آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-06:44م

من واشنطن إلى تل أبيب وأبوظبي.. هل بدأت مرحلة إعادة الحسابات في الشرق الأوسط؟

الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - الساعة 12:48 م
احمد سالم فضل


لم تعد التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مجرد أحداث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها أزمات عابرة، بل أصبحت مؤشرات على تحولات أعمق قد تعيد رسم موازين النفوذ والتحالفات في المنطقة، وتضع كثيراً من المشاريع السياسية والاستراتيجية أمام اختبار حقيقي.

ولعل ما جرى في الولايات المتحدة خلال الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر 2026، وما رافقه من فوز واسع للحزب الديمقراطي وسيطرته على مجلسي الكونغرس، يمثل إحدى أبرز الإشارات السياسية التي تستحق التوقف عندها، خصوصاً في ظل التراجع المتزايد داخل المجتمع الأمريكي عن بعض سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي مقدمتها الحرب على إيران ومستوى الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.

لقد جاءت هذه النتائج في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، التي اعتادت التعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره ركيزة ثابتة في حساباتها العسكرية والسياسية. وزاد من أهمية المشهد إعلان ترامب التوصل إلى تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، وهو إعلان يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.

ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انتهى، أو أن الكونغرس الديمقراطي أصبح قادراً على تغيير السياسة الخارجية الأمريكية بصورة فورية، لكنه يعني أن إسرائيل لم تعد تستطيع التعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره مسألة محسومة سياسياً وشعبياً، بمعزل عن التحولات داخل الولايات المتحدة.

جدعون ليفي.. قراءة من داخل المجتمع الإسرائيلي

في هذا السياق، يكتسب مقال الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي تناولته صدى نيوز تحت عنوان «يوم القيامة يحل مبكراً في إسرائيل وقد يكون بداية التغيير»، أهمية خاصة؛ ليس لأنه يمثل بالضرورة موقف المجتمع الإسرائيلي بأكمله، بل لأنه يعكس اتجاهاً نقدياً داخل إسرائيل يرى في تراجع الدعم الأمريكي فرصة لإعادة النظر في طبيعة المشروع العسكري والتوسعي الإسرائيلي.

يرى ليفي أن وقف المساعدات العسكرية الأمريكية، بالتزامن مع التحول في موازين القوى داخل الكونغرس، قد يدفع إسرائيل إلى تقليص أنشطتها العسكرية والاستيطانية والعدوانية، والتخلي عن العمليات الاستعراضية التي لا تحقق أهدافاً أمنية حقيقية، والتركيز بدلاً من ذلك على الاحتياجات الدفاعية الضرورية.

ويذهب في قراءته إلى أن إسرائيل اعتادت الاستفادة من المظلة العسكرية والمالية والدبلوماسية الأمريكية لتوسيع نطاق عملياتها، وأن تراجع هذه المظلة قد يجبرها على العودة إلى حدود أكثر واقعية في سياستها وقدراتها.

وهنا تكمن أهمية ما يطرحه ليفي: فالقضية لا تتعلق فقط بحجم المساعدات العسكرية، وإنما بمدى قدرة إسرائيل على مواصلة سياساتها الإقليمية في ظل تغير المزاج السياسي الأمريكي وتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة طبيعة العلاقة معها.

هل يتراجع المشروع الإبراهيمي أم يعيد ترتيب أوراقه؟

من واشنطن وتل أبيب، تتجه الأنظار إلى أبوظبي، باعتبارها أحد أبرز الأطراف العربية التي ارتبطت بمشروع اتفاقيات أبراهام منذ عام 2020.

لقد قدمت الإمارات العربية المتحدة التطبيع مع إسرائيل باعتباره مدخلاً إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، وراهنت على أن هذا المسار سيمنحها موقعاً متقدماً في معادلات النفوذ الإقليمي.

لكن السنوات الأخيرة، وما شهدته من حرب غزة واتساع المواجهات الإقليمية، كشفت عن تعقيدات هذا الرهان، وأوجدت فجوة بين الحسابات الاقتصادية والأمنية للتطبيع وبين تداعيات السياسات الإسرائيلية على الرأي العام العربي ومكانة القضية الفلسطينية.

وقد أشارت تقارير صحفية أمريكية إلى وجود تباينات واستياء داخل بعض الأوساط الإماراتية من السياسات الإسرائيلية، في الوقت الذي لا تزال فيه أبوظبي تعلن تمسكها باتفاقيات أبراهام، وتستند إلى المصالح التجارية والتعاون الأمني بين الطرفين.

وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل نحن أمام تراجع حقيقي في المشروع الإبراهيمي، أم أمام عملية إعادة تموضع وتكيّف مع المتغيرات الجديدة؟

الأرجح أن قراءة الموقف الإماراتي لا ينبغي أن تقوم على افتراض التخلي عن الاتفاقيات لمجرد تراجع الخطاب العلني أو انخفاض الحماسة السياسية في بعض المحافل. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بالصمت وحده، وإنما بما يحدث في الاتفاقيات والتعاون الأمني والتبادل الاقتصادي والمواقف الدبلوماسية.

ومع ذلك، فإن تغير البيئة السياسية الأمريكية والإقليمية قد يدفع أبوظبي إلى إعادة تقييم كلفة الارتباط السياسي بإسرائيل، وإلى تجنب تحمل تبعات سياساتها في المنطقة.

جنوب اليمن.. هل يعيد الحلفاء حساباتهم؟

أما في جنوب اليمن، فإن هذه التحولات تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مستقبل القوى السياسية التي ارتبطت بمشروعات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها القوى التي حظيت بدعم إماراتي خلال السنوات الماضية.

لقد أظهرت التطورات التي شهدها الجنوب خلال عام 2026 أن موازين النفوذ ليست ثابتة، وأن التحالفات التي تبدو راسخة قد تتعرض لاختبارات قاسية عندما تتغير الحسابات الإقليمية وتتصادم أولويات الأطراف الداعمة.

كما أن التباينات السعودية الإماراتية بشأن بعض الملفات الإقليمية، ومنها اليمن، كشفت أن لكل دولة حساباتها ومصالحها الخاصة، وأن التقارب في بعض الملفات لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى في جميع القضايا.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه بعض القوى الجنوبية ليس فقط ماذا سيحدث لمستقبل الدعم الخارجي، بل كيف يمكنها بناء مشروع سياسي يستند إلى قاعدة وطنية مستقلة، ولا يجعل مستقبلها مرهوناً بتغير أولويات العواصم الإقليمية أو الدولية؟

وهل ستبدأ هذه القوى مراجعة خطابها وتحالفاتها، والبحث عن مساحات أوسع للتوافق الجنوبي، أم ستظل تنتظر ما ستسفر عنه التفاهمات الإقليمية؟

إن الانتقال من مرحلة الاعتماد على الرعاية الخارجية إلى مرحلة بناء التوافق الوطني يتطلب مراجعة سياسية جادة، لا تقوم على تبادل الاتهامات أو القفز من تحالف إلى آخر، بل على استخلاص الدروس من التجارب السابقة.

السعودية ومعادلة الاستقرار الإقليمي

في المقابل، تبرز أهمية الدور السعودي في هذه المرحلة، ليس فقط باعتبار المملكة دولة محورية في الخليج والجزيرة العربية، وإنما باعتبارها طرفاً معنياً بصورة مباشرة بأمن اليمن واستقرار المنطقة وممراتها البحرية.

إن التحولات الأمريكية والإسرائيلية تفرض على دول المنطقة قراءة جديدة لمفهوم الأمن الإقليمي، بحيث لا يكون أمن أي دولة قائماً على حساب استقرار جيرانها، ولا تتحول التحالفات إلى أدوات لفرض مشاريع النفوذ أو إعادة تشكيل المجتمعات والدول وفق مصالح أطراف خارجية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي توجه نحو بناء تفاهمات إقليمية أكثر توازناً، تحترم سيادة الدول وتراعي مصالح شعوبها، يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة كثير من الأزمات، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية.

أما جنوب اليمن، فهو بحاجة إلى مشروع سياسي جامع يضع مصالح أبنائه وحقوقهم وتطلعاتهم في صدارة الأولويات، ويستفيد من العلاقات الإقليمية والدولية دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة في تفاوض الآخرين.

هل بدأ القارب يتغير اتجاهه؟

إن ما نشهده اليوم لا يعني بالضرورة أن إسرائيل فقدت حلفاءها، أو أن الإمارات بصدد التخلي عن اتفاقيات أبراهام، أو أن القوى الجنوبية المرتبطة بتحالفات خارجية قررت مغادرة مواقعها.

لكن المؤكد أن البيئة السياسية التي نشأت فيها تلك التحالفات لم تعد كما كانت، وأن نتائج الانتخابات الأمريكية، والتصريحات المتعلقة بالمساعدات العسكرية لإسرائيل، والنقاشات المتصاعدة داخل الولايات المتحدة، كلها عوامل تفرض إعادة تقييم الحسابات.

وقد يكون من المبكر الحديث عن نهاية مشروع إقليمي أو انهيار تحالفات، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كانت مرحلة جديدة من إعادة التموضع قد بدأت بالفعل.

ففي السياسة الدولية، لا ينتظر الحلفاء دائماً إعلاناً رسمياً بانتهاء التحالف حتى يراجعوا خياراتهم؛ أحياناً تبدأ المراجعة بتغيير الأولويات، وتخفيف الظهور، وإعادة ترتيب العلاقات، والبحث عن ضمانات بديلة.

إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستوعبه القوى السياسية في جنوب اليمن هو أن الرهان على المتغيرات الخارجية وحدها لا يصنع مستقبلاً مستقراً، وأن من لا يمتلك مشروعه الوطني المستقل سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة حساباته كلما تغيرت موازين القوى.

فهل نحن أمام بداية نهاية مرحلة سياسية إقليمية، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل التحالفات القائمة؟

ربما تكشف الأشهر القادمة الإجابة، لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة تستدعي قراءة مختلفة، وأن زمن التعامل مع التحالفات باعتبارها ثوابت لا تتغير قد أصبح موضع تساؤل.