أحياناً كثيرة، تقف الكلمات عاجزة أمام فداحة السقوط المعنوي لشخصيات عُرف عنها النقاء والصلابة في وجه الباطل.
وحين يُصاب الرمز في مقتل، ويخطئ البوصلة، يصبح الألم مضاعفاً، والدهشة أشد وقعاً. ومن هنا، لم يكن غريباً أن نستحضر صرخة عنتر ابن شداد العبسي الخالدة:*يا خسارة بني عبس!!*
لنطلقها مدوية تعقيباً على مشهد بات يتكرر في زمن الردة الأخلاقية والتحولات المؤلمة.
*كبوة فارس أم سقوط في الفخ؟!*
لقد كان "بدوي الجبل" قامة وطنية وفكرية عودت جمهورها على الوقوف بصلابة رافضة للفساد والفاسدين، مجاهرة بكلمة الحق دون خوف أو مواربة.
غير أن المفاجأة الصادمة تمثلت في ذلك السقوط غير المبرر نحو التزلف والدفاع الصريح عن نموذج صارخ للفساد والبلطجة الذي طال معيشة البسطاء.
يصطدم المتابع بحالة من الذهول: كيف لرجل بمثل هذه القامة أن يقع في فخ الترويج لشخصية تحوم حولها شبهات فساد ثقيلة؟
هل هي مجرد "كبوة فارس" عابرة خدعته فيها المظاهر أو مقاطع فيديو مضللة؟
أم أن خيوط الخداع قد حِيكت بإتقان لتوقع بمن عهدناه حامياً للحق؟
إن السيرة الذاتية لشخصية "مقطع" -كما يرويها العارفون ببواطن الأمور- لا توحي سوى بالأسى.
فسيرته، بحسب الشهادات الموثقة، تبدأ من أروقة السمسرة العقارية في الحديدة، حيث أورث خاله أحمد العيسي قضايا شائكة، مروراً بفرضه إتاوات قسرية بقيمة خمسة ملايين ريال شهرياً من قِطَع رواتب جنود لواء الحماية الرئاسية، وصولاً إلى حراسة شركات العيسي في مصر، قبل أن يتوج مساره هذا بتعيينه قيادي لواء وُلد وترعرع في رحم "فيتامين واو" والوساطات غير الشريفة.
والكارثة الأكبر، والأشد إيلاماً لضمير أي إنسان حي، تكمن في الجريمة المُركبة المتمثلة في السطو على لقمة عيش الجنود، حيث لم يصرف لأولئك المرابطين سوى فتات يُقدر بثلاثة آلاف ريال يمني فقط!!
حتى الفساد، الذي عُرف به كثيرون، كان له أحياناً "حد أدنى" من الحياء يجعل أصحابه يتوارون خجلاً أو يمارسونه في الخفاء، لكن أن يصل الأمر حد المجاهرة بالاستهتار بأرزاق المستضعفين، فهذا ما يكسر كل قواعد الأخلاق والإنسانية.
*براءة البداوة ونقاء المبدأ.*
إن الانتماء لروح البداوة الحقة لا يُقاس بالأسماء والقباب، بل بالصفاء والنقاء، والصدق والوفاء، وقول الحق مهما كلف الأمر.
ولهذا جاء عتابنا موجعاً وصادقاً: "ماهكذا يابدوي الجبل تورد الإبل".
فالأموال المنهوبة والرواتب المقطوعة لم يُبنَ بها معسكر ولم يُشيد بها إنجاز وطني يستر عورة السارق، بل ذهبت هدراً في مسار التدمير الممنهج لأرزاق العباد.
وحين يتخلى القلم الشجاع عن دوره في نصرة المظلوم ليتحول إلى مبرر للجلاد، تفقد الكلمات قيمتها، وتصبح الخيانة المعنوية أشد قسوة من الخيانة المادية.
إن المشهد الوطني اليوم يعج بالمتناقضات، وحين تتوه بوصلة الأحرار، تصبح المسؤولية الأخلاقية مضاعفة في التنبيه والتقويم.
ويبقى السؤال المعلق برسم الحيرة والوجع: "إن كنت لاتدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم".
فهل يراجع "بدوي الجبل" حساباته ويستعيد صوته النقي الذي طالما انتصر للحق، أم أنه اختار بإرادته أن يغادر صفوف الشرفاء؟!
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.
*مازلت اثق بصديقي بدوي الجبل واراه انطلى عليه الأمر.*