آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-02:58م

المنصب بين المسؤولية والتضحية.. كيف تصنع شخصية الدولة في اليمن؟

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 01:33 م
د. جمال الهاشمي


لا يبدا بناء الدولة في الفكر السياسي بمؤسساتها ولا من عدد المناصب التي تسميها التعيينات الرئاسية لتصل إلى خمسة وثلاثين وزارة عبثية تعكس حرص النفوذ على تقاسم الدولة وتحويل الشعب اليمني زجغرافيتها إلى اقطاعيات ريعية تتنافى مع اخلاق اليمن زكرامته وثقافته السياسية عبر ممالكه قبل الاسلام وولاياته بعدها .

وإنما من فلسفة الخدمة التي تعطى للمنصب العام قيمته الوظيفية. فالمنصب يمكن أن يكون أداة لبناء الدولة عندما ينظر إليه من منظور التكليف والمسؤولية ويمكن أن يتحول إلى أداة لإضعافها عندما يكون وسيلة للنفوذ الشخصي أو العائلي أو الحزبي أو المناطقي.

ومن هنا فإن أزمة الدولة اليمنية لا يمكن اختزالها في أزمة مؤسسات أو دستور أو توزيع للسلطة فهي في أحد أعمق مستوياتها أزمة في فلسفة المنصب نفسه.

ويحدد الدستور اليمني قاعدة الوظيفة العامة باعتبارها واجب وشرف ومن يشغلها مكلف بخدمة المصلحة العامة والشعب كما يحظر استخدام الوظيفة العامة والمال العام للمصلحة الخاصة أو الحزبية.

ولكن المشكلة السياسية بدأت مع الثقافة الحزبية بكل صورها بما في ذلك الأحزاب الدينية التي كانت هي الأولى في استغلال الوظيفة العامة تحت ثقافة الأسلمة وأدى توظيفها إلى فساد التعليم والوظيفة العامة فسادا مطلقا.

فعندما تنفصل القاعدة القانونية عن الثقافة التي تحكم ممارسة السلطة تصبح الوظيفة العامة ضمان اجتماعي لتعبئة المجتمع وتقسيمه واضعاف المواطنة.

وهنا تمتلك الدولة نصوصا حديثة عن المعايير بينما تستمر ممارسة المنصب بمنطق مختلف عنها يقوم على الاستغلال وهذا يتطلب مراجعة عامة لتصحيح وضعية المؤسسات من داخلها .


وهنا تظهر أهمية التمييز بين المنصب بوصفه ملكية والمنصب بوصفه أمانة مؤقتة.

وفي منطق الملكية يرى المسؤول أن الدولة تمنحه موقعا ولذلك يصبح الحفاظ على الموقع غاية في ذاته وتتقدم حماية النفوذ على حماية المؤسسة.

أما في منطق الدولة فالمنصب لا يضيف إلى صاحبه قيمة اجتماعية بقدر ما يحمله من التزامات وواجبات .

فالمسؤول لا يملك الوزارة أو المؤسسة أو الجيش أو المال العام وانما يشغل موقعا مؤقتا داخل بنية دائمة يفترض أن تبقى بعد رحيله.

وهذا التصور يلتقي بصورة عميقة مع فلسفة ماكس فيبر في السياسة.

فالأخلاق السياسية عنده لا تقوم على النوايا وحدها وإنما على تحمل نتائج الفعل السياسي أيضا.

ان السياسي الحقيقي يحتاج إلى الجمع بين قوة القناعة والقدرة على تحمل مسؤولية النتائج لا أن يستخدم حسن النية ذريعة للهروب من آثار قراراته.

ومن هنا تصبح التضحية شرطا من شروط المنصب ولا اقصد به التضحية البطولية أو الموت من أجل السلطة وإنما بمعنى استعداد المسؤول للتنازل عن مصلحته الشخصية عندما تتعارض مع مصلحة الدولة.

قد تكون التضحية بالتنازل عن نفوذ أو رفض تعيين قريب أو ترك امتياز أو قبول النقد أو الاعتراف بالفشل أو حتى مغادرة المنصب عندما يصبح بقاؤه أكثر ضررا بالمؤسسة من خدمتها.

وهذه الرؤية بالذات شديدة الأهمية في الحالة اليمنية لأن الدولة لا تحتاج فقط إلى إعادة توزيع السلطات وانما إلى إعادة تعريف العلاقة النفسية والأخلاقية بين الشخص والمنصب.

فالدولة الحديثة تقوم على قاعدة أن الشخص يتغير والمؤسسة تستمر.

أما عندما يصبح استمرار المؤسسة مرتبطا باستمرار الأشخاص فإن الدولة تبدأ في فقدان شخصيتها المستقلة. وبذلك يصبح الوزير هو الوزارة والقائد هو المؤسسة والحزب هو الدولة والجماعة هي المجتمع والزعيم هو الشرعية.

وعند هذه المعضلة تنتقل الدولة من المؤسسات إلى الأشخاص ومن القانون إلى الولاءات.

لهذا فإن شخصية الدولة اليمنية لن تتشكل فقط من خلال دستور جديد أو اتفاق سياسي جديد وإنما من خلال إنتاج نوع مختلف من رجل الدولة.

رجل الدولة ليس هو الأكثر قدرة على الوصول إلى المنصب ولمنه الأكثر قدرة على الخروج منه دون أن يهدم المؤسسة التي كان يديرها.

وليس هو الذي يجمع أكبر عدد من الأتباع وإنما هو الذي يستطيع أن يجعل المؤسسة أقوى من شخصه ونفوذه ومصالحه.

وليس هو الذي يربط الدولة بمصالحه وإنما هو الذي يجعل مصلحته الشخصية قابلة للتراجع عندما تتعارض مع المصلحة العامة.

وهنا يمكن استحضار أرسطو بصورة غير مباشرة حيث يقول ان الدولة لا تستقيم بوجود القوانين وحدها لأن القانون يحتاج إلى مواطن ومسؤول تتشكل في شخصيتهما فضائل سياسية. فالاستقرار السياسي ليس الهدف منه تشكيل المؤسسات، وإنما من واجبه هندسة للسلوك الذي يجعل المؤسسات قابلة للحياة.

وفي الحالة اليمنية تكمن المشكلة في أن الصراع الطويل جعل المنصب في كثير من الأحيان جزءا من معادلة القوة أكثر مما هو جزء من معادلة الإدارة.

وعندما تتحول الوظيفة إلى مورد للصراع تصبح التعيينات السياسية امتدادا للصراع وتصبح المؤسسة ساحة لإعادة توزيع الولاءات، ويتحول الجهاز العام من جهاز للدولة إلى جهاز تتنافس عليه القوى.

وهذا يفسر لماذا لا نكتفي بالحديث عن تقاسم السلطة لبناء الدولة.

لأن هناك فرق فلسفي كبير بين تقاسم السلطة وتقاسم المسؤولية.

تقاسم السلطة يعني أن تحصل الأطراف على مواقع داخل الدولة وهذه هي الثقافة الحزبية والمجتمعية التي جعلت اليمن في أزمات مزمنة.

أما تقاسم المسؤولية فيعني أن تصبح الأطراف مستعدة لتحمل تكلفة القرار العام ونتائجه.

الأول قد ينتج تسوية سياسية بينما الثاني هو الذي ينتج دولة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم النصوص الدستورية اليمنية التي تربط الوظيفة العامة بالحياد والمساءلة والنزاهة وحماية المال العام وتخضع المؤسسات العامة للرقابة والتقييم والمحاسبة.

فهذه المبادئ لا تعني فقط تنظيم الإدارة وإنما تعكس تصورا فلسفيا كاملا.

ان الدولة لا تكون دولة عندما تمتلك السلطة وإنما عندما تستطيع إخضاع السلطة للقواعد التي تتجاوز الأشخاص.

وتظهر هنا مسألة التضحية

فالمسؤول الذي لا يستطيع التضحية بمصلحته السياسية من أجل بقاء المؤسسة سيحاول جعل المؤسسة رهينة لبقائه.

والمسؤول الذي لا يستطيع قبول خسارة موقعه وينتقل مباشرة الى المعارضة سيبحث عن وسائل تجعل خروجه مستحيلا ولو كان في ذلك فناء الدولة .

والمسؤول الذي يرى أن المنصب حق شخصي سيعتبر النقد تهديدا له بدلا من أن يراه آلية لتصحيح الدولة.

أما رجل الدولة فيدرك أن أعظم إنجاز سياسي قد يكون أحيانا أن يغادر المنصب وتبقى المؤسسة أقوى مما كانت عليه عند دخوله.

وهذا يقود إلى مسألة أخرى فالدولة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة الغلبة إلى ثقافة الوظيفة العامة.

فالغلبة تبحث عن صاحب القرار أما الدولة فتبحث عن القرار القابل للاستمرار.

إن الدستور هو الذي يجعل التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية جزءا من النظام الجمهوري ويحظر تسخير الوظيفة العامة والمال العام لمصلحة تنظيم سياسي معين.

ولذلك فإن الجمهورية لا تكتمل بوجود منصب

الرئيس أو الوزير أو المسؤول وإنما عندما يصبح المنصب أكبر من صاحبه وأصغر من الدولة و أكبر من الشخص بحيث لا يستطيع احتكاره وأصغر من الدولة بحيث لا يستطيع تحويله إلى ملكية خاصة وهي التي تسببت في انهيار اليمن وتحويلها إلى مكونات .

ومن هنا فإن إعادة بناء اليمن تحتاج إلى ثلاثة تحولات متزامنة:

تحويل المنصب من امتياز إلى تكليف بحيث يكون الخوف من التعيين أكبر من التنافس في الحصول عليه وأن مغارمه أكثر من مكاسبه لا سيما في مرحلة الأزمات.

وتحويل الولاء من الشخص إلى المؤسسة وتحويل التضحية من خطاب أخلاقي إلى ممارسة سياسية.

عندها فقط تبدأ شخصية الدولة في الظهور.

فالدولة ليست المباني الحكومية ولا ولا المراسيم ولا حتى الدستور وحده.

انما هي الدولة هي تلك القدرة المتراكمة على جعل المسؤول يعرف أن سلطته مؤقتة وأن المال العام ليس ماله وأن المؤسسة ليست ملكا لحزبه وأن القانون أعلى منه وأن بقاء الدولة أهم من بقائه.

وهذه هي البوصلة التي يمكن أن يبدأ منها بناء الجمهورية اليمنية من جديد.

لأن الدولة التي لا تغير أخلاق السلطة ستعيد إنتاج أزماتها مهما غيرت أسماء الحكومات أما الدولة التي تجعل المسؤول مستعدا للتضحية بمصلحته من أجل المؤسسة فإنها تبدأ بتكوين شخصيتها السياسية المستقلة.

وفي النهاية فإن قوة الدولة اليمنية لن تقاس بعدد المناصب التي تتوزع بين القوى السياسية وإنما بمقدار ما يستطيع شاغلو هذه المناصب أن يتخلوا عن مصالحهم الخاصة عندما تتعارض مع بقاء الدولة.