آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

أزمة الإعلام اليمني بين النقل والاستشراف

الخميس - 08 أكتوبر 2026 - الساعة 12:39 م
د. جمال الهاشمي


إن أزمة الإعلام اليمني ليس في نقص الأخبار ولا في غياب المنصات القادرة على الوصول إلى الحدث وإنما في الفجوة المتزايدة بين سرعة نقل الواقع والقدرة على فهم اتجاهاته.

فقد أنتجت سنوات الصراع تدفقًا هائلا من المعلومات والتصريحات والتقارير ولكن هذا التراكم لم يتحول بالقدر الكافي إلى معرفة استراتيجية قادرة على تفسير ما يجري وربط أحداثه بمساراته المحتملة.

وهنا تكمن المفارقة في أن يكون الإعلام اليمني أكثر التصاق بالحدث ولكنه لا يمتلك القدرة على تفسيره.

وشتات بين الخبر الذي ينقل عبر وسائط مختلفة قد تتبنى وجها وتترك وجوها أخرى وتتنوع بين ناقل متكهن وناقل مخبر وناقل مشاهد وناقل عن ناقل .

فالخبر يجيب عن سؤال ما الذي حدث ؟

بينما تحتاج الأزمات الممتدة إلى سؤال معرفي أوسع يتعلق بموقع الحدث داخل بنية الصراع وما الذي تغير بعده في موازين القوة وما الذي يمكن أن ينتج عنه لاحقا وما الدلالات القهرية والدلالات الاختيارية التي ترسم مسارات الحدث ؟ وكلما اتسعت المعرفة المنهجية توسعت تساؤلاتها؛ فالمعرفة تتوالد توالدا استباقيا بينما الاخبار تموت بأخبار أخرى وتموت الرواية بروايات أخرى وهو ما يجعل المجتمع السياسي اليمني مضطربا ومتقلبا بين الروايات مما يجعله مستمعا أكثر منه مشاركا ومتمنيا أكثر منه مؤثرا.

هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها باعتبارها قصورا مهنيا فرديا لدى الصحفيين؛ فالصحفي اليمني يعمل داخل بيئة استثنائية تتداخل فيها الحرب مع السياسة وتتراجع فيها استقلالية المؤسسات وتتعدد مراكز النفوذ وتتعرض المهنة لضغوط أمنية واقتصادية وسياسية.

ولذلك فإن تقييم أداء الإعلام بمعايير مهنية مجردة من دون النظر إلى البيئة التي ينتج فيها يقودنا إلى قراءة ناقصة.

لقد فرضت الحرب على الإعلام اليمني منطقا يمكن تسميته باقتصاد الحدث؛ إذ يصبح التطور العسكري أو التصريح السياسي أو التحرك الدبلوماسي مادة عاجلة تتطلب الاستجابة السريعة. ومع استمرار هذا النمط لسنوات تتحول السرعة من أداة مهنية إلى فلسفة عمل ويصبح السبق في نقل الواقعة أهم من بناء سياقها.

وهكذا تتراكم الأخبار بينما تتراجع القدرة على تركيبها.

فالسيطرة على منطقة لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها تقدما عسكريا والتقارب بين طرفين لا يختزل في صورة اجتماع والتصريح السياسي لا يمثل بالضرورة موقفًا نهائيا. كل هذه الوقائع قد تكون مؤشرات على تحول في بنية القوة أو التحالفات أو المصالح ولكن قراءة المؤشرات تحتاج إلى تراكم معرفي وذاكرة مؤسسية وأدوات تحليل لا يوفرها نموذج التغطية الخبرية العاجلة وحده.

ومن هنا تظهر المشكلة الأساسية في كون الإعلام اليمني يعيش زمن الحدث بينما تحتاج اليمن إلى إعلام استراتيجي يعيش التحولات.

لأن الحدث قصير، أما التحول فيربط الحدث بالتحول ربطا متصاعدا يوسع من وعي القارئ وفهمه ويترك له خيارات العقلية في اختيار زمن وجوده وجهتها.

وقد يكون الخبر صغيرا في حجمه ولكنه كبير في دلالته الاستراتيجية.

ولذلك فإن وظيفة الإعلام لا ينبغي أن تنتهي عند وصف الواقعة ولا أقاويل عجائز قريتنا ولا مخابر دواووينها وإنما تبدأ بعدها عملية البحث عن معناها داخل سياق أوسع.

وتزداد صعوبة هذه المهمة بسبب الاستقطاب السياسي. فالإعلام اليمني لم يعمل خلال السنوات الماضية في فضاء محايد وإنما داخل خريطة من الانقسامات السياسية والعسكرية والإقليمية. ونتيجة لذلك أصبحت بعض المؤسسات امتداد للروايات السياسية التي تنتمي إليها بينما أصبح الجمهور نفسه منقسما بين بيئات إعلامية مختلفة ولكل منها مصادرها ومفرداتها وتفسيرها للحدث.

وهنا تنتقل المعركة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على تعريف الواقع.

فالطرف السياسي لا يستخدم الإعلام فقط لإبلاغ الجمهور بما حدث وإنما لإنتاج تفسير محدد لما حدث وقد يكون التصريح السياسي نفسه جزءا من عملية تفاوضية أو ضغط أو اختبار لردود الفعل.

لذلك فإن نقله كما هو دون تحليل وظيفته السياسية قد يحول الصحافة من أداة للتحقق إلى قناة لإعادة إنتاج خطاب الأطراف.

ولا يعني ذلك أن الإعلام مطالب بالتخلي عن عن الانحياز أو أن يتحول إلى مؤسسة بلا موقف وإنما أن يميز بصرامة بين المعلومة والتفسير وبين رواية المصدر والحقيقة القابلة للتحقق وبين التحليل والتعبئة السياسية.

غير أن الأزمة الأعمق تتجاوز الاستقطاب إلى ضعف البنية البحثية داخل المؤسسات الإعلامية.

فالإعلام الذي لا يمتلك أرشيفا تحليليا وقواعد بيانات وخرائط ومؤشرات اقتصادية واجتماعية وعسكرية سيظل مضطرا إلى إعادة قراءة اليمن من خلال الأخبار اليومية.

وحينها يصبح كل حدث جديد وكأنه بداية القصة بينما تضيع العلاقات بين الأحداث.

وهذا ما يجعل الاستشراف ضرورة منهجية وفكرية وتعليمية ومؤسسية حيث أن الإعلام هو وحده من يعكس في الدولة ثقافة المأسسة ومهنة الثقافة أو ثقافة المرتزقة.

وهنا نجد أن المرتزق المتعصب يضر أكثر مما ينفع ويفسد أكثر مما يصلح لأنه تخلى عن عقله الاستشرافي .

والاستشراف هنا لا يعني ادعاء معرفة المستقبل ولا إطلاق التوقعات التي تتناسب مع نفسيته وأمنيانه وإنما يعني القدرة على تحديد الاتجاهات والمتغيرات وبناء السيناريوهات المحتملة انطلاقا من الوقائع.

والإعلام الاستشرافي لا يقول للجمهور ما سيحدث حتما بل يساعده على فهم ما الذي يمكن أن يحدث إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

هذه النقلة تحتاج إلى تغيير في بنية المؤسسة الإعلامية نفسها.

فالمؤسسة التي تعتمد فقط على غرفة أخبار تستجيب لما يحدث وستظل مرتبطة بإيقاع الأحداث. أما المؤسسة التي تجمع بين الصحافة والتحقيق والبحث والبيانات والتحليل والفكر والسياسة والتاريخ والثقافة فإنها تستطيع أن تنتج معرفة تتجاوز دورة الخبر.

وفي الحالة اليمنية تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن اليمن لا يمكن فهمه من الداخل وحده.

وإنما يضاف اليه موقعه الجغرافي الذي يربطه بالبحر الأحمر وباب المندب والخليج والقرن الأفريقي كما أن الصراع اليمني يتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية.

ولذلك فإن الحدث الداخلي قد تكون له دلالة إقليمية والتحول الإقليمي قد ينعكس على بنية الصراع الداخلي.

إن قراءة اليمن من زاوية واحدة تنتج بالضرورة صورة ناقصة.

ولهذا فإن الصحفي الذي يريد أن يفسر اليمن اليوم يحتاج إلى أدوات تتجاوز السياسة اليومية؛ الجغرافيا السياسية والاقتصاد و الأمن والعلاقات الدولية والتاريخ الاجتماعي و ديناميات السلطة والتحولات الإقليمية.

وليس المطلوب أن يتحول الصحفي إلى أكاديمي وإنما أن تصبح المؤسسة الإعلامية قادرة على الاستعانة بالمعرفة المتخصصة وتحويلها إلى مادة مفهومة للجمهور.

المشكلة إذن ليس في أن الإعلام اليمني ينقل الأحداث فهذا جزء من وظيفته وإنما أن يصبح النقل سقفا للعمل الإعلامي بدلا من أن يكون نقطة لانطلاقه.

وإذا كان الإعلام اليمني قد اضطر خلال سنوات الحرب إلى ممارسة وظيفة البقاء فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استعادة الوظيفة المعرفية للإعلام. فالمجتمع الذي يتلقى آلاف الأخبار دون أن يمتلك أدوات لفهم اتجاهاتها يظل معرضا لأن يكون متلقيا للروايات أكثر من كونه قادرا على بناء رؤيته الخاصة.

ومن هنا فإن تطوير الإعلام اليمني لا يبدأ فقط بتدريب الصحفي على صياغة الخبر، وإنما ببناء مؤسسة قادرة على إنتاج المعرفة.

مؤسسة تمتلك الذاكرة وتتحقق من المعلومات وتقرأ البيانات وتفهم الجغرافيا وتفصل بين المصدر والرواية وتستطيع أن تحول الأحداث المتفرقة إلى اتجاهات قابلة للفهم.

عندها فقط يمكن الانتقال من إعلام يتابع الأزمة إلى إعلام يفسرها ومن إعلام يصف موازين القوة إلى إعلام يستطيع تحليل كيفية تغيرها.

فالمستقبل الإعلامي لليمن لن تحدده القدرة في الوصول إلى الخبر قبل الآخرين فقط وإنما القدرة في الوصول إلى معنى الخبر قبل أن تتضح نتائجه على الأرض.

وهنا تحديدا ينتقل الإعلام من شاهد على التحولات إلى مؤسسة تساعد المجتمع على فهمها؛ من نقل الحدث إلى إنتاج المعرفة ومن إنتاج المعرفة إلى الاستشراف.

إن المعركة الحقيقية أمام الإعلام اليمني ليست مع كثرة الأخبار وإنما مع تحويل هذه الكثرة إلى معرفة وليست مع سرعة المعلومة وإنما مع قدرتها على تفسير المستقبل. فالسبق الأهم لم يعد أن نعرف ما حدث أولا وإنما أن نفهم ما الذي يعنيه ما حدث وما الذي يمكن أن يصنعه في اليمن بعد ذلك.