يُقال في الموروث العربي: «تموت الحُرّة ولا تأكل بثدييها»، وهي مقولة تختصر معنى العزة والإباء ورفض الارتهان، مهما اشتدت الحاجة وضاقت سبل العيش. لكننا اليوم نعيش زمنًا اختلت فيه الموازين، حتى باتت الكرامة عند البعض عبئًا، والمبادئ سلعة، والتاريخ وسيلةً لتحقيق المصالح الشخصية على حساب الأوطان والشعوب.
المؤلم ليس أن يختلف الناس في آرائهم أو تتباين مواقفهم السياسية، فذلك أمر طبيعي في المجتمعات الحية، وإنما الكارثة أن يتحول الاختلاف إلى سوق للمصالح، وأن تصبح المبادئ أقنعةً يرتديها البعض أمام الجماهير، ثم يخلعونها حين تُعرض عليهم المكاسب، وأن تتحول التضحيات الوطنية إلى أوراق للمساومة، والتاريخ النضالي إلى بضاعة يتاجر بها من لم يصونوا أمانة الحاضر.
فما قيمة الأمجاد التي نتغنى بها إذا كنا نهدم بأيدينا القيم التي صنعتها؟ وما جدوى رفع شعارات الحرية والكرامة، إذا كان القرار مرهونًا، والضمير معروضًا للبيع، والمواقف تتبدل بتبدل المصالح؟
إن أخطر ما تواجهه الأوطان ليس الفقر وحده، ولا الأزمات السياسية والاقتصادية فحسب، بل أن يفقد المجتمع ثقته في معاييره الأخلاقية، فيُهمَّش أصحاب المواقف، ويُكافأ المتسلقون، ويُرفع الانتهازيون إلى مواقع لا يستحقونها، بينما يُترك الشرفاء والأحرار لمواجهة أعباء الحياة وحدهم.
وحين يصبح الوصول إلى المناصب والمكاسب أهم من خدمة الناس، وحين تُقاس قيمة الإنسان بما يملكه من نفوذ لا بما يقدمه من عطاء، نكون أمام خلل أخلاقي وسياسي لا تعالجه الخطب الرنانة، ولا تصلحه الشعارات الموسمية، بل يحتاج إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة والعدالة.
إن التاريخ ليس صكًّا مفتوحًا يمنح أحدًا حصانةً أبدية، ولا الأمجاد الماضية رصيدًا يبيح لأصحابها العبث بالحاضر. فالتاريخ يُحترم حين نتمسك بمبادئه، لا حين نتخذه ستارًا لتبرير الأخطاء. والوطن لا يُصان بكثرة الحديث عن التضحيات، بل بالوفاء لدماء من ضحوا، واحترام حقوق من صبروا، وصون كرامة المواطن الذي أنهكته الأزمات.
ولنا أن نتساءل: كيف يُطلب من المواطن أن يصبر على الفقر والحرمان، بينما يرى أبواب الامتيازات تُفتح للبعض، وتُغلق في وجه آخرين؟ وكيف نطالبه بالثقة في الشعارات، إذا كانت الوقائع تناقضها، والممارسات تكشف عكس ما يُقال؟
إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من المتحدثين باسمها بقدر ما تحتاج إلى من يحملون همومها بصدق، ولا تحتاج إلى من يستثمرون في ماضيها بقدر ما تحتاج إلى من يصنعون لها مستقبلًا يليق بتضحياتها.
أما الصمت، حين يصبح الأذناب سادة القوم، والانتهازيون في صدارة المشهد، والشرفاء خارج الحسابات، فقد يكون أحيانًا أبلغ من الكلام؛ ليس اعترافًا بالأمر الواقع، ولا استسلامًا للباطل، بل رفضًا لمنح العبث شرعيةً لا يستحقها. غير أن الصمت لا ينبغي أن يتحول إلى تخاذل أمام الظلم، ولا إلى تنازل عن الحق؛ فلكل موقف وقته، ولكل كلمة مسؤوليتها، وللحق رجال ونساء لا تُشترى ضمائرهم.
وفي الختام، ستبقى الكرامة أغلى من المناصب، والمبادئ أثمن من المكاسب، والأوطان أكبر من الأشخاص والمصالح الضيقة. وقد يخدع بريق السلطة بعض الناس، وقد يصفق الجمهور لمن يتصدر المشهد، لكن الأيام وحدها تكشف الفرق بين من خدموا أوطانهم، ومن اتخذوا الأوطان جسورًا لعبور مصالحهم.
وفي كل ذكرى وطنية، وفي كل عيد، نرفع أكف الضراعة إلى الله أن يعم السلام أرجاء اليمن الحبيب، وأن يرفع عن شعبه المعاناة، وأن يجمع أبناءه على كلمة الحق، وأن ينصر المظلوم، ويحاسب الفاسد، ويرد للإنسان كرامته، وللوطن عافيته.
فالأوطان لا تنهض بكثرة من يتغنون بأمجادها، بل بصدق من يصونون كرامتها، ولا يحفظ التاريخ أسماء المتاجرين به بقدر ما يحفظ مواقف الذين ظلوا أوفياء لمبادئهم حين أصبح الوفاء مكلفًا.