أعادت وفاة الموظف اليمني في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، محمد إبراهيم الشامي، داخل أحد معتقلات ميليشا الحوثي في صنعاء، تسليط الضوء على مصير عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة، وسط تصاعد المخاوف من تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، واحتمال تكرار المأساة مع بقية المعتقلين.
وأعلنت الأمم المتحدة وفاة الشامي في 31 أكتوبر الماضي، بعد أكثر من عامين على اعتقاله في 6 يونيو 2024، دون أن تتمكن أسرته من زيارته أو التواصل معه طوال فترة احتجازه. وأقرت المنظمة بأنها لم تحصل على معلومات تؤكد سلامته أو تثبت أنه لا يزال على قيد الحياة، رغم مطالباتها المتكررة للحوثيين بالكشف عن مصيره.
وأعادت الحادثة فتح التساؤلات بشأن فاعلية التحركات الأممية لحماية موظفيها اليمنيين والضغط للإفراج عنهم، خصوصاً مع استمرار احتجاز عشرات العاملين في الوكالات الدولية والمنظمات المحلية، وسط انتقادات تتهم الأمم المتحدة بالتقصير والتعامل بمعايير متفاوتة بين موظفيها المحليين والأجانب.
70 موظفاً أممياً لا يزالون محتجزين
وبحسب أحدث البيانات الأممية، لا يزال 70 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة وخمسة موظفين سابقين رهن الاحتجاز لدى الحوثيين، إلى جانب عشرات العاملين في المنظمات الإنسانية والمدنية.
وكان عدد الموظفين المحتجزين قد بلغ 73 موظفاً في يونيو الماضي، قبل الإفراج عن موظفين اثنين خلال أكتوبر، أحدهما يعمل في برنامج الأغذية العالمي والآخر في مكتب المبعوث الأممي، فيما لا يزال برنامج الأغذية العالمي يتصدر قائمة الوكالات الأكثر تضرراً من الاعتقالات، بعدما أعلن وجود 38 من موظفيه ضمن المحتجزين مطلع أكتوبر.
وقال الصحافي فارس الحميري، المتابع لملف المعتقلين الأمميين، إن بعض الموظفين لا يزالون مخفيين قسراً منذ سنوات، دون الكشف عن أماكن احتجازهم أو السماح لهم بالتواصل مع أسرهم، مشيراً إلى أن معلومات حصل عليها تفيد بنقل بعض المعتقلين خلال الأسابيع الماضية إلى منشآت ذات طابع عسكري، الأمر الذي يثير مخاوف من احتمال استخدامهم دروعاً بشرية في ظل التصعيد العسكري.
وأضاف أن أسرة الشامي عاشت أكثر من عامين في انتظار أي معلومات عن مصيره، قبل أن تبلغها الجماعة بوفاته وتطلب منها ترتيب استلام جثمانه، لافتاً إلى أن الحوثيين لم يسلموا الجثمان حتى مساء الأربعاء، ويرفضون تشريحه أو الكشف عن أسباب الوفاة.
وفي سياق متصل، اتهمت السفارة الأمريكية لدى اليمن جماعة الحوثي بقتل الشامي أثناء احتجازه، مشيرة إلى أنه أب لثلاثة أطفال، وأن الجماعة حرمته من وداع والده وحضور جنازته، وأخفت جثمانه لأشهر في ثلاجة الموتى بصنعاء، بينما كانت تطمئن أسرته بأنه بخير.
وتعد وفاة الشامي ثاني حالة وفاة معلنة لموظف أممي داخل معتقلات الحوثيين، بعد وفاة أحمد باعلوي، الموظف في برنامج الأغذية العالمي، في فبراير 2025، فيما سبقتها وفاة هشام الحكيمي، مسؤول الأمن والسلامة في منظمة إنقاذ الطفولة، داخل أحد المعتقلات في أكتوبر 2023.
اتهامات بالتعذيب وتهديدات بالإعدام
وتتزايد المخاوف على حياة المعتقلين، خصوصاً بعد إحالة جماعة الحوثي، في أكتوبر الماضي، ثمانية عاملين في المجالين الإنساني والحقوقي، بينهم موظفان أمميان ومستشار للأمم المتحدة، إلى المحاكمة بتهم التجسس التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وكانت منظمتا هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية قد حذرتا من تدهور الأوضاع الصحية للمحتجزين، ونقلتا شهادات عن أسرهم بشأن انتزاع اعترافات تحت التعذيب أو التهديد باستخدامه.
وأثارت وفاة الشامي ردود فعل دولية واسعة، إذ طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بإجراء تحقيق فوري ومحايد وشفاف، فيما دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى الكشف عن سجلات الاحتجاز والملفات الطبية، معرباً عن قلقه إزاء استمرار احتجاز سبعة موظفين من مكتب المفوضية.
كما حمّلت فرنسا الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الوفاة، وجدد الاتحاد الأوروبي مطالبته بالإفراج عن جميع المحتجزين، فيما اعتبر رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني أن استمرار احتجاز الموظفين يضاعف مسؤولية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن حمايتهم.
انتقادات أممية واتهامات بازدواجية الحماية
وفي مقابل الإدانات الدولية، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الأمم المتحدة بسبب ما يصفه حقوقيون وناشطون بضعف التحركات الدبلوماسية والقانونية للإفراج عن الموظفين اليمنيين، وعدم استخدام المنظمة نفوذها الدولي بالقدر الكافي للضغط على الحوثيين.
وقال الناشط الحقوقي رياض الدبعي إن أداء الأمم المتحدة في هذا الملف لم يكن بالمستوى المطلوب، متهماً المنظمة بالتساهل والصمت إزاء ممارسات الحوثيين، الأمر الذي شجع الجماعة، بحسب تقديره، على استخدام الموظفين المحتجزين أوراقاً للضغط والابتزاز.
كما أعرب خمسة من أقارب موظفين أمميين محتجزين، في شهادات نقلها موقع العربي الجديد، عن استيائهم من ضعف التواصل مع أسر المعتقلين، مؤكدين أن استمرار صرف الرواتب يساعد العائلات على مواجهة الأعباء المعيشية، لكنه لا يعوض غياب أبنائها أو يبدد مخاوفها على حياتهم.
من جانبه، تحدث الصحافي والموظف الأممي السابق صادق الوصابي عن وجود فجوة كبيرة بين إجراءات حماية الموظفين الدوليين والمحليين، موضحاً أن الموظفين الأجانب تتاح لهم ترتيبات الإجلاء خارج اليمن وفقاً للتقييمات الأمنية، بينما تظل خيارات إجلاء الموظفين اليمنيين محدودة للغاية، حتى عندما يصبح عملهم سبباً مباشراً لاستهدافهم.
واستشهد الوصابي بحادثة اقتحام مجمع أممي في صنعاء خلال أكتوبر 2025، حين أمّنت الأمم المتحدة مغادرة 12 موظفاً دولياً، وأصبح آخرون أحراراً في الحركة والسفر، فيما أُفرج عن خمسة موظفين يمنيين احتُجزوا خلال الاقتحام، بينما استمر احتجاز موظفين آخرين.
واعتبر أن هذه الوقائع تستدعي مراجعة مستقلة لإجراءات الحماية الأممية، مؤكداً أن استمرار العمل الإنساني لا ينبغي أن يكون مبرراً للصمت إزاء الاعتقالات المتكررة والوفيات داخل المعتقلات.
وساطات دبلوماسية تفتح باب المقارنة
وفي الوقت الذي تواجه فيه الأمم المتحدة انتقادات بشأن محدودية جهودها، تبرز حالات نجحت فيها تحركات حكومية ووساطات دبلوماسية في تأمين الإفراج عن محتجزين، من بينها الإفراج عن الموظفة الأردنية لانا شكري كتاو، نائبة مدير مكتب اليونيسف في اليمن، في سبتمبر 2025، عقب تحرك رسمي أردني.
كما نجحت جهود دبلوماسية هولندية، بمساعدة سلطنة عُمان، في الإفراج عن اليمني الهولندي أكرم الأكحلي، كبير مسؤولي سياسات التنمية الدولية في السفارة الهولندية، في أبريل 2025، بعد نحو عشرة أشهر من احتجازه، في عملية تمت بوساطة عُمانية تزامنت مع التحضير لزيارة السلطان هيثم بن طارق إلى هولندا.
وأعادت هذه الحالات طرح تساؤلات بشأن قدرة الأمم المتحدة على توظيف علاقاتها الدبلوماسية لتأمين الإفراج عن موظفيها اليمنيين، ومدى اختلاف نتائج التحركات الأممية عن التدخلات التي تقودها حكومات لحماية مواطنيها.
وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد وثقت، منذ يونيو 2024، انتقادات لضعف تواصل بعض الوكالات الأممية مع أسر المحتجزين، فيما سبق للحكومة اليمنية أن طالبت بنقل وظائف أممية رئيسية إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتقييد تحركات كبار المسؤولين إلى صنعاء، وحماية بيانات الموظفين من وصول الحوثيين إليها.
ورغم تأكيد الأمم المتحدة استمرار اتصالاتها الدبلوماسية للمطالبة بالإفراج عن موظفيها، وتعليقها تحركات العاملين إلى مناطق سيطرة الحوثيين منذ يناير 2025، فإن وفاة الشامي أعادت اختبار جدية هذه الإجراءات، ووضعت المنظمة أمام مطالب متصاعدة بمراجعة سياساتها الأمنية والحقوقية، والتحرك بصورة أكثر فاعلية لإنقاذ من لا يزالون خلف القضبان.