاختلافات إلى انقسامات فعلية سيظل احتمالا مشروطا وليس نتيجة حتمية.
وعلى المدى المتوسط تبدو لي ثلاثة مسارات ممكنة و يتمثل الأول في احتواء الحوثيين داخل تسوية سياسية تنهي احتكارهم للسلطة وتسمح ببقائهم مكونا سياسيا ضمن دولة يعاد بناؤها.
ويتمثل الثاني في انكماش نفوذهم الجغرافي مع احتفاظهم بقوة عسكرية وعقائدية في شمال اليمن بما يؤدي الى حالة مزمنة ممتدة من التوازن غير المستقر.
أما المسار الثالث فيتمثل في استمرار سلطتهم وربما تعزيزها إذا بقي خصومهم عاجزين عن توحيد مؤسساتهم واستمرت البيئة الإقليمية في توفير أسباب التعبئة والصراع.
وأرجح أن المسار الثاني قد يكون الأقرب إذا استمرت الاتجاهات الراهنة دون حدوث تحول حاسم في بنية القوى اليمنية.
فالحوثيون يمتلكون من التماسك التنظيمي والخبرة العسكرية ما يجعل انهيارهم السريع أمرا غير مرجح ولكنهم يواجهون في المقابل حدودا بنيوية تحول دون تحول سيطرتهم العسكرية إلى شرعية وطنية جامعة أو اعتراف إقليمي مستقر.
وبذلك قد تنتهي قدرتهم على التوسع وفرض شروطهم خارج مناطق نفوذهم قبل أن تنتهي قدرتهم على الاحتفاظ بمراكز قوتهم التقليدية
ومع ذلك فإن العامل الأكثر حسما لن يكون الموقف الأمريكي أو الأوروبي أو الصيني أو الروسي منفردا وإنما قدرة اليمنيين على إنتاج معادلة سياسية جديدة تنزع عن الحوثيين احتكار تمثيل القوة المنظمة.
فالتاريخ السياسي للحروب الداخلية يشير إلى أن الجماعات المسلحة تستمد جزءا كبيرا من بقائها من عجز البدائل عن تقديم نموذج حكم أكثر تماسكا واستقرارا.
وإذا لم تتشكل سلطة يمنية قادرة على توحيد القرار العسكري وإعادة بناء المؤسسات واستعادة العلاقة بين الدولة والمجتمع وتحقيق السيادة المستقلة فإن الضغوط الخارجية قد تضعف الحوثيين دون أن تنهي سلطتهم.
وعليه فإن نهاية الحوثيين لا ينبغي فهمها ك سقوط عسكري مفاجئ، وإنما باعتبارها عملية تحول تدريجي في شروط القوة والشرعية والجغرافيا.
وقد يكون أخطر ما يواجه الجماعة مستقبلا ليس تفوق خصومها في ميدان القتال وإنما فقدان البيئة التي جعلت الحرب مصدرا لاستمرارها وتحول موقعها الجغرافي من ورقة نفوذ إقليمي إلى عبء اقتصادي وسياسي وأمني.
ومن ثم ف أن الحوثية قد تبقى حركة مسلحة بعد أن يفقدوا القدرة على أن يكونوا مشروعا للدولة وقد يحتفظون بجزء من الجغرافيا بعد أن تتراجع قدرتهم على التحكم بمستقبل اليمن.
والنهاية المرجحة إذا تغيرت موازين الداخل والإقليم فلن تكون بالضرورة نهاية الجماعة في ذاتها وإنما نهاية المعادلة التي سمحت لها بتحويل الحرب إلى سلطة والجغرافيا إلى نفوذ والانقسام اليمني إلى ضمانة لاستمرارها.
وأرى أن استمرار الحرب السعودية سيؤدي إلى إعادة تعريف الصراع من ثلاث زوايا: مستقبل الحوثيين كسلطة وموقع إيران في اليمن وطبيعة العلاقة بين السعودية والشرعية اليمنية.
فإذا انتقلت الرياض من سياسة الاحتواء والردع إلى دعم عسكري مستمر يستهدف تغيير ميزان السيطرة على الأرض فإن الحوثيين سيواجهون ضغطا يتجاوز قدرتهم على إدارة حرب استنزاف تقليدية.
و لكن هذا الضغط قد يمنحهم في الوقت نفسه فرصة لإعادة تعبئة المجتمع في مناطق سيطرتهم تحت عنوان مواجهة التدخل الخارجي.
والعامل المهم هنا ليس في حجم القوة السعودية وحده وإنما في طريقة تعامل الرياض مع السلطة الشرعية أما كشريك في بناء الدولة أم كاطار سياسي يدار من خلاله الحرب.
والفرق بين المسارين كبير:
فالأول قد يوجد سلطة يمنية بديلة أما الثاني فقد يحقق مكاسب عسكرية دون إنهاء الأسباب التي سمحت للحوثيين بالاستمرار.
وقد يتبع الانتصار العسكري بناء دولة وهو المسار الذي قد يؤدي إلى إنهاء حكم الحوثيين في صنعاء وهذا في حال استطاعت الشرعية توحيد مؤسساتها واستعادت الثقة المجتمعية.
او قد يكون مسار المكاسب العسكرية دون تحول سياسي وفيه يخسر الحوثيون بعض الجغرافيا لكنهم يحتفظون بمراكز قوتهم وبذلك تستمر الحرب والاستنزاف وهو ما قد يعيد إنتاج الحوثيين وفيه تتحول المواجهة الخارجية إلى مصدر جديد لتماسك الجماعة مع ارتفاع التكاليف الأمنية والاقتصادية على السعودية واليمن.
وتحذر التغطيات الحديثة من أن تصاعد القتال أدى بالفعل إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والنزوح وتعطل المساعدات، وهو ما يجعل استمرار الحرب دون مخرج سياسي أكثر تكلفة على الجميع.
وأعتقد أن استمرار السعودية إلى جانب الشرعية يمكن أن ينهي حكم الحوثيين لكنه لن يحقق ذلك بالتفوق العسكري وحده.
فالمعيار الحقيقي للانتصار هو أن تتحول المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى نموذج لدولة قادرة على الحكم وأن تصبح استعادة صنعاء امتدادا لمشروع وطني يحظى بالقبول وليس انتقال للسيطرة فقط من قوة مسلحة إلى أخرى.
أما إذا ظلت الشرعية تعتمد على القوة السعودية دون بناء مؤسسات يمنية مستقلة وفاعلة فقد تنجح الرياض في إضعاف الحوثيين لكنها ستجد نفسها أمام حرب يصعب إنهاؤها سياسيا.
والنتيجة الأكثر أهمية هو أن مستقبل الحوثيين لن يتحدد فقط بقرار السعودية في مواصلة الحرب وإنما بقرارها بشأن طبيعة الدولة اليمنية التي تريد دعم قيامها بعد الحرب وهذا هو المعمار التي تنظر اليه جميع القوى اليمنية.