منذ قرابة العقد والمواطن اليمني يمارس طقسه الوجودي المعتاد: يقف في طابور ممتد لشراء أسطوانة غاز، أو يبحث عن شبكة إنترنت تلتقط في زاوية الغرفة، ويتساءل بنبرة حالمة: "متى تنتهي الحرب؟". هو سؤال بريء، يشبه إلى حد كبير سؤال موظف حكومي متفائل عن موعد صرف راتبه المقطوع منذ عام 2016؛ فكلاهما يندرج تحت بند "الخيال العلمي". في كوكب الأرض، تولد الحروب ثم تموت أو تحال إلى التقاعد، إلا في اليمن؛ يبدو أن الحرب عثرت على وظيفة حكومية ثابتة بامتيازات خيالية وبدل طبيعة عمل، فقررت الاستقرار والعيش في تفاصيل حياتنا اليومية إلى الأبد.
المفارقة الساخرة اليوم ليست في استمرار المعارك، بل في مفعول "المسكنات والوعود السياسية المخدرة" التي تُضخ عبر الشاشات والمنصات. في كل جولة مفاوضات، تخرج البيانات الرسمية لتزف إلينا بشائر "الإنعاش الاقتصادي" وقرب تدفق الدعم وفتح الطرقات، ليتفاجأ المواطن في اليوم التالي بأن الشيء الوحيد الذي انتعش هو أسعار المواد الغذائية، والشيء الوحيد الذي فُتح هو ثقب جديد في جيبه الخاوي. لقد تحولت وعود السلام الإقليمية والدولية إلى "حقن بنج" موضعي، يزول أثرها سريعاً بمجرد أن يستيقظ ال
مواطن على أزمة مشتقات نفطية جديدة أو هبوط تاريخي جديد للعملة، ليعود إلى واقعه المرير يطارد لقمة العيش وسط ركام الوعود المتبخرة.
وإذا أردنا تفكيك المشهد الحوثي المعيشي بمسرحية كوميدية سوداء، سنجد أن المواطن أصبح مطالباً بتمويل كل شيء؛ فبينما تحولت الدولة ومؤسساتها إلى "إقطاعية خاصة"، يُطلب من الشعب الصابر دفع الضرائب، والجمارك المضاعفة، وإتاوات "المجهود الحربي"، وحتى تبرعات القوافل لمليشيا لا تعرف من وظائف الدولة سوى الجباية والتحشيد وتوزيع "الملازم والشعارات الكهنوتية المستوردة" كبديل للقمة العيش والخدمات الأساسية. النهاية هنا أصبحت مرتبطة بمعجزة اقتصادية تجعل المشرف الحوثي يدرك أن إدارة الأسواق والشركات لا تتم بعقلية سلب الغنائم وإدارة السجون والمخيمات الصيفية.
في المحصلة، يدرك المواطن اليمني المنهك أن حرب بلاده لن تنتهي بطاولات المفاوضات الناعمة التي تطبطب على كتف الانقلاب وتمنحه صكوك الشرعية، ولا بالوعود الورقية المخدرة التي لا تشتري كيساً من الدقيق. السلام الحقيقي لن يأتي بتقديم التنازلات لشرعنة الانقلاب، بل بفرض سلطة الدولة وسيادة القانون الصارم وتفكيك هذا المشروع الموالي لإيران الذي اقتات على تجويع الناس وأفرغ اليمن من استقراره وعمقه العربي . وحتى تقتنع المليشيا بأن الوطن ليس عقاراً معروضاً للمزايدة في طهران، سيظل المواطن يطلق النكات، ويمارس الصمود الساخر، منتظراً اليوم الذي يعود فيه اليمن سعيداً.. أو على الأقل، اليوم الذي يكتشف فيه أن الراتب لم يكن مجرد أسطورة من أساطير الأولين.