ان اتساع نطاق التهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين واضطراب أمن الممرات البحرية أعاد تفسير منظومة الأمن الوطني اقليميا وفي هذا السياق يأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره تطورا مهما على الساحة الاقليمية ويفتح مجالا لتعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك. ولكن الجغرافيا السياسية الجديدة للخليج بحكم موقعها النفطي تحتاج إلى شبكة من الحلفاء بحيث يمكنها من توزيع أعباء الأمن على أكثر من دولة ولذلك فإن دخول تركيا إلى المعادلة له أهمية خاصة كونها تمتلك تجربة طويلة في التعامل مع التيارات الإسلامية السياسية وشبكات سياسية واجتماعية ارتبطت تاريخيا بالإخوان المسلمين.
وهنا تظهر مفارقة أساسية مع السعودية التي اتخذت خلال السنوات الماضية موقفا مناهضا للإخوان المسلمين بينما تجد نفسها في إطار أمني جديد إلى جانب تركيا التي كانت إحدى أهم البيئات السياسية الحاضنة لشخصيات وشبكات إخوانية وهذا يقود إلى تحول مهم في تعريف المشكلة.
فقد تعاملت دول خليجية وفي مقدمتها السعودية والإمارات مع الإسلام السياسي خلال العقد الماضي كتحدي أمني لأمن للدول واستقرارها السياسي بينما اتخذت قطر وتركيا مسارا مختلفا في علاقتها بهذه التيارات.
ولم يكن الخلاف خلاف أيديولوجي فحسب وانما كان خلافا حول تمثيل الإسلام السياسي المنافس للدولة القومية من داخلها.
و تبدو المنطقة في ظل هذه التحولات أمام احتمالات مختلفة؛ فالأمن لم يعد يسمح بالفصل الصارم بين الخصومة الأيديولوجية والحاجة الجيوسياسية والامنية لا سيما عندما اصبح الحوثيون قوة مسلحة مرتبطة بإيران وتسيطر على مساحة واسعة من اليمن وتهدد خطوط الملاحة والأمن السعودي.
وهو ما قد يجعل التوصيف السعودي للاسلاميين اقل ارتباطا بالتصنيف الأيديولوجي وأكثر ارتباطا بالقدرة على تشكيل قوة يمنية منظمة تستطيع مواجهة هذا التهديد وهنا يعود حزب الإصلاح اليمني إلى مركز المعادلة.
فحزب التجمع اليمني للإصلاح يمثل أحد المكونات الرئيسية للمعسكر المناهض للحوثيين وله جذور تاريخية مرتبطة بالإسلام السياسي والإخوان المسلمين كما أن له وجودا سياسيا وعسكريا واجتماعيا مهما وخصوصا في اقليم سبأ حتى شبوة وفي اقليم الجند وحضرموت.
بالإضافة إلي ذلك فما يزال الإصلاح جزءا من بنية السلطة المعترف بها دوليا بينما تشير التطورات العسكرية إلى وجود قوى مرتبطة به في خطوط المواجهة مع الحوثيين.
لكن المشكلة التي تواجه السعودية ليس وجود الإصلاح بحد ذاته وإنما كيفية إدخاله في معادلة جديدة من دون إعادة إنتاج الصراع القديم بين مكونات المعسكر المناهض للحوثيين.
فالقوى اليمنية التي تقاوم الحوثيين لا تملك رؤية واحدة لمستقبل الدولة؛ فهناك قوى اسلامية متعددة بما فيها السلفية السياسية وقوى جنوبية متعددة بما فيها القوى الانفصالية وقوى عسكرية ذات خلفيات مختلفة ولكل منها علاقاتها الخارجية ومصالحها السياسية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة أن هذه الانقسامات واحدة من أهم نقاط الضعف الأساسية في مواجهة الحوثيين.
من هنا يمكن فهم إعادة توظيف الإصلاح ليس على اساس أيديولوجي وإنما اعادة استخدامه كبنية سياسية واجتماعية موجودة داخل اليمن وهنا تصبح تركيا متغيرا مهما.
فإذا كانت السعودية تملك الجغرافيا والنفوذ المباشر والقدرة المالية فإن تركيا تمتلك قناة تاريخية مع الإسلام السياسي إضافة إلى قدرتها على التواصل مع التيارات الإسلامية من دون أن تكون مضطرة إلى تبنيها تنظيميا معينا حيث تمتلك قنوات تواصل مع كافة الايدلوجيات الدينية بحكم علمانية الدول وتعدد مجتمعاتها وخبرتها الطويلة في ادارة التناقضات المجتمعية والسياسية.
ولذلك يمكن أن يكون الدور التركي في أي ترتيبات يمنية مستقبلية أقرب إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإسلام السياسي والدولة منه إلى إنشاء مشروع إخواني جديد وهذا التحول سيقود إلى احتمال إعادة توظيف بعض مكوناته عندما تفرض الضرورات الأمنية ذلك، وتجربة سوريا تقدم مؤشرا مهما على هذا النوع من التحول ولكن لا يمكن نقلها حرفيا إلى اليمن.
فقد تعاملت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى خلال 2025 و2026 مع السلطة الانتقالية السورية بقيادة أحمد الشرع الذي كان قائدا لهيئة تحرير الشام ذات الجذور المرتبطة بالقاعدة وجرى رفع أو إزالة تصنيفات إرهابية مرتبطة بالشرع والهيئة في سياق إعادة تعريف السلطة الجديدة كشريك في ملفات مكافحة تنظيم الدولة والاستقرار الإقليمي.
كما تحولت السياسة الأمريكية عن دعم قوات كردية كانت تؤدي الدور الرئيسي في محاربة تنظيم الدولة إلى التعامل بصورة أكبر مع السلطة السورية الانتقالية في ملف الأمن.
وليس المغزى الاستراتيجي من التجربة السورية أن واشنطن أصبحت مؤيدة للإسلام الجهادي فهذا استنتاج لا تدعمه الوقائع وانما يفرضه الواقع ويمكن للتصنيف الأيديولوجي أن يتغير عندما تتغير الوظيفة الجيوسياسية للقوة نفسها.
فالفاعل الذي كان يُنظر إليه سابقا تهديدا قد يصبح بعد إعادة تعريفه والتزامه بشروط جديدة شريكا في مواجهة تهديد آخر وهذا بالضبط ما يجعل اليمن كحالة جديدة للاختبار والمراقبة.
فإذا عجزت القوى القومية والعسكرية التقليدية في اليمن عن إنتاج قوة موحدة قادرة على مواجهة الحوثيين، سيبقي الإصلاح أحد أكثر المكونات تنظيما وانتشارا داخل مناطق الحكومة فقد تظهر براجماتية سياسية جديدة تقوم على دمجه بصورة أوسع في المنظومة السياسية والأمنية،
ليس باعتباره ممثلا حصريا للإسلام السياسي، وإنما كجزء من القوة الوطنية المناهضة للحوثيين.
وهنا يمكن أن تلعب تركيا دور الضامن السياسي أكثر من كونها الراعي الأيديولوجي؛ فأنقرة تستطيع بحكم علاقاتها التاريخية مع التيارات الإسلامية أن تساعد في إعادة تعريف خطاب هذه التيارات من خطاب الحركة الإسلامية إلى خطاب الدولة والأمن الوطني ومقاومة التهديد الإيراني.
وفي المقابل تستطيع السعودية أن توفر الغطاء العربي والإقليمي بينما يوفر اتفاق مكة الإطار الأوسع للتعاون الأمني.
لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن السعودية ستتبنى الإخوان المسلمين كحركة سياسية ولا أن تركيا ستعيد تصدير النموذج الإخواني إلى اليمن.
ولكن الأكثر احتمال هو صيغة هجينة تجمع بين توظيف واحتواء الإسلام السياسي داخل الدولة بدلا من من تمكينه فيها على غرار سياسة الرئيس صالح في حرب صيف اربعة وتسعين.
ومن ثم استخدام قدرته التنظيمية والاجتماعية في مواجهة الحوثيين مع إبقائه تحت سقف الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة.
لذلك فإن السيناريو الواقعي إن تغيرت السياسة مستقبلا سيكون أقرب إلى إعادة التفريق بين الفروع والتيارات بين فصيل سياسي يلتزم بالدولة وفصيل مسلح داخلها وفصيل يرتبط بأعمال عنف وليس التعامل مع الإسلام السياسي ككتلة واحدة وهذه الاستراتيجية ستعمل على فرض تعريفات جديدة للاسلام السياسي مما سيساهم في خلق توجهات مختلفة وهنا يمكن أن تصبح اليمن مختبرا لهذا التفريق.
فالإصلاح يستطيع نظريا أن يقدم نفسه كقوة سياسية يمنية ذات مرجعية إسلامية وليس باعتباره كتنظيم عابرا للحدود وإذا ارتبط وجوده بالمؤسسات الرسمية والجيش والدولة فإن ذلك يختلف جذريا عن إعادة إنشاء جماعة إخوانية مستقلة عن الدولة.
وهذا التفريق قد يكون هو المفتاح الذي سيسمح لبعض الأطراف الإقليمية والدولية بالتعامل معه من دون العودة إلى مرحلة الصراع الأيديولوجي السابقة ومن هنا فان إسرائيل ستدخل هذه المعادلة من زاوية مختلفة.
فإسرائيل لا تنظر إلى المسألة من زاوية الصراع بين السعودية والإخوان فقط وإنما من زاوية أمن البحر الأحمر وأمن الملاحة وإيران وقدرة أي قوة يمنية جديدة على التأثير في باب المندب.
ولذلك فإن موقفها من إعادة توظيف الإسلام السياسي في اليمن سيكون مرتبطا بالنتيجة الأمنية التي سيوجدها هذا التحول.
فإذا أدى إلى تقليص القوة الحوثية وإضعاف الارتباط الإيراني مع البحر الأحمر فقد تتعامل إسرائيل معه بواقعية أمنية حتى لو كانت لديها تحفظات أيديولوجية على بعض مكونات هذه القوة.
أما إذا تحول الإصلاح أو أي تيار إسلامي آخر إلى قوة مستقلة ذات مشروع إقليمي معاد لإسرائيل فإن الحساب الإسرائيلي سيكون مختلفا باعتبار الجغرافية اليمنية ذات قيمة استراتيجية لاسرائيل وما حروب الصومال واثيوبيا الجديدة الا من مؤشرات الصراع على المواقع العسكرية في البحر الأحمر واطرافه وهذا يفسر أيضا لماذا لا ينبغي افتراض أن إسرائيل ستعارض تلقائيا أي دور تركي أو إسلامي في اليمن.
فالسياسة الإسرائيلية في المنطقة تقوم على موازنة التهديدات وقد تنظر إلى قوة إسلامية مناهضة لإيران بصورة مختلفة عن نظرتها إلى قوة إسلامية تعتبر إسرائيل خصما مركزيا.
والفارق هنا هو في الوظيفة الجيوسياسية وليس الهوية الأيديولوجية وحدها.
ومن ثم فإن اتفاق مكة قد يكون بداية لمرحلة تتراجع فيها الحدود القديمة بين الإسلام السياسي والأمن الإقليمي.
فالسعودية تحتاج إلى تحالفات تتجاوز قدرتها الذاتية وتركيا تريد تثبيت موقعها كقوة إقليمية مركزية وباكستان توفر ثقلا عسكريا إسلاميا، بينما تواجه المنطقة تهديدات تتطلب شركاء محليين قادرين على العمل داخل مجتمعاتهم.
وفي اليمن تحديدا قد يقود ذلك إلى أحد ثلاثة مسارات.
المسار الأول هو إعادة دمج الإصلاح داخل الدولة بحيث يصبح جزءا من الجيش والمؤسسات السياسية والأمنية ويجري التعامل معه باعتباره مكونا يمنيا لا امتدادا لتنظيم دولي.
وهذا هو السيناريو الذي يمكن أن يسمح للسعودية باستخدام قوته دون العودة الكاملة إلى النموذج الإخواني.
والمسار الثاني هو إعادة توظيف الإسلام السياسي بصورة أمنية مؤقتة بحيث يستخدم الإصلاح لمواجهة الحوثيين ثم يعاد تقليص نفوذه بعد تغير ميزان القوة وهذا السيناريو قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها التي عانت منها اليمن طوال الحرب في استخدام المكونات المحلية كأدوات ثم تركها تتصارع على الدولة.
أما المسار الثالث فهو الأكثر تعقيدا ويتمثل بنشوء تفاهم إقليمي جديد يسمح للإسلام السياسي المعتدل بالعودة إلى المجال السياسي مقابل إعادة تعريف علاقته بالعنف وبالدولة وبالصراع الإقليمي وفي هذه الحالة تصبح تركيا قناة مهمة للتواصل والسعودية مظلة عربية واليمن ساحة لاختبار النموذج وقد فصلت ذلك في كتاب مستقل عن الخليج العربي بفي دراسة استشرافية للتحولات العقائدية السياسية والعسكرية.
لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على السعودية وتركيا وحدهما فهناك الولايات المتحدة ومصر والإمارات والقوى الجنوبية اليمنية وإسرائيل، وكل طرف سيحاول التأثير في شكل القوة التي ستنشأ بعد الحرب.
ولهذا فإن التحول الحقيقي الذي يمكن أن يحمله اتفاق مكة ليس في إنشاء حلف دفاعي سعودي–تركي–باكستاني فقط وانما في احتمال انتقال المنطقة من مرحلة تصنيف الحركات الإسلامية إلى مرحلة فرزها وإعادة تعريفها وظيفيا.
فالحركة التي تعتبر تهديدا عندما تعمل خارج الدولة قد تصبح شريكا عندما تدمج في الدولة والحركة التي ترفع خطابا إسلاميا قد تصبح مقبولة أمنيا إذا أصبحت جزءا من منظومة مقاومة للنفوذ الإيراني أو مكافحة التنظيمات الأكثر تطرفا واليمن قد يكون الاختبار الأكثر وضوحا لهذه القاعدة.
وهنا تكمن الاستشرافات الكبرى فقد تكون المنطقة مقبلة على مرحلة لا تختفي فيها الأيديولوجيات الإسلامية وإنما يعاد تدويرها داخل الأمن الإقليمي.
وفي هذه الحالة لن يطوي اتفاق مكة الخلاف الخليجي مع الإسلام السياسي وانما يعيد انتقاله من سياسة الاحتواء والإقصاء إلى سياسة التوظيف و الانتقا وسيكون اليمن أحد أهم ميادين الاختيار والاختبار.