آخر تحديث :الأربعاء-04 نوفمبر 2026-11:21م
ملفات وتحقيقات

من حافة الموت إلى الحياة.. مركز التغذية العلاجية بالبريقة يعيد الأمل للأطفال المصابين بسوء التغذية

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 10:04 م بتوقيت عدن
من حافة الموت إلى الحياة.. مركز التغذية العلاجية بالبريقة يعيد الأمل للأطفال المصابين بسوء التغذية
عدن _ عمرو قريش



في ظل التحديات الصحية والإنسانية التي تواجه الأطفال المصابين بسوء التغذية، يبرز مركز التغذية العلاجية بمنطقة الزحف الأحمر في مديرية البريقة بالعاصمة عدن، بوصفه أحد المراكز الصحية التي تضطلع بدور إنساني وطبي مهم في إنقاذ حياة الأطفال وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم، من خلال تقديم خدمات علاجية وتغذوية مجانية تستهدف الأطفال المصابين بسوء التغذية، إلى جانب المتابعة الطبية المستمرة وتقديم الاستشارات الصحية للأمهات.


ومن قلب النزوح ظهرت معاناة المرض وقسوة النزوح، ومن حافة الموت إلى رحاب الحياة، تختزل قصة الطفل، طارق السلامي، واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية تأثيراً، بعدما وصل إلى مركز التغذية العلاجية بمنطقة الزحف الأحمر في مديرية البريقة بالعاصمة عدن، وهو في حالة صحية بالغة التدهور؛ جراء إصابته بسوء التغذية الحاد، وقد أنهك جسده الهزال والمرض حتى بات عاجزاً عن الوقوف أو المشي.


لكن أبواب المركز التي فُتحت لاستقباله كانت بداية رحلة جديدة نحو الحياة؛ إذ احتضنته الكوادر الطبية والصحية، وقدمت له الرعاية الصحية والتغذية المجانية، والفحوصات والمتابعة الطبية المستمرة، في رحلة استمرت نحو شهر، أثمرت عن تحسن ملحوظ في حالته الصحية، واستعاد بعضًا من وزنه وعافيته وقدرته على الوقوف والمشي مجدداً، لتعود الابتسامة إلى وجهه وتستعيد أسرته الأمل بعد أن كانت تخشى فقدانه.



*خطة علاجية لإنقاذ حالة طارق*


استقبل المركز طارق، بحسب مديرة المركز، اخصائية أطفال وتغذية، الدكتورة أروى عاطف العنتري، الذي وصل إلى المركز بتاريخ 25 سبتمبر 2026، وكان يبلغ من العمر سبع سنوات، ويزن نحو 9.5 كيلوغرامًا، وهو وزن لا يتناسب مع عمره، نتيجة معاناته من إسهال مزمن استمر قرابة أكثر من عام، الأمر الذي انعكس سلباً على حالته الصحية وأدى إلى إصابته بسوء تغذية حاد ووخيم.


وأوضحت الدكتورة أروى أن المركز قدم للطفل الرعاية الطبية والتغذية اللازمة بالمجان وفق خطة علاجية مدروسة ومنهجية، وأُجريت له الفحوصات الطبية الضرورية، حيث بذل الطاقم الصحي جهوداً كبيرة في متابعة حالته وتقديم مختلف أوجه الرعاية والعلاج، والعمل بكل الإمكانات المتاحة لتحسين وضعه الصحي واستعادة عافيته.


*نموذج إنساني للتكافل والتعاون*


تكللت رحلة علاج الطفل طارق بالنجاح، بحسب الدكتورة أروى، ليس بسبب جهود الطاقم الطبي وحده، بل أيضًا كان للأمهات المرافقات لأطفالهن في المركز دور إنساني مؤثر، من خلال مساعدة أم طارق في السهر بجانبه والاهتمام به، في صورة تجسد روح التضامن والتكافل الإنساني بين الأمهات، وتؤكد أن الرعاية داخل المركز تتجاوز حدود العلاج الطبي إلى مشاعر الرحمة والمسؤولية المشتركة.


وأضاقت الدكتورة تروى أن ثمرة تلك الجهود ظهرت بعد نحو شهر، حين عاد الطفل طارق إلى حيويته ونشاطه وقد تحسنت حالته الصحية بشكل ملحوظ، وتماثل للتعافي، وزاد وزنه إلى 13 كيلوغراماً، لتعود الابتسامة إلى وجهه ووجوه والديه، وترسم الفرحة أيضاً على وجوه الطاقم الصحي والأمهات المرافقات اللواتي عشن معه تفاصيل رحلة العلاج.


وأكدت على أن مثل هذه الحالات تمنح العاملين في المركز دافعاً أكبر لمواصلة رسالتهم الإنسانية، وتجعلهم يستشعرون قيمة الجهود التي يبذلونها عندما يشاهدون طفلاً يستعيد صحته وعافيته بعد معاناة طويلة.



*رعاية طبية متكاملة للأطفال*


يؤدي مركز التغذية العلاجية كما أكدت الدكتورة أروى بمنطقة الزحف الأحمر، رسالته الإنسانية والطبية في تقديم خدمات الرعاية الصحية والتغذية العلاجية المجانية للأطفال، لا سيما المصابين بسوء التغذية الحاد والوخيم من خلال توفير الفحوصات الطبية والمتابعة الصحية والعلاج اللازم، بما يسهم في تحسين أوضاعهم الصحية والحد من المضاعفات الناتجة عن سوء التغذية.


وأوضحت الدكتورة أروى بأن المركز يعمل من خلال فريق طبي متخصص يضم أطباء أكفاء وكوادر صحية مؤهلة، يقدمون الرعاية الطبية والتغذوية للأطفال، بالتعاون مع الشركاء والجهات الداعمة، في إطار الجهود الرامية إلى حماية صحة الأطفال وتخفيف الأعباء المعيشية والصحية عن أسرهم.


*خدمات طبية مجانية لنحو 50 حالة شهرياً*


كما أضافت مديرة مركز التغذية العلاجية الدكتورة أروى عاطف، أن المركز يقدم رعاية طبية متكاملة ومجانية للأطفال، خصوصاً المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم إلى جانب التعامل مع المضاعفات الطبية المصاحبة للحالات، والعمل على تحسين أوضاعهم الصحية من خلال المتابعة المستمرة والتدخلات العلاجية والتغذوية اللازمة.


ويوفر المركز الرعاية الطبية لنحو 50 حالة شهرياً كما بينت الدكتورة أروى، فيما يقدم الوجبات الغذائية الرئيسية الثلاث بالمجان لكل الأمهات المرافقات لأطفالهن، في إطار حرصه على تلبية الاحتياجات الصحية والتغذوية للأطفال المستفيدين من خدماته.


*آلاف الأطفال استفادوا من خدمات المركز*


وأكدت الدكتورة أروى عاطف أن المركز حقق إنجازات ملموسة خلال فترة وجيزة منذ افتتاحه، حيث تمكن من تقديم الرعاية الطبية الشاملة لآلاف الأطفال، سواء المصابين بسوء التغذية أو الذين يحتاجون إلى الفحوصات والكشف والمعاينة الطبية، وجميعها تقدم مجاناً بواسطة أطباء المركز وكوادره الصحية.


وأضافت أن المركز لا يقتصر دوره على علاج حالات سوء التغذية فحسب، بل يمتد ليشمل تقديم الاستشارات الطبية ومتابعة الحالات المرضية المختلفة، بما يعزز من دوره في خدمة الأطفال والأسر في المنطقة والمناطق المجاورة.


*تحديات وصعوبات تواجه استمرار تقديم الخدمات*


وفي سياق حديثها عن أبرز الصعوبات والتحديات التي تواجه عمل المركز، أوضحت مديرة المركز أن محدودية الموازنة التشغيلية تمثل أحد أبرز التحديات، إذ لا تكفي لتغطية جميع احتياجات المركز، خصوصاً ما يتعلق بتوفير الأدوية والمحاليل المخبرية، وأعمال الصيانة، إلى جانب المتطلبات اليومية الضرورية لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.


كما أشارت إلى وجود نقص في الكادر الوظيفي، فضلاً عن ضيق مساحة المركز التي تشكل عائقاً أمام التوسع في تقديم الخدمات واستيعاب الأعداد المتزايدة من الأطفال .


واختتمت الدكتورة أروى عاطف حديثها بالتأكيد على أهمية مساندة المركز من قبل الجهات المعنية والمنظمات والشركاء الداعمين، والعمل على توفير احتياجاته التشغيلية وتعزيز إمكاناته البشرية والفنية وتقديم الحوافز للعمال الذين أغلبهم متطوعين، بما يمكنه من مواصلة رسالته الإنسانية وتوسيع نطاق خدماته المجانية.


*إعاد الأمل والحياة في المركز*


وأوضح والد الطفل طارق السلامي أنهم وصلوا إلى مركز التغذية العلاجية بالزحف الأحمر بعد رحلة نزوح قاسية شهدتها أسرته والعديد من العائلات في الساحل الغربي، مشيراً إلى أن ظروف النزوح، رغم قسوتها، كانت سبباً في وصولهم إلى المركز الذي احتضن طفلهم وقدم له الرعاية الصحية المناسبة.


وأضاف والد الطفل أن حالة ابنه الصحية كانت قد وصلت إلى مرحلة متدهورة جراء سوء التغذية الحاد الوخيم، الأمر الذي أدى إلى رفض العديد من المستشفيات في المخا استقبال حالته وبعض مستشفيات عدن؛ لعدم توفر أسرة فاضية، حتى وصلوا إلى مركز التغذية العلاجية بالزحف الأحمر، وهم في حالة من اليأس وفقدان الأمل في عودة طفلهم إلى حياته الطبيعية.


*عطاء إنساني أعاد الأمل للأسرة*


وتابع الوالد قائلاً: إنهم وجدوا في المركز كل الاهتمام والرعاية، موجهاً شكره وتقديره لمديرة المركز الدكتورة أروى عاطف والطاقم الصحي، الذين لم يدخروا جهداً في تقديم العلاجات وإجراء الفحوصات اللازمة، مؤكداً أن الجميع تعامل مع حالة طارق بمسؤولية وإنسانية كبيرة.


وأشار والد الطفل إلى أن الفرحة عادت إلى أسرته بعد نحو شهر من تلقي طارق الرعاية في المركز، حيث استعاد عافيته وأصبح قادراً على الوقوف والمشي مجدداً، بعد أن كان عاجزاً حتى عن الوقوف على قدميه، ووصف حالته السابقة بأنها كانت تشبه الهيكل العظمي من شدة الهزال وسوء التغذية.


واختتم والد الطفل حديثه بتوجيه الشكر والامتنان لكل من ساهم وساند في علاج ابنه، قائلاً: إن ما قدمه المركز وطاقمه الصحي سيظل محفوراً في ذاكرة أسرته، فقد أعادوا إليها الفرحة والابتسامة بعد أن كانت تعيش لحظات من الخوف واليأس على حياة طفلها.



*حكاية إنسانية تتجاوز حدود العلاج*


حكاية طارق السلامي ليست مجرد قصة تعافٍ من سوء التغذية، بل حكاية إنسانية تجسد قيمة الرعاية الصحية، وعظمة العطاء الطبي، والدور الذي يضطلع به مركز التغذية العلاجية بالزحف الأحمر في إنقاذ حياة الأطفال ومنحهم فرصة جديدة للحياة.


وتبقى قصة الطفل طارق السلامي شاهداً حياً على الأثر الذي يمكن أن تصنعه الرعاية الصحية والإنسانية في حياة الأطفال، حين تتضافر جهود الكوادر الطبية وتتوفر الخدمات العلاجية والتغذوية اللازمة. فخلف كل حالة تعافٍ قصة أسرة استعادت الأمل، وطفل مُنح فرصة جديدة ليعيش طفولته بعيداً عن الألم والمرض، وهو ما يجسد الرسالة النبيلة التي يحملها مركز التغذية العلاجية بالزحف الأحمر في خدمة الأطفال والأسر الأكثر احتياجاً.


فاستمرار هذه الجهود الإنسانية يتطلب تضافر جهود الجهات الرسمية والمنظمات الدولية والإنسانية والشركاء الداعمين، للوقوف إلى جانب المركز وتلبية احتياجاته من الأدوية والمستلزمات الطبية والتغذوية وتعزيز قدراته التشغيلية والبشرية. فدعم مركز التغذية العلاجية بالزحف الأحمر لا يقتصر على مساندة مرفق صحي، بل يمثل استثماراً في إنقاذ حياة الأطفال وحماية مستقبلهم، ومنح المزيد من الأسر فرصة لرؤية أطفالها يتعافون ويعودون إلى أحضان الحياة بسلام.