آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

الحرب السعودية اليمنية في الرؤية الأمريكية: من استنزاف الجغرافيا إلى صراع النفوذ.

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 10:48 ص
د. جمال الهاشمي


لا تنظر الصحافة الأمريكية إلى الحرب في اليمن كمواجهة عسكرية بين السعودية والحوثيين فحسب، وإنما ايضا كأزمة إقليمية تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من المصالح:

أمن المملكة العربية السعودية ومستقبل النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية وموقع اليمن في معادلة السيطرة على البحر الأحمر وباب المندب.

ومن خلال هاته الجوانب يمكن القول إن الحرب تجاوزت أهدافها الأولى. فالسعودية التي دخلت الحرب عام 2015 لمنع تشكل قوة معادية على حدودها وجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية أكثر تعقيدا:

استمرار مواجهة لا تضمن بها إنهاء الحوثيين وتسوية معهم لا تضمن انتهاء التهديد بينما يؤدي إضعاف الدولة اليمنية إلى إنتاج بيئة أمنية يصعب التحكم بمستقبلها.

أما الولايات المتحدة فإنها تنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة.

فالأولوية الأمريكية ليست بالضرورة إعادة بناء الدولة اليمنية وفقا لتصور الحكومة المعترف بها دوليا وإنما منع تحول اليمن إلى مصدر تهديد مستمر للملاحة الدولية وتقليص قدرة إيران على توظيفه في الصراع الإقليمي والمحافظة على أمن السعودية دون الانزلاق إلى حرب أمريكية مفتوحة.

وهنا تظهر المفارقة المركزية: فقد تنجح السعودية في تخفيض تكلفة الحرب على حدودها دون أن تنجح في إنهاء أسبابها داخل اليمن وقد تنجح واشنطن في حماية مصالحها البحرية دون أن تساهم في تسوية سياسية تعيد للدولة اليمنية وحدتها وسيادتها ولكن هذه القوة تحمل تناقضا داخليا.

فكلما توسع الدور الإقليمي للحوثيين ازدادت احتمالات تعرضهم لضغوط خارجية واتسعت الفجوة بين متطلبات حكم المجتمع اليمني ومتطلبات المواجهة الإقليمية. ولذلك فإن استمرار قدرتهم على تهديد السعودية لا يمثل بالضرورة دليلا على قدرتهم على بناء دولة مستقرة.

وفي المقابل تبدو السياسة الأمريكية أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى معالجة جذور الصراع.

فقد نقلت أسوشيتد برس في سبتمبر تصريحات حوثية بشأن اتصالات غير مباشرة مع واشنطن عبر عمان في سياق المحافظة على تفاهمات تتعلق بعدم استهداف السفن الأمريكية.

وإذا استمر هذا المسار فقد تجد السعودية نفسها أمام وضع يستطيع فيه الحوثيون تخفيف المواجهة مع الولايات المتحدة مع الإبقاء على الضغط العسكري والسياسي على المملكة.

وهذا ليس دليلا قاطعا على وجود تفاهم أمريكي مع الحوثيين على حساب السعودية و لكنها تكشف اختلاف أولويات الأطراف؛ فالولايات المتحدة تقيس التهديد بمقدار تأثيره في مصالحها الاستراتيجية بينما تقيسه السعودية بمدى تأثيره في أمنها المباشر واستقرارها الاقتصادي.

وفي تقديري فإن مستقبل الحرب يتجه نحو واحد من مسارين متداخلين:

إما تصعيد عسكري محدود يهدف إلى تعديل موازين التفاوض وإما استنزاف متبادل يستمر حتى تتبلور تسوية إقليمية أوسع تشمل العلاقة الأمريكية الإيرانية وأمن الممرات البحرية.

ولا يبدو أن الحسم العسكري الشامل يمثل السيناريو الأكثر ترجيحا في المدى القريب خصوصا مع صعوبة جغرافيا المرتفعات اليمنية وتطور قدرات الحوثيين، واستمرار الانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم.

وقد أشار تحليل نشرته رويترز في 7 أكتوبر إلى هذه العوامل بوصفها عوائق أمام تحويل المكاسب الميدانية السعودية إلى انتصار حاسم.

ومن ثم فأن السعودية تخوض اليوم صراعا على أمن حدودها ومنافذها الاقتصادية بينما يخوض الحوثيون صراعا على تثبيت موقعهم في معادلة القوة الإقليمية وتتعامل الولايات المتحدة مع اليمن باعتباره جزءا من التوازن الأوسع مع إيران.

أما الدولة اليمنية نفسها فلا تزال الحلقة الأضعف في حسابات الأطراف الثلاثة.

وهذا يقود إلى إن معيار انتصار السعودية لا ينبغي أن يكون محددا في إبعاد الحوثيين عن باب المندب أو تقليص قدرتهم العسكرية وإنما قيام سلطة يمنية قادرة على احتكار القرار السيادي ومنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد جيرانها.

كما أن معيار انتصار اليمنيين لا يتحقق بخروج السعودية من الحرب وإنما باستعادة الدولة لقدرتها على إدارة الجغرافيا والموارد والمؤسسات دون وصاية خارجية أو هيمنة جماعة مسلحة.

فالحرب التي بدأت تحت عنوان استعادة الشرعية أصبحت بعد أكثر من عقد صراعا على تحديد من يمتلك حق تشكيل النظام الأمني في جنوب الجزيرة العربية.

وإذا انتهت بتفاهمات أمنية بين القوى الإقليمية دون إعادة بناء الدولة اليمنية فإنها قد تنتهي عسكريا دون أن تنتهي سياسيا.

وهنا استشف أخطر ما تكشفه القراءة الاستشرافية للصحافة الأمريكية وهو أن الحرب قد توجد أمنا نسبيا للسعودية وترتيبات مقبولة لواشنطن ومكاسب تفاوضية للحوثيين بينما يبقى اليمن دولة معلقة بين النفوذ الخارجي والانقسام الداخلي.

ومن ثم ومن خلال ما ورد في الصحافة فإن الولايات المتحدة تمتلك من البيانات والمعلومات عن الجزيرة العربية واليمن أثر مما يمتلكه صناع القرار اليمني في الشرعية وهو ما يثبته التخبط العشوائي في القرارات دون دراسته دراسة جيوسياسية واستراتيجية ودون وعي بالمخاطر الاستشرافية للواقع الإقليمي والدولي.

إما الحوثيون فينطلقون من تثبيت نفوذهم ومصالحهم ولو أدى إلى تقسيم اليمن إلى شطرين أو ثلاثة في الوقت الحالي أو للحفاظ على جغرافيتهم على أقل ما يمكن اعتباره وظيفة سياسية اقليمية مستمرة ما دام الخلاف الإيراني والسعودي قائم على التنافس الايدلوجي والحضاري والثقافي وربما العرقي الذي هو جزء من تركيبة واخلاقية القبيلة العربية التي إلى حد الآن لم تستطع أن تتجاوز ثقافة الفصل العري إلى قيم الإسلام والمساواة التي أكدها أو القيم المدنية التي تعكس في جانب منها قيم الإسلام.

وقد طرحنا عدة رؤى على الأطراف لتجاوز هذه الأزمة منذ اقتراحنا على العقلية البحثية العسكرية في وزارة الدفاع اليمنية في عهد الرئيس الصالح أن نفتح قنوات دبلوماسية مع إيران بدلا من القنوات غير المباشرة التي كانت تتعمق فكريا و

بسبب غياب أو ضعف القيم الفكرية في صنعاء وانشغال الأحزاب في أفكار لا علاقة لها بقيم وثقافة وهوية الشعب اليمني وحينها اقترحت أن نشكل هوية ثقافية عبر منهجية المقاربة العدلية بين الفكر الزيدي والفكر الشافعي باعتبارهما من الأسس الرافدة للهوية الاجتماعية والفكرية بحيث تكون هوية يمنية خالصة ومن ثم تكون هذه الهوية مدخل للهويتين الاقليميتين في جزيرة العرب والقرن الأفريقي ثم المدخل الثالث للهوية العربية ومن ثم المدخل الرابع للهوية الإسلامية وهو ما سيجعلنا بعدها ندخل في الهوية الانسانية باعتبار اليمن من أهم مصادر وروافد الثقافة العالمية الإنسانية منذ فجر التاريخ وأحد مناجمها الفلسفية والإخلاقية والسلوكية .

واخيرا فإننا لا نحمل إيران ولا دول الخليج ولا السعودية ما يحدث في اليمن إنما تتحمل القوى اليمنية المحلية التي تتصارع على السلطة ومصالحها في الدولة بدلا من استعادة الدولة وخدمة الشعب وحفظ حقوقه ومصالحه .

إن النصر بالمصالحة أو في الحرب إنما يحتاج قبل السلاح الصدق مع الله والشعب والذات وهذا ما لم نلمسه في أي من الأطراف ومن خلال الاستقراء للواقع اليمني على مستوى كل محافظة ومكون لم نجد ما يعكس هوية اليمن الحقيقية التي تماهت في صراعات مصلحية ولعل الصراع المزمن قد يبعث في اليمن مكونا وليدا يجدد الهوية اليمنية المؤثرة لا المتأثرة المستقلة لا التابعة .

وصدق الله (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) فالفاسد قد يريد إصلاحا ويكون صادقا في محاولات إصلاحه ولكنه بما قدم يصبح سفيها احمقا ما حاول إصلاحا الا وزاد في افساده.

فمن يعرف نفسه بالفساد فإن أجمل ما يطلب منه أن يعتزل العمل وينعم بإصلاح غيره بدلا من استمرار فساده والله غالب على أمره.