حين يدعو الدين الإنسان إلى السير في آفاق الأرض والنظر في أسرار الكون، كيف يمكن أن يتحول إلى سلطة تُكمم الأفواه أو قيد يكبل العقل؟ وحين تقوم رسالته على الرحمة والرفق والتسامح، كيف تلتقي هذه المعاني مع سلطة تحرّم الكلمة وتمنع الرأي وتزرع الخوف في النفوس؟
تبدأ المأساة حين يتخلى التدين عن جوهره الروحي والأخلاقي ليرتدي درع الطغيان؛ فيراقب الضمائر، ويصادر المنابر، ويوزع تهم الانحراف وصكوك الاستقامة، وكأنه يملك تفويضًا إلهيًا. عندها، لا يعود الأمر دفاعًا عن الدين بقدر ما يصبح دفاعًا عن عروش بشرية تتحدث باسمه، وتقدم تصوراتها الخاص
ة بوصفها وحيًا يوحى.
إن خطورة «دين السلطة» لا تكمن فقط في أدوات القمع الظاهرة، بل في إشاعة النفاق الاجتماعي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي ليصبح المجتمع نفسه رقيبًا على ذاته؛ حيث يُستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن «صكوك الولاء»، وتتحول المخالفة الفكرية إلى جريمة يُحاكَم عليها الإنسان من المجتمع قبل القانون.
وما أقرب هذه الصورة من واقعنا المثقل بالوجع!
كم من كاتب تراجع عن نشر مقال لأنه أدرك أن كلماته قد تفتح عليه أبواب الملاحقة؟ وكم من شاعر تبرأ من قصيدة بعدما أُسيء فهم مجازها، فوجد نفسه متهمًا في دينه ووطنيته؟ وكم من صحفي دفع حياته ثمنًا لكلمة لم ترق لنظام أو تنظيم؟
لكل منا قناعاته التي يعتز بها، فمن الذ
ي أعطى فصيلًا منا مفاتيح السماء ليزعم أنه وحده على الحق؟ وأي دين هذا الذي يُحرّم الكلمة، ويرتجف أمام قصيدة أو رواية، ويرى في مجرد مقال صحفي تهديدًا له؟
لم يكن الاختلاف غريبًا عن تاريخ الفكر الإسلامي؛ فقد تعددت المدارس الفقهية، وظلت شاهدة على أن الاختلاف جزء أصيل من حركة الفكر. ولنا في تاريخنا مثال دالّ؛ حين رفض الإمام مالك بن أنس رغبة الخليفة المنصور في فرض كتاب «الموطأ» على جميع الأمصار، مستندًا إلى اختلاف الصحابة وتفرق علمهم في البلدان، وقال في الرواية المشهورة: «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم». فقد أدرك الأئمة الأوائل أن التعددية تيسير وتوسيع ورحمة، لا تهديد لجوهر الدين. فلماذا يضيق بنا اليوم ما اتسع له تاريخنا؟ ولماذا تواجه الكلمة بالبندقية لا بالكلمة؟
إن قداسة الدين واحترام الثوابت لا يمنحان أحدًا عصمة مزعومة تخوله محاكمة أفكار الناس، ووزن إيمانهم، واختزال الحقيقة في شخصه أو جماعته أو سلالته.
ويخبرنا التاريخ بما يحدث حين تجعل السلطة من العقيدة اختبارًا للولاء؛ فقد انتهت محاكمة سقراط بتجرعه السم، وكشفت محاكمة جاليليو عن الصدام بين المؤسسة الكنسية والحقيقة العلمية، وفي العصر العباسي تحولت «محنة خلق القرآن» إلى امتحان قاسٍ أُوذي فيه العلماء بسبب مواقفهم الفكرية. وعلى اختلاف هذه الوقائع، يجمع بينها خطر تحويل القناعات إلى أدوات للإخضاع وملاحقة المخالفين.
وحين نعود إلى القرآن الكريم، نجد أن حرية الاختيار حاضرة بوضوح في خطابه؛ يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَ
نَةِ﴾، ويقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾.
لسنا أوصياء على الآخرين، ولا حراسًا على العقول، ولا يملك أحد منا الحقيقة كاملة. فبأي مسوغ نريد للمجتمع أن يكون صوتًا واحدًا، يؤمن بما نؤمن به، ويردد ما نقول؟
فالحقيقة لا تخشى الحوار، والإيمان الذي يضيق بحرية التعبير يكشف عن خلل في فهم أصحابه له، لا عن خطر تمثله الآراء المخالفة. وربما تبدأ حاجتنا اليوم إلى استعادة الروح الأخلاقية للدين من إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان، وحقه في التفكير والتعبير والاختلاف.
ولكي لا تظل هذه المقالة مجرد تشخيص للأزمة، فإن تجاوزها يتطلب دعوة جادة لترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف بوصفهما حقًا أصيلًا وممارسة يومية، ومن الفصل بين الاختلاف في الرأي والتشكيك في دين الآخرين أو وطنيتهم.
إن الدين الذي جاء ليحرر الإنسان من أغلال الطغيان لا ينبغي أن يتحول إلى طغيان جديد. وحين يرتجف قلم كاتب خوفًا من التعبير عن رأيه، فهناك خلل يستدعي مراجعة فهمنا للدين وطريقة ممارستنا له. فلا يكفي أن نرفع الشعارات الجميلة بينما نحرم الآخرين من أبسط حقوقهم: أن يفكروا، ويعبروا عن أفكارهم، ويعيشوا بكرامة.
وهنا يتضح الفارق بين «سلطة الدين» التي تستمد مشروعيتها من القيم الأخلاقية والرحمة والإنسانية، ومن تحويل تلك المعاني إلى فِعل سياسي، و«دين السلطة» الذي يستمد بقاءه من الكهنوت والجبروت والظلم باسم الله.