لا شك أن المصدر الوحيد للوقوف على تاريخ الأمم والشعوب بصورة ثابتة وموثقة تعكس الحقيقة وتروي الحالة، هو وجدان ذلك الشعب أو تلك الأمة.
ذلك الوجدان نجد نقوشه المؤرِّخة ونعثر على تدويناته الحصرية في نتاجهم الأدبي الذي دوّنوه ومن خلال موروثهم النَّظمي الذي قرَّظوه.
وللوقوف على تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب في حقبة زمنية معينة فإن ذلك المعيار هو ما نعتمده في تناول الأمة اليمنية خلال القرون العشرة الأخيرة من تاريخها.
وعند تناول ذلك نجد محوراً واحداً يحتكر وجدان اليمنيين ويوحّد تجاربهم ويحكي أيامهم.
ذلك المحور هو الاغتراب والتهجير بما يحمله ذلك من معاني العذاب والبعد والتغييب والترك.
وليس ذلك مجرد موضوع عابر في الأدب والتراث اليمني بل إنه حكاية فصول متلازمة تاريخية وُجدت منذ مطلع القرن الرابع الهجري، كنتيجة حتمية لـ«الإمامة» وليس وحده ذلك الجانب الذي يدفع اليمنيون ثمنه عبر قرون.
تلك القرون هي الأسوأ في تاريخ اليمن واليمنيين.
لقد كان قدوم المدعو «يحيى بن الحسين الرسي» إلى اليمن في نهاية القرن الثالث الهجري بمشروعه الخاص المتمثل في استحداث دويلة مبنية على فكرة: «أنا خير منه»، وبرؤية: «لأغوينهم أجمعين»، وتحت لافتة: «الولاية»، وبنظرية: «قاتل بمن معك من خالفك».
ذلك المشروع الذي أدخل اليمن حقباً سوداء شُلّت خلالها الحياة في جوانبها الاقتصادية والثقافية واغتيل العقل، وطُمِرت ينابيع المعرفة وجُهّل المجتمع وأُصِّل للخرافة وحكمت نظرية القتل وفلسفة الاصطفاء عبر سلطات الدولة والدين والعرف.
ومنذ ذلك التاريخ ونتيجة لذلك التحول تعرّض اليمنيون لجوائح الهجرات والتهجير طلباً للنجاة وسعياً وراء ستر الحال وبحثاً عن فرص أرحب للحياة.
وبهذا لم تكن الهجرة والتهجير خياراً ثقافياً أو ترفاً إنسانياً لدى اليمنيين بل كانا استجابة قسرية لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي ليس ضاغطاً فحسب بل فاسداً وقاتلاً في الوقت نفسه.
تلك الهجرة المتوارثة وذلك الاغتراب المتراكم كانا وما زالا يمثلان رحلة نأي ذات أثمان قاسية.
فالمغترب لا يغادر المكان فقط بل يترك خلفه عالماً كاملاً ما بين أمٍّ ينهشها الانتظار وأبٍ يثقله الصمت وزوجةٍ تعيش على أمل العودة وأطفالٍ يكبرون في ظل الغياب ناهيك عن القلوب المتعلقة بالأحلام المؤجلة.
ومن هنا لم يكن الأدب اليمني إلا صدى حياً لهذا النزف الإنساني، ولهذا الجرح المستديم الذي تتوزع في ثناياه حُرَق اللوعات والأحزان وتتفجّر بسببه أنهار من الأسى وشلالات من الأشجان.
ففي تلك النصوص نسمع أنين البعد، ونلمس حرارة الشوق ونقرأ الرسائل التي تهز القلوب، وتفيض بصدق المكابدة.
هناك حيث تتكثف المشاعر حتى تكاد تُرى وتتحول الكلمات إلى دموع ناطقة، والحنين إلى حالة جمعية تتقاسمها الأرواح.
إنه أدب لا يكتفي بالسرد بل يصرخ ويئن ويبوح بما تعجز عنه الحياة اليومية.
وقد مارست الإمامة في حق اليمنيين لوناً أكثر قسوة وأشد بشاعة من الاغتراب لم يعرفه غيرهم من البشر البتة، تمثّل في ظاهرة «الرهائن» التي شكّلت الصفحة الأحلك والأكثر سوداوية في صفحات التاريخ الاجتماعي.
لقد كان ذلك الشكل من التغييب القسري تمزيقاً مباشراً لنسيج الأسرة واغتيالاً بطيئاً للأمل وتعذيباً نفسياً ممتداً يفتك بالأفراد والمجتمع على حد سواء.
وعندما بزغ فجر ثورتي سبتمبر وأكتوبر تعلّقت آمال اليمنيين بإمكانية الخلاص من هذه المآسي المركّبة.
وقد تحقق بالفعل إنجاز بالغ الأهمية تمثّل في إنهاء كابوس الرهائن وإعادة الاعتبار للإنسان اليمني وكرامته.
وانتصرت العدالة والمساواة وانتُزعت الحرية وأُعتق اليمني وانفك من الأغلال.
وقد كان ذلك التحول بمثابة عودة اليمني إلى الحياة بعد عبودية واختناق دامَا طويلاً.
لكن ورغم هذا التحول ظلّت الغربة قائمة وملازمة!.
فلم تختفِ بل تغيّرت أشكالها واستمر حضورها كآفة ملازمة ومتنقلة.
فما زال اليمني حتى وهو في وطنه معلّقاً بين مكانين: مكان يعيش فيه وآخر يسكنه!
وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة وهي أن يتحوّل الوطن في وجدان أبنائه إلى «محطة مؤقتة» وأن تغدو الغربة «وطناً آخر» لا يُرى لكنه يُعاش بكل تفاصيله!.
وإذا كان الاغتراب هو الهجرة وكانت الغربة هي التهجير. وإذا كان ذلك أحد منتجات الإمامة في اليمن فالجدير بالجميع التركيز على الجذور بتناول أصل المرض وعلّته ومصدره ولُبّه بدلاً من الاكتفاء بتناول أعراضه وآثاره ونتائجه.!!