آخر تحديث :السبت-07 نوفمبر 2026-06:47م

اغتيال محاولات التعافي في عدن والمحافظات.. من يحرك الخيوط؟

السبت - 07 نوفمبر 2026 - الساعة 03:36 م
محمد المسبحي


يتوزع وجدان المواطن في هذه البلاد بين دفتر ديون يزداد تضخم عند دكان الحارة وقلق يومي مقيم يخنق أنفاس رب الأسرة، وهو يحاول التوفيق بين رمق عيش لا يسدّ رمق ومتطلبات مدرسة وجامعة، وإيجار بيت يتهدد استقراره مع بداية كل شهر. وحين تجلس لتقرأ أرقام الدخل المتهالكة التي لا تتجاوز مئة وخمسين ألف ريال، مقارنة بحد أدنى للعيش المقبول يتطلب أضعاف هذا المبلغ في ظل هذا التردي المعيشي والغلاء الفاحش، تدرك على الفور أن ما يعيشه الناس هو موت بطيء يُفرض على مجتمع كامل، وسط عجز تام وتجاهل مريب من حكومات وسلطات متعاقبة أثبتت الأيام أنها لم تحقق لهذا المواطن الصابر سوى مزيد من الإحباط والخذلان. وكأن هناك إرادة خفية تصر على إبقاء هذا الشعب في دائرة الاحتياج وحالة من التعنت الداخلي والإقليمي تجعل أي محاولة للإصلاح مشروطة بتوجيهات تأتي من خلف الحدود، وكأن العقول الوطنية عاجزة عن إدارة شؤونها، أو أن قرار الانفراج لم يُؤذن به بعد.


لقد علمتنا تجارب السنوات القريبة أن معركة الإصلاح في هذا البلد لم تكن يوما معركة إمكانيات بقدر ما كانت صراع إرادات. وأستحضر هنا تلك اللحظة الفارقة قبل عامين، حين تولى رئاسة حكومة الشرعية رجل قادم ببرنامج حكومي صارم، مشهرا في وجه الفساد سيف القانون، وساعيا إلى تجفيف منابعه في مختلف القطاعات. كانت تلك الفترة المحدودة أشبه ببزوغ فجر جديد، بدأت فيه مؤسسات الدولة تستعيد بعضا من هيبتها المهدورة، وتعاد فيه الأموال الإيرادية إلى مجراها الطبيعي في البنك المركزي. غير أن هذا المسار اللامع سرعان ما اصطدم بقوى ومجموعات نفوذ ترى في انتشال الناس من العوز والفقر تهديدا لمصالحها وتجريدا لامتيازاتها. فبدلا من مساندة ذلك التوجه المؤسسي، تداعت الأحزاب والمكونات المتصارعة ظاهريا واتفقت في الخفاء على شن واحدة من أشرس حملات التسقيط والتحريض، في مفارقة عجيبة جعلت الخصوم التكتيكيين حلفاء في مواجهة مشروع الدولة. وحين غاب الصوت الشعبي الداعم، وسكت الشارع عن إنصاف من سعى لخدمته، مضت الأيام لتثبت أن الثمن كان غاليا، حيث ازدادت حياة المواطن بؤسًا، وتضاعفت وطأة الأزمات.


وما جرى بالأمس ينعكس اليوم بوضوح جلي في المشهد نفسه والتفاصيل ذاتها؛ فكلما برز وزير مخلص يريد السير على نهج الشرفاء ويبتكر حلا ينير ظلمات عدن والمحافظات المحررة، ويعيد الحياة إلى مرافقها الخدمية، وُضعت أمامه العراقيل وفُتحت في وجهه جبهات الإفشال المنظم، بل وتُضخ الأموال السخية لدعم أقلام ونشطاء مهمتهم الوحيدة مهاجمته والتشكيك في خطواته. نحن أمام متتالية تراكمت فيها الخيبات، تشبه إلى حد بعيد ذلك الجسد المريض الذي كلما تقدم طبيب حاذق لإنعاشه وإنقاذه، تكالبت عليه الفيروسات، وتضافرت العوامل لإبقاء حالة الاعتلال قائمة وقطع أسباب الشفاء.


وهنا تبرز الحقيقة القاسية التي ينبغي قراءتها بذكاء فالإرادة الخارجية، لو كانت صادقة في دعم الاستقرار والنهوض بهذا الوطن لما تركت الأدوات المحلية تعبث بمقدراته. لكنه الارتهان الذي يُراد منه إبقاء الجسد الإنساني حيا بحد أدنى من النبض، دون أن يملك القدرة على الوقوف على قدميه.


ومن هنا تنجلي الحقيقة المخيبة للآمال، التي لا يتطرق إليها الشك فالخارج المسؤول عن إدارة هذا المشهد، لو كان يريد لهذا البلد استقرار ونهوض حقيقي لترك الأيادي النزيهة تعمل، وسمح للمؤسسات بأن تتنفس. لكن الاستمرار في إدارة الأزمة، وإبقاء الجوع ورقة ضغط يكشف عن نهج يراد من خلاله إبقاء المواطن في دوامة البحث عن رغيف الخبز وشربة الماء هو الخيار المفضل لمن يمسكون بخيوط اللعبة، في مشهد تتواطأ فيه أطراف الداخل الحاكمة مع رغبات الخارج، لتظل المعاناة هي الثابت الوحيد في حياة الناس.