آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

الحوثيون بين الصراع على الدولة وصراع البقاء

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - الساعة 02:08 م
د. جمال الهاشمي


لم يعد مستقبل الحوثيين مرتبط بقدرتهم على الاحتفاظ بالمناطق التي يسيطرون عليها وإنما بقدرتهم في المحافظة على التماسك الداخلي عندما تتغير البيئة التي صنعت قوتهم.

إن الجماعة بنت نفوذها في سياق تاريخي كانت فيه الحرب مصدرا للشرعية والخطر الخارجي أداة لتوحيد الداخل والسيطرة على مؤسسات الدولة وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع والدعم السخي من إيران والتغاضي الدولي ما دامت فكرة الحوثيين تقوم على محاربة الارهاب والاسلام السياسي والفكر العقائدي.

أما اليوم فإن الفكة التي حاربوا بها الإرهاب هي الفكرة التي يدانون بها كما أن تغير ميزان الحرب يزيد من الضغط على الجغرافيا الحوثية والضغط الشعبي ويضغط على الفكرة التي قامت عليها الجماعة.

ومما يزيد من ذلك عندما تنتقل الشرعية من حالة الدفاع إلى ممارسة الضغط المتراكم ومن ثم قطع ما يمكن معرفته بالنجاح المستمر وكسر مفهوم الطرف الأقوى.

ومن زواية خرى فإن لانتصار في جهات معينة لا يهدم جماعة منظمة ما لم تتبعها سلسلة من الانتصارات التي تغير الحسابات داخلها .

ومع كل مساحة تخسرها الجماعة تتقلص قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها القوة التي تتقدم بلا توقف وتبدأ النخبة المحيطة بها في إعادة تعريف مصالحها.

في المرحلة الأولى من الصراع كان الحوثي يتحرك بمنطق التوسع والسيطرة على المؤسسات واختراق القبائل وبناء الأجهزة الأمنية والعسكرية وإنتاج نخبة جديدة مرتبطة بمركز القرار. أما في مرحلة مختلفة من الحرب فقد يتحول المنطق إلى منطق البقاء.

وهذا التحول يحمل آثارا عميقة لأن الجماعة التي تقاتل من أجل التوسع تستطيع أن تؤجل تناقضاتها الداخلية باسم المشروع بينما الجماعة التي تقاتل من أجل البقاء تبدأ داخلها حسابات النفوذ والمصالح والمستقبل.

ومن هنا يمكن أن تصبح انتصارات الشرعية ذات قيمة استراتيجية تتجاوز قيمتها العسكرية.

ان استعادة الجغرافيا ليس في تغيير خطوط السيطرة وإنما بإعادة تشكيل توقعات المجتمع والنخب والقبائل. وعندما تتغير التوقعات يبدأ بعض الفاعلين المحليين في التفكير في مرحلة ما بعد الحوثي قبل أن تنتهي الحرب فعليا.

هذه الفكرة تحديدا قد تكون أكثر تأثيرا من المعركة نفسها لأن الأنظمة المسلحة لا تنهار دائما عندما تهزم عسكريا وإنما عندما يفقد محيطها الثقة بأن بقاءها هو الخيار الوحيد.

وقد يكون التصدع الحوثي إذا حدث مختلفا عن صورة الانشقاق التقليدي.

فلن يبدأ بالضرورة بإعلان جماعة جديدة أو خروج قيادات كبرى وانما قد يظهر بداية في صورة تنافس مكتوم على الموارد والمواقع وتباين بين الجناح العسكري والأمني وتوتر بين المركز والشبكات المحلية وإعادة تموضع لبعض الشخصيات والقبائل ثم اختلاف حول حدود العلاقة مع إيران وحول شكل التسوية التي يمكن قبولها وقد تساهم الانتصارات نسبيا في وحدة هدف الشرعية ولكن بقيادة السعودية إذ لا يمكن أن تسير الشرعية وفق خطط وأهداف موحدة ذاتيا وهذا ما تدركه السعودية حيث تبين لها أن مكونات الشرعية تحتاج إلى قيادة خارجية تدفعها نحو الهدف المشترك .

ومن ثم فإن وحدة الشرعية بقيادة السعودية قد يعمل على انتقال داء الشرعية إلى الحوثيين ولن يكون ذلك ما لم يصاحب الضربات الجوية تقدما ميدانيا يسيطر بها على نصف صنعاء وليس البقاء على تخومها.

وكلما طال أمد الحرب وتغيرت موازينه يصبح الحفاظ على وحدة المصالح أصعب من الحفاظ على وحدة الخطاب.

وتكمن المفارقة في أن الحوثيين قد يواجهون في هذه المرحلة مشكلة لم تكن موجودة بالدرجة نفسها أثناء صعودهم.

فإن نجاحهم السابق صنع طبقة واسعة من المستفيدين من السلطة ولكن استمرار الحرب قد يجعل مصالح هؤلاء مختلفة عن مصالح القيادة المركزية.

فالقيادة قد ترى أن استمرار التعبئة ضرورة لبقاء المشروع بينما قد ترى بعض القوى المحلية أن التسوية أصبحت طريقا لحماية ما اكتسبته من نفوذ.

ومن هنا يمكن أن ينشأ التناقض بين المحافظة على المشروع والمحافظة على المكاسب.

ولكن هذا السيناريو لا يتحقق بمجرد تقدم الشرعية؛ فالجغرافيا التي تستعاد عسكريا يمكن أن تضيع سياسيا إذا لم تتحول إلى نموذج جديد في معادلات القوة.

ولذلك فإن المعركة المستقبلية ليست في تحرير المناطق وحدها وإنما أيضا في إقناع السكان والنخب بأن البديل قادر على تأسيس دولة أكثر استقرارا من الوضع القائم.

فإذا بقيت المناطق المحررة رهينة التنافس بين القوى المناهضة للحوثيين فإن الضغط العسكري قد لا يوجد تصدعا داخليا وانما قد يمنح الجماعة فرصة لإعادة تعبئة أنصارها لمواجهة الخطر الوجودي والعقائدي تحديدا.

أما إذا تزامنت الانتصارات العسكرية مع بناء مؤسسات وإدارة محلية فعالة وتوحيد القرار العسكر ي وتوليد خطاب وطني يتجاوز الانقسامات فإن المعادلة ستتغير وعندها سيواجه الحوثي تحولا في البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به.

وهو ما سينقل الجماعة من من فكرة الاعتقاد بأنها تملك المستقبل إلى الشعور بأنها مطالبة بحماية الماضي والحاضر.

وعندها تتحول السلطة من مشروع للتوسع إلى شبكة للدفاع عن الذات وتتحول الخلافات التي كانت مؤجلة باسم المعركة إلى خلافات حول من يدفع الثمن ومن يحتفظ بالمكاسب.

لذلك فإن المستقبل الحوثي لن تحدده الجبهة وحدها وإنما يدخل في الحسابات سرعة تغير ميزان القوة وسرعة قدرة الجماعة على إعادة إنتاج تماسكها الداخلي.

فإذا كان التغير الخارجي أسرع من قدرة القيادة على احتواء التناقضات فإن التصدع سيبدا من الداخل قبل أن يظهر على الخريطة. أما إذا استطاعت الجماعة إعادة توزيع السلطة والمصالح وإعادة تعريف مشروعها فقد تنتقل من حركة توسعية إلى سلطة تعمل علي إعادة إنتاج نفسها.

وهنا تصبح انتصارات الشرعية ذات قيمة استراتيجية حقيقية عندما تنتقل من تحرير الأرض إلى تغيير توقعات الداخل الحوثي. وعندها قد تبدأ نهاية الصراع الحوثي ليس بانهيار عسكري مفاجئ وإنما بتحول تدريجي داخل الجماعة نفسها من مشروع يفرض الدولة إلى جماعة تبحث عن مكان لها داخل الدولة.

أما إذا دخلت الهدنة للتفاوض مجددا وتوقف الهجوم الحوثي على السعودية أو تهديد الملاحة الدولية فإن الشرعية ستتوقف تلقائيا.

ولا ينبغي أن يقاس الانتصار بعدد الكيلومترات التي تتقدم فيها القوات ولا بعدد المناطق التي تستعيدها فهذه مؤشرات عسكرية مهمة لكنها لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه الصراع.

إن المعيار يتحدد بحجم خسارة الحوثيين التي قد تكون سبب في تغيير حساباتهم الداخلية والسياسية .

ومن هذا المنظور يمكن تحديد الانتصار بثلاثة مستويات مترابطة:

أولا: الانتصار العسكري التي يكون فيها كسر القدرة الحوثية على المبادرة والهجوم وانتقال الجماعة من توسيع نطاق سيطرتها إلى الدفاع عن مناطقها ومراكز ثقلها.

ثانيا: الانتصار السياسي ويعني أن تصبح الشرعية قادرة على تقديم نفسها كبديل قادر على إدارة المناطق المحررة وتوحيد مؤسسات الدولة بحيث لا تبدو استعادة الأرض تغيير مؤقت في خطوط السيطرة.

ثالثا: الانتصار الاستراتيجي وهو الأهم ويحدث عندما تبدأ الخسائر العسكرية والسياسية في تغيير حسابات النخبة الحوثية والقبائل والشبكات المحلية المرتبطة بها بحيث يتركز اهتمام الجماعة في الحفاظ على مصالحها .

وهنا يصبح معيار الانتصار أكثر وضوحا فالانتصار الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل من الكلفة تفوق استمرار الحرب.