هل يكفي أن تطلق ميليشيا مسلحة صاروخًا على الكيان الصهيوني كي تصبح فوق النقد والمُساءلة، ويُغفر لها ما ترتكبه بحقّ شعبها؟ وهل تتحوّل القضية الفلسطينية، بكلّ عدالتها ومكانتها في وجدان العرب، إلى صكّ براءة يمنح أي ميليشيا حقّ قتل مواطنيها، وحصار مدنهم، ومصادرة دولتهم، ثم الادّعاء بأنها تمثّلهم؟.
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه أيّ نقاش جادّ مع الأشقّاء العرب حول اليمن والحوثيين. فاليمن ليس ساحةً بعيدةً يجوز النظر إليها من زاوية صاروخ عابر أو شعار مرتفع. اليمن شعب ودولة وتاريخ وثورة وجمهورية، وأحزاب وتنوّع اجتماعي وسياسي؛ ثقافة ورغبة في الحياة، وتطلّع إلى التطور والتقدّم والاندماج مع العصر والعيش بسلام بعيدًا عن الحروب، ولا تمثّله جماعة طائفية عنصرية سلاليّة، متخلّفة ورجعيّة، أدمنت الحروب واتخذت الحرب والسلاح وسيلة حياة، وهي مدعومة من إيران. وفيه ملايين الناس الذين لا يجوز أن يُطلب منهم التسليم لحكم جماعة مسلحة لمجرّد أنها ترفع شعار فلسطين أو تطلق صواريخ في اتجاه العدو "الإسرائيلي".
لنضع المسألة في صورتها الواضحة: هل يحقّ لأيّ ميليشيا في أي بلد عربي أن تطلب من شعبها القبول بحكمها، ولو قتلت الناس، وصادرت مؤسّسات الدولة، وفرضت سلاحها فوق الجيش والقانون، وصادرت الممتلكات، وفجّرت المساجد والمنازل، واعتقلت النساء، وجنّدت الأطفال، وحاصرت المدن، وأطلقت الصواريخ على المطارات والأعيان المدنيّة، وشرّدت الملايين بين نزوح ولجوء، فقط لأنّها رفعت شعار فلسطين أو أطلقت صاروخًا على "إسرائيل"؟ هل يمنحها ذلك حقّ الحكم أو الإعفاء من المحاسبة؟ الجواب البديهي هو: لا.
القضية الفلسطينية لا تبرّر اغتيال الدولة الوطنية العربية، ولا تبيح فرض حكم الميليشيات، كما فعلت إيران في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، ولا تعطي أحدًا تفويضًا بإذلال الناس. مقاومة "إسرائيل" لا تكون بتقليد أساليب الاحتلال "الإسرائيلي" ضدّ أبناء الوطن: حصار المدن، وتجويع السكان، وقتل المدنيين، وتدمير البيوت، ومصادرة الممتلكات، وإخضاع الناس بالعقاب الجماعي؛ وهي ممارسات تمارسها ميليشيا الحوثي في اليمن.
ومَن يرفض هذه الممارسات حين يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" بحقّ الفلسطينيين، لا يجوز له أن يتسامح معها حين تُمارس ضدّ اليمنيين. فالقيم والمبادئ واحدة لا تتجزّأ، وليست انتقائيةً تُختار بحسب الفاعل. ولا يتعارض ذلك مع إدراك أولويّة وخطورة العدو الصهيوني؛ لكنّه لا يعني القبول بممارساته إذا كان مرتكبها طرفًا آخر، ولو كان طرفًا محليًا.
وتعز شاهد يومي على هذه الحقيقة؛ فحصار الحوثي الطويل للمدينة وخنقه للطرق والإمدادات والخدمات، وما خلّفه من معاناة للمدنيين، يكشفان زيف مَن يتزيّن بشعار فلسطين وهو يمارس ضدّ مدينة يمنية بعض ما يُدينه العرب والعالم حين يمارسه الاحتلال ضد الفلسطينيين.
إنّ الحوثي لا يمثّل اليمنيين، ولا المذهب الزيدي، ولا منطقة بعينها؛ فكل هؤلاء جزء أصيل من الشعب اليمني. لكنّه يمثّل مشروعًا عسكريًا عقائديًا إقصائيًا، يستمدّ شرعيّته المزعومة من إحياء فكرة الإمامة، في صورتها الكاملة ولكن بأساليب أشدّ خطورة وفتكًا: تفضيل السلالة على المواطنة، والسلاح بديلًا من الدستور، والحقّ الإلهي المزعوم بديلًا من حقّ الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم.
والبُعد العنصري في هذا المشروع ليس مجرّد اتهام سياسي؛ فهو حاضر في أدبيّاته التي تقسّم الناس بحسب النسب، وتمنح فئةً منزلةً فوق بقية اليمنيّين، وفي لغته التي تتحدّث عن "السيد" و"السادة" وغير السّادة، وعن "القناديل" و"الزنابيل". وهو حاضرٌ أيضًا في الممارسة، حين تتقدّم رابطة السلالة على الكفاءة والمواطنة، وحين يتحوّل اليمني إلى تابعٍ في بلده، ويصبح حقّه في الحياة والوظيفة والحرّية مرهونًا بالسلالة أو بالولاء لجماعة تدّعي لنفسها امتيازًا فوق المجتمع.
ولهذا لا يصحّ اختزال الحوثي في كونه طرفًا سياسيًا عاديًا يختلف مع خصومه على السلطة. إنّه مشروع عسكري عقائدي لا يرى الدولة عقدًا وطنيًا بين مواطنين متساوين، بل غنيمة وسلطة حصرية. والفرق جوهري بين معارضة سياسية تقبل أن تخسر وتعود إلى النّاس، وبين ميليشيا لا تعترف بحقّ الناس في أن يختاروا مَن يحكمهم، لأنّها تعتبر حقّها في الحكم حقًّا إلهيًا موروثًا بالنّسب.
لم يرفض أحد في اليمن الحوار. فقد خاض اليمنيون واحدةً من أوسع تجارب الحوار الوطني في الوطن العربي، بمشاركة مختلف القوى السياسية والاجتماعية، وبينها الحوثيون أنفسهم. وحظي مؤتمر الحوار الوطني بإجماع يمني واسع، ورعاية عربية وإقليمية ودولية، وكان يفترض أن يقود إلى دستور وانتخابات ودولة تتسع للجميع.
لكنّ الحوثي لم يلتزم بالحوار ولا بنتائجه، كما لم يلتزم لاحقًا بالاتفاقات التي عقدها أو بالمشاورات التي شارك فيها. فمن اتفاق السلم والشراكة، إلى محادثات بييل، ومشاورات الكويت، وخريطة الطريق التي طُرحت برعاية الأمم المتحدة ودعم المملكة العربية السعودية ووافقت عليها الحكومة الشرعية، كانت الفكرة واحدة: وقف الحرب، واستعادة مؤسّسات الدولة، وترتيب تسليم السلاح، والانتقال إلى حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ ينتج عنه حلّ عادل للقضية الجنوبية، وانتخابات وسلطة تمثّل الجميع.
وقد دخلت الحكومة الشرعية والأطراف اليمنية تلك المراحل ملتزمةً بالمرجعيّات المتفق عليها، بينما ظلّ الحوثي يتعامل مع الحوار بوصفه وقتًا يكتسبه حتّى يعزّز موقعه العسكري ويفرض شروطه بالقوة.
لم يعد ممكنًا لحوارٍ أن يبدأ من داخل اليمن ما دامت الميليشيا قد عطّلت المؤسّسات التي يُفترض أن تدير ذلك الحوار، وخطفت الدولة التي يُفترض أن تحميَ نتائجه. ولا معنى للمواطنة مع جماعةٍ لا تقبل أن تكون طرفًا بين أطراف، بل ترى نفسها وصيةً على الجميع. الحوار الحقيقي لا يبدأ من مطالبة بقية اليمنيين بالتعايش مع سلاح الحوثي، بل من قبول الحوثي بالدولة، وبأن يكون السلاح في يد جيش يمنيّ واحد، وبأن يكون الدستور والانتخاب هما طريق السلطة.