آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

اليمن : من استنزاف الدولة إلى صعود الطائفية والجهوية

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 05:16 م
د. جمال الهاشمي


تعد الجغرافيا في كثير من الأحيان العامل الذي يحدد مصائر الدول وحدود نفوذها وطبيعة صراعاتها.

واليمن بحكم موقعه عند ملتقى الجزيرة العربية والقرن الأفريقي والبحر الأحمر يقع عند إحدى أهم نقاط الاتصال بين طرق التجارة والممرات البحرية ومراكز النفوذ في المنطقة. ولهذا، فإن الصراع السعودي الحوثي لا يمكن فهمه الا انه صراع تتداخل فيه أزمة الدولة اليمنية مع التنافس الإقليمي وتتشابك فيه اعتبارات الأمن والجغرافيا والهوية والمصالح الدولية.

والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تبدأ بالانهيار بالضرورة عندما تخسر حربا وانما ق عندما تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية وعندما يتوقف المواطن عن النظر إليها كمرجعية تحميه وتضمن حقوقه.

وعندما تتراجع قدرة الحكومة على توفير الأمن والرواتب والتعليم والرعاية الصحية ينشأ فراغ في الولاء أيضا وفي هذا الفراغ تتقدم القوى التي تستطيع تقديم ما تعجز الدولة عن تقديمه من الحماية والموارد والانتماء وأحيانا معان تبرر المعاناة ويمنحها غاية وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في اليمن.

فالحرب لم تستنزف الاقتصاد والبنية التحتية وحدهما وانما استنزفت الثقة بين المجتمع والسلطة وبين القوى السياسية بعضها وبعض.

وما كان من الممكن تسويته في مرحلة مبكرة بتنازلات محدودة قد أصبح بفعل تراكم الصراع يحتاج إلى تنازلات أكبر وكلفة سياسية واجتماعية أعلى.

فالثقة السياسية شأنها شأن رأس المال الاقتصادي يمكن أن تتآكل بسرعة و لكن استعادتها تحتاج إلى زمن طويل وأدلة عملية على تغير السلوك.

وهذا هو جوهر المأزق الذي تواجهه السلطة الشرعية في اليمن كما تواجهه القوى الإقليمية المعنية بالملف اليمني كما ان تأخر القرار السياسي ليس حكمة بقدر ما يكون اكثر كلفة وهنا نجد ان السلطة الشرعية في مرحلة الدفاع وكثيرا ما كانت كذلك منذ بداية الازمة اليمنية واخراج الرئيس الصالح الذي ساهمت القوى اليمنية في التخلص منه بيد حلفاءه.

وعندما لا تتحرك الأطراف لمعالجة أسباب الصراع إلا بعد أن ترتفع كلفة الحرب تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا وتكون فيه الأطراف المسلحة قد رسخت نفوذها وتكون المصالح المرتبطة باستمرار النزاع قد اتسعت ويكون المجتمع قد دفع ثمنا يجعل العودة إلى نقطة البداية مستحيلة.

فالتسوية التي كان يمكن أن تكون خيارا سياسيا تصبح بعد سنوات من القتال عملية شاقة لإعادة بناء الثقة والسلطة والشرعية معا.

إن إضعاف الدولة لا يؤدي تلقائيا إلى قيام نظام سياسي أكثر عدلا وانما قد يفسح المجال أمام سلطات بديلة لا تستمد قوتها من القانون أو من التفويض الشعبي وإنما من السلاح وشبكات الولاء والقدرة على توزيع الموارد.

وعندما تصبح هذه السلطات قادرة على توفير الحماية لفئة من السكان فإنها تستطيع أن تقدم نفسها بدلا عن الدولة ثم تسعى إلى تحويل هذا الدور المؤقت إلى شرعية سياسية دائمة وهذا ما يحدث في اليمن ابتداء من اقطاعية صعدة الى اقطاعية اقليم ازال الي اقطاعيات مثلث الازمات من الضالع الي لحج بينما تعيش بقية المناطق الاخرى مذبذبة بين مختلف الاقطاعيات العسكرية ومصدرا من مصادر رفدها لاسباب تتعلق بالعقيدة والتنظيم والمصالح الشخصية ومن هنا ينبغي فهم العلاقة بين الحرب وصعود التطرف العقائدي.

فالفقر وحده لا يصنع التطرف والانتماء الديني لا يقود بالضرورة إلى العنف ولكن اجتماع المظالم وانسداد الأفق السياسي وضعف المؤسسات وانتشار السلاح يهيئ ظروفا تستطيع الجماعات العقائدية استغلالها.

وهي لا تكتفي عندئذ بتقديم تفسير ديني أو مذهبي للأحداث وانما تمنح الصراع قيمة وجودية وتصور التراجع بوصفه هزيمة عقائدية وترى التسوية تنازلا عن المبادئ والخصم السياسي عدوا لا يمكن التعايش معه.

وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة يصبح إنهاء الحرب أصعب من الاتفاق على وقف إطلاق النار؛ لأن الصراع تحول من خلاف على السلطة إلى جزء من هوية الجماعة وتصورها لذاتها.

فالحركة التي نشأت في المعارضة قد تجد صعوبة في التخلي عن أدواتها بعد أن تتحول إلى سلطة والقيادة التي بنت شرعيتها على المقاومة قد ترى في السلام تحديا لمبررات استمرار نفوذها.

وهكذا قد يصبح استمرار الصراع ضرورة سياسية لبعض الفاعلين حتى عندما تكون كلفته على المجتمع أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه ولا تنحصر هذه المعضلة في الحوثيين وحدهم كما لا يصح اختزال اليمن في انقسام مذهبي بين جماعتين متجانستين والمجتمع اليمني أوسع من القوى المسلحة التي تتحدث باسمه وتوجد داخله مصالح وتيارات وانتماءات متعددة.

لكن الخطر يظهر عندما تخرج الهوية المذهبية عن مكونات المجتمع وتتحول إلى نفوذ لتوزيع السلطة والموارد وحينها يصبح الوصول إلى الحقوق مرتبطا بالانتماء إلى جماعة بعينها وهذا ما نعاني منه خارج هذه المكونات ونعجز بسبب تضيق القرارات من ان نشكل تنظيما منافسا ومتوازنا يعبر عن ارادة الشعب اليمني الكبير خارج هذه المكونات الضيقة.

وعندئذ تتراجع فكرة المواطن الذي تحميه الدولة لتحل محلها فكرة الفرد الذي يحتاج إلى حماية جماعته ويصبح الولاء الطائفي بديلا عن الثقة بالمؤسسات الوطنية.

أما المملكة العربية السعودية، فإن أمنها لا ينفصل عن استقرار اليمن و لكنها تواجه معضلة استراتيجية لا يمكن حلها بالقوة العسكرية وحدها.

فإضعاف الخصم في جولة عسكرية لا يعني بالضرورة إزالة الأسباب التي أنتجت الصراع كما أن تأمين الحدود بصورة مستدامة يتطلب وجود دولة يمنية قادرة على ضبط أراضيها ومعالجة مظالم سكانها ومنع استخدام أراضيها منصة لتهديد جيرانها.

وفي المقابل لا تستطيع الحركة الحوثية أن تجعل السيطرة على الأرض مرادفا للاستقرار إذا ظلت البلاد تعاني من الانقسام والفقر وتراجع الخدمات وغياب التوافق السياسي.

إن الأمن، في معناه الاستراتيجي الأوسع ليس في تغييب الهجمات وانما في العمل على ترتيبات سياسية واجتماعية تجعل العودة إلى الحرب أقل جاذبية من الاستمرار في السلام.

وإذا لم تعالج التسوية مستقبل السلاح والسلطة ومشاركة القوى اليمنية فإن الهدنة قد تتحول إلى قيمة استراتيجية تعيد من خلالها الأطراف تنظيم قدراتها بدلا من أن تكون بداية لنهاية الصراع.

ومن هنا فإن التسوية المستدامة لا تقتضي تجاهل المخاوف الأمنية السعودية ولا منح أي طرف حقا مفتوحا في احتكار السلطة اليمنية وانما تستلزم بناء صيغة سياسية تحفظ أمن الجوار وتعيد لليمنيين حقهم في تقرير مستقبل بلدهم ضمن مؤسسات وطنية جامعة لكن الأثر الإقليمي لهذه الحرب لا يتوقف عند حدود اليمن والسعودية.

فالجغرافيا التي تمنح اليمن أهميته الاستراتيجية تجعله أيضا جزءا من معادلة البحر الأحمر وهو ممر تتقاطع عنده مصالح دول عربية وأفريقية ودولية وحينما تتحول هذه المنطقة إلى مسرح للمواجهات العسكرية والتهديدات البحرية تتجاوز النتائج حدود الأطراف المتحاربة فتتأثر التجارة والتأمين البحري وحسابات الانتشار العسكري وتجد قوى خارج المنطقة مبررات إضافية لتعزيز حضورها ونفوذها وفي الشرق الأوسط لا تحدث الصراعات بمعزل عن بعضها.

فالدول التي تستنزفها نزاعاتها الداخلية أو الإقليمية تجد صعوبة أكبر في تنسيق سياساتها الخارجية وتوحيد مواقفها الدبلوماسية وتوجيه مواردها نحو التنمية والدفاع عن مصالحها المشتركة.

ومن هنا يمكن أن يؤدي استمرار الصراع السعودي الحوثي إلى إضعاف البيئة الإقليمية التي تحتاج إليها القضية الفلسطينية لا لأن هذه الحرب تفسر السياسات الإسرائيلية ولا لأن هناك ضرورة لافتراض تنسيق بين أطراف الصراع وإسرائيل وانما لأن الانقسام العربي وتشتت الأولويات يحدان من القدرة على بناء موقف مشترك وممارسة ضغط سياسي مستمر.

غير أن الخطر العميق قد لا يكون في التحولات العسكرية وحدها، بل في تغير طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فالتاريخ السياسي للمنطقة يبين أن ضعف المؤسسات لا يؤدي في الغالب إلى اختفاء السلطة وانما قد يؤدي إلى تغير شكلها ومصادر شرعيتها.

وعندما تعجز الدولة عن توفير الأمن والخدمات والعدالة قد تبحث عن شرعية بديلة في الدين أو الطائفة أو القبيلة أو القومية وقد تتبنى بعض الجماعات هذا المسار لمواجهة السلطة بينما تستخدمه بعض الأنظمة لتثبيت حكمها وتعبئة أنصارها وتقسيم خصومها.

وهنا تبرز احتمالية أن تصبح الطائفية بديلًا عن الدولة أو أداة تستخدمها الدولة نفسها لتعويض تراجع شرعيتها.

ففي الحالة الأولى تنمو الجماعات المسلحة باعتبارها حامية لجماعة مذهبية أو عقائدية وتكتسب نفوذا على حساب المؤسسات الوطنية وفي الحالة الثانية تستثمر السلطة المخاوف الطائفية لتقديم نفسها باعتبارها الضامن الوحيد للأمن وتؤجل الإصلاح بحجة وجود تهديد داخلي أو خارجي.

وقد يتعايش المساران في الوقت نفسه بحيث تحتاج السلطة والجماعات المسلحة إلى استمرار الشعور بالخطر حتى إن تنافستا على تمثيل المجتمع أو السيطرة عليه.

وإذا استمر هذا المسار فإن الطائفية قد لا تبقى في انقسام اجتماعي وانما قد تتحول إلى نظام لتوزيع السلطة والموارد وتحديد الولاءات.

عندئذ تصبح الوظيفة العامة مكافأة سياسية والحماية امتيازا جماعيا والمواطنة حقا متفاوتا بحسب الانتماء.

وتتحول الدولة من مؤسسة تجمع المختلفين تحت قانون مشترك إلى ساحة تتنافس فيها الجماعات على اقتسام النفوذ. أما الانتخابات والتسويات فقد تصبح وسائل لتثبيت التوازنات بين القوى المسلحة بدلا من أن تكون أدوات لبناء حكم يستند إلى المواطنين.

ولا ينبغي فهم هذا الاحتمال على أنه مصير حتمي للمنطقة فالأزمات لا تاتي بنتائج متطابقة والمجتمعات ليست انعكاس لقرارات قادتها.

ولكنه وكلما طال أمد الحروب وضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت الثقة بالقانون ازدادت فرص القوى التي تستثمر الخوف والانقسام ولذلك فإن مواجهة التطرف العقائدي لا تتحقق أمنيا فقط وانما تتطلب أيضا إعادة بناء الثقة وفتح المجال أمام المشاركة السياسية وتوفير فرص العمل والتعليم وضمان المساواة أمام القانون.

فالمواطن الذي يجد في الدولة حماية عادلة أقل اضطرارا إلى البحث عن حماية بديلة في جماعة مسلحة.

وإذا فشلت الأنظمة والقوى الإقليمية في معالجة هذه الصراعات في الوقت المناسب فقد تواجه المنطقة تحولا لا يظهر بالضرورة في سقوط الأنظمة وانما في تغير طبيعة سلطتها.

فقد تبقى المؤسسات الرسمية قائمة بينما تنتقل أجزاء متزايدة من القرار الفعلي إلى شبكات أمنية أو مذهبية أو قبلية أو عسكرية وقد تحتفظ الدولة بأعلامها وحدودها ومقاعدها الدولية و لكنها تفقد احتكارها الفعلي للسلاح والقرار والموارد وفي هذه الحالة لا تختفي الدولة دفعة واحدة وانما تصبح غلافا رسميا لنظام نفوذ تتقاسمه قوى متعددة وهذا اخطر من زوال الدولة تماما لأن زوال الدولة يعني خل دولة جديدة او دويلات صغيرة ستسعى لارضاء شعبها لضمان نفوذها وهو مدخل جديد يمكن البناء عليه اذا عجزت القوى عن استعادة الدولة او خلق دولة جديدة او تشكيلها في بعض جغرافيتها،.

إن هذا الاحتمال هو ما يجعل الصراع السعودي الحوثي قضية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة فاستمرار الحرب قد يرسخ سلطة الجماعات المسلحة ويضعف فرص المصالحة الوطنية ويزيد من قابلية المجتمع للاستقطاب العقائدي ويعمق الانقسام الإقليمي الذي يصعب معه بناء موقف مشترك تجاه فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها من ساحات التوتر.

ان الحوثي استطاع ان يفرض نفوذه بسبب الانقسام بين مجتمع تتقسم في ثلاث اتجاهات والقسم الاكبر منه اعتزال كل الاتجاهات بما فيهم شخصيات ظلت تنتقد كل الاتجاهات وهذا هو العقل الاكثر وعيا والاكثر عجزا مما يجعل المقاربة بين الوعي والواقع يحتاج الي تجاوز عقبة العجز وهذا ما لا تريد ان تسمعه الاطراف اليمنية المصارعة والتي حولت اليمن الي مجال لاستنزاف الدولة والشعب والتضحية بهما لتحقيق مصالحها.

ان قوة الدول لا تقاس بما تملكه من سلاح وانما بقدرتها على منع تحول النزاعات إلى هويات دائمة وعلى تحويل الخصومات السياسية إلى تسويات قابلة للاستثمار.

فالسلاح قد يفرض واقعا مؤلما ولكنه لا يصنع وحده شرعية مستقرة والانتصار العسكري قد يغير ميزان القوة و لكنه لا يضمن بناء مجتمع قادر على التعايش. كما أن الشعارات العقائدية مهما بلغت قدرتها على التعبئة لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات التي توفر الحقوق والخدمات وتخضع للمساءلة.

وفي نهاية المطاف ليست المسألة ما إذا كانت جماعة ستنتصر على أخرى أو ما إذا كانت دولة ستكسب جولة من جولات الصراع و ما إذا كانت شعوب المنطقة ستظل تملك دولا قادرة على حمايتها أم ستجد نفسها مضطرة إلى البحث عن الأمن داخل الطوائف والجماعات المسلحة وشبكات النفوذ.

فإذا أصبحت الهوية بديلا عن المواطنة والسلاح بديلا عن القانون والخوف بديلا عن الثقة فإن الحرب تكون قد تجاوزت ميادين القتال لتعيد تشكيل المجتمع والدولة معا.

وهذا هو الخطر الذي ينبغي إدراكه قبل فوات الأوان وهو أن تستنزف الحروب الدول حتى تفقد قدرتها على جمع مواطنيها ثم تتقدم القوى العقائدية لملء الفراغ بينما تستغل الأطراف الخارجية انقسام المنطقة لتوسيع هامش نفوذها.

أما الطريق المقابل فلا يبدأ بانتصار عسكري جديد وانما بقرار سياسي شجاع يعترف بأن كلفة تأجيل الحل قد أصبح أكبر من كلفة التنازلات اللازمة لتحقيقه وأن الدولة التي تحمي جميع مواطنيها تظل أكثر قدرة على مواجهة التدخلات الخارجية والتطرف الداخلي من دولة تستمد بقاءها من استمرار الخوف والانقسام.

وهنا نقدم بعض السيناريوهات المهمة لخارطة الطريق :

السيناريو الأول: التسوية الاستراتيجية وإعادة بناء الدولة

حيث يقوم هذا السيناريو على إدراك الأطراف اليمنية والإقليمية بأن استمرار الصراع بات أكثر كلفة من التسوية وأن الحسم العسكري لا يكفي لإنشاء نظام سياسي مستقر.

وفي هذا المسار تتوصل السعودية والحوثيون والقوى اليمنية الأخرى إلى تفاهمات أمنية وسياسية متدرجة تتضمن ضمانات لأمن الحدود ووقف الهجمات ومعالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية ثم الانتقال إلى تسوية وطنية أوسع بشأن السلطة والسلاح ومستقبل مؤسسات الدولة.

ولكن نجاح التسوية لا يتوقف على اتفاق سعودي حوثي وحده؛ فالتفاهم الثنائي الذي يستبعد القوى اليمنية الأخرى قد يوقف جانبا من المواجهة و لكنه قد يترك أسباب الانقسام الداخلي قائمة. ولذلك يتطلب هذا السيناريو مشاركة يمنية أوسع وضمانات تحول دون احتكار أي جماعة للسلطة أو استخدام مؤسسات الدولة لتثبيت نفوذها الخاص.

فإذا تحقق ذلك فقد تبدأ عملية استعادة الثقة، وتعود المؤسسات العامة لتكون المرجعية الأساسية للمواطنين بدلا من الجماعات المسلحة والشبكات المحلية المتنافسة.

وعلى المستوى الإقليمي قد يساهم انخفاض التوتر في البحر الأحمر في تقليل المخاطر على الملاحة والتجارة ويفتح المجال أمام تنسيق عربي أوسع بشأن فلسطين وسوريا ولبنان.

وهذا لن يكون الا من خلال وجود إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الحرب وقبول الأطراف بتنازلات متبادلة مع ضمانات قابلة للتحقق وعدم اختزال مستقبل اليمن في تفاهم بين القوى المسلحة وحدها وإطلاق مسار جاد لإعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة و وجود آليات تمنع العودة إلى استخدام القوة لفرض التسويات السياسية.

والخطر الذي ينبغي التنبيه عليه إليه هو أن تتحول التسوية إلى اقتسام للنفوذ بين القوى القائمة من دون إعادة بناء الدولة أو معالجة أسباب التطرف والانقسام.



السيناريو الثاني: الهدنة الطويلة واستمرار الدولة الضعيفة

وهنا قد تنجح السعودية والحوثيون في تجنب مواجهة شاملة من دون التوصل إلى اتفاق يعالج مستقبل السلطة والسلاح ومؤسسات الدولة اليمنية.

وفي هذه الحالة تتراجع العمليات العسكرية في بعض الجبهات لكن البلاد تستمر في حالة من الانقسام الفعلي مع اختلاف مراكز السلطة والموارد والقرار الأمني من منطقة إلى أخرى وقد تحتفظ الحكومة المعترف بها دوليا بمؤسساتها وتمثيلها الخارجي بينما تستمر قوى محلية ومسلحة في إدارة مناطق نفوذها بصورة مستقلة أو شبه مستقلة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية حيث قد يتوقف القتال ولكن لا تتوقف عملية تآكل الدولة فالمواطن الذي لا يحصل على راتبه أو خدمته أو حقه القانوني لن يستعيد ثقته بالمؤسسات. كما أن الجماعات التي بنت نفوذها على الحرب قد لا ترى مصلحة في التخلي عن مواردها وسلطاتها ما دامت التسوية لا تقدم بديلا سياسيا يضمن مصالح المجتمع من دون الاحتفاظ باحتكار القوة.

ومع مرور الوقت قد تتحول الهدنة إلى توازن طويل الأمد بين سلطات متنافسة و لكل منها مواردها وشبكات الولاء الخاصة بها وفي هذه البيئة يمكن أن تستمر الجماعات العقائدية في تعزيز حضورها الاجتماعي والتنظيمي حتى من دون حرب شاملة إذا بقيت المؤسسات الوطنية عاجزة عن توفير الخدمات والعدالة والفرص الاقتصادية.

أما إقليميا فقد يستمر التوتر في البحر الأحمر بصورة متقطعة بينما تبقى قدرة الدول العربية على بناء موقف مشترك تجاه فلسطين وسوريا ولبنان مقيدة بتضارب أولوياتها ومصالحها وفي هذا السيناريو سيكون هناك انخفاض نسبي في المواجهات من دون اتفاق سياسي شامل و استمرار تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري و بقاء المؤسسات الاقتصادية والخدمية مجزأة و غياب تقدم ملموس في ملف السلاح والسلطة و استمرار اعتماد المواطنين على شبكات محلية لتأمين الخدمات والحماية.

والخطر الاستراتيجي في أن يعتاد المجتمع على غياب الدولة فتتحول الاستثناءات التي فرضتها الحرب إلى نظام دائم يصعب تغييره.


السيناريو الرابع: تصعيد إقليمي يوسّع دائرة الاستنزاف.

في هذا المسار تتعثر التفاهمات السعودية الحوثية أو تتراجع بسبب تطورات أمنية أو سياسية فتعود المواجهات بصورة أوسع أو تستمر في شكل هجمات متقطعة على الحدود والممرات البحرية والبنية التحتية.

وقد يؤدي ذلك إلى إعادة ربط اليمن بمسارات التوتر في البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط مع اختلاف طبيعة التأثير في كل ساحة وفي اليمن ترتفع كلفة الحرب وتتراجع فرص التعافي الاقتصادي وفي السعودية تتزايد الأعباء الأمنية والاقتصادية المرتبطة بحماية الحدود والمصالح الحيوية.

وفي فلسطين قد يؤدي انشغال دول المنطقة بمواجهات إضافية إلى إضعاف التنسيق الدبلوماسي والسياسي بشأن الحقوق الفلسطينية وإن كان أثر ذلك سيظل مرتبطا أيضا بالتطورات الميدانية والقرارات الدولية المستقلة وفي سوريا ولبنان قد يؤدي اتساع الاستقطاب الإقليمي إلى زيادة الضغوط على الدول والمؤسسات الهشة ورفع مخاطر التصعيد بين الأطراف المتنافسة.أما مصر، فقد تواجه أعباء إضافية على أمن البحر الأحمر والملاحة إلى جانب التحديات المرتبطة بغزة والحدود والأوضاع الإقليمية.

وفي هذا السياق قد تستفيد إسرائيل استراتيجيا من تشتت الجهود العربية وانشغال بعض الدول بأزماتها خصوصا إذا أدى ذلك إلى تقليص الضغط الدبلوماسي عليها كما أن القوى الإقليمية والمحلية التي تستمد نفوذها من استمرار الصراعات قد تستفيد بدورها من إطالة أمدها.

ومن مؤشرات ذلك انهيار التفاهمات الأمنية أو تعطل المسار السياسي و توسع الهجمات عبر الحدود أو على الملاحة وتزايد التدخلات الخارجية في الملف اليمني ور ربط أطراف يمنية قراراتها العسكرية بحسابات إقليمية أوسع و تراجع فرص التعاون الإقليمي في القضايا الاقتصادية والإنسانية والسياسية.

والخطر الاستراتيجي هو أن تصبح إدارة الصراع هدفا قائما بذاته وأن تتراجع فرص الحلول الوطنية لمصلحة حسابات إقليمية لا يستطيع اليمنيون التحكم بها.

السيناريو الخامس: تراجع الأنظمة أو تغير طبيعة سلطتها وصعود القوى العقائدية،

لا يشترط في هذا أن يؤدي استمرار الأزمات إلى سقوط الأنظمة السياسية حتى تتغير طبيعة السلطة في المنطقة، فقد تبقى الحكومات والمؤسسات والحدود قائمة بينما تنتقل أجزاء متزايدة من القرار الفعلي إلى شبكات أمنية أو عسكرية أو طائفية أو قبلية.

وفي بعض الحالات قد تحاول الأنظمة احتواء القوى العقائدية من خلال إدماجها في ترتيبات السلطة أو منحها نفوذا محدودا على أمل تجنب المواجهة المباشرة.

وقد يكون هذا الإدماج جزءا من تسوية ناجحة إذا خضع للقانون والمؤسسات ولكنه قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة إذا تحول إلى اعتراف دائم بسلطات موازية للدولة وهنا يظهر الفرق بين احتواء الجماعات السياسية واحتواء السلاح خارج مؤسسات الدولة.

فإذا جرى إدماج القوى المختلفة في نظام سياسي يخضع لقواعد مشتركة فقد يساعد ذلك على تقليل العنف. أما إذا أصبح لكل جماعة حق فعلي في الاحتفاظ بقوتها المسلحة وفرض شروطها على مؤسسات الدولة فإن السلطة الوطنية قد تتحول إلى إطار شكلي تتقاسمه مراكز النفوذ.

وقد تستخدم بعض الأنظمة الخطاب الطائفي لتعويض تراجع الثقة الشعبية فتقدم نفسها باعتبارها الحامي الوحيد لجماعة معينة وفي المقابل تستخدم جماعات مسلحة الخطاب نفسه لتبرير استقلالها عن مؤسسات الدولة وعلى الرغم من تنافس الطرفين فإن كليهما قد يسهم في إضعاف المواطنة المشتركة عندما تصبح المخاوف الهوياتية أساسا لتوزيع الحقوق والسلطة.

لكن هذا السيناريو لا يعني أن كل نظام سياسي سيسقط أو أن الطائفية ستصبح البديل الوحيد فالنتيجة تعتمد على قوة المؤسسات وقدرة المجتمع على التنظيم السياسي السلمي واستعداد القوى المختلفة لقبول قواعد مشتركة.

وإذا اتسع الفراغ السياسي فقد تظهر حركات جديدة تحاول استعادة الدولة على أسس وطنية كما قد تتقدم قوى محلية تستمد شرعيتها من قدرتها على توفير الأمن والخدمات في مناطقها وقد يكون بعض هذه التحولات مدخلا لإصلاح الدولة بينما يقود بعضها الآخر إلى مزيد من التجزئة.

ومن مؤشراته تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية و انتقال صلاحيات الدولة إلى شبكات نفوذ غير خاضعة للمساءلة واستخدام الهويات المذهبية أو المناطقية لتثبيت الولاء السياسي و تعثر الإصلاحات الاقتصادية والإدارية و عجز النظام السياسي عن إنتاج قوى وطنية قادرة على المنافسة السلمية.

الخطر الاستراتيجي هو أن تبقى الدولة موجودة في الشكل و لكنها تفقد قدرتها على توحيد المجتمع واحتكار القرار العام.