آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-12:26م

فتحي بن لزرق.. جبهة إعلامية غطّت على قصور وزارة الإعلام اليمنية خلال سنوات الحرب العشرة

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 09:47 م
د. غسان ناصر عبادي


د. غسان ناصر عبادي


ليست كل الجبهات ميادين قتال، فهناك جبهات تُدار بالكلمة، وتُخاض بالمعلومة، ويُصنع تأثيرها بقدرة الإعلامي على الوصول إلى الحقيقة وكشفها للرأي العام، ومن بين هذه الجبهات برز الإعلامي فتحي بن لزرق، الذي استطاع بإمكاناته الشخصية أن يصنع حضورًا إعلاميًا استثنائيًا، وأن يؤدي دورًا وطنيًا وإعلاميًا تجاوز حدود العمل الصحفي التقليدي، حتى أصبح أحد أبرز مصادر المعلومة وأكثر الشخصيات الإعلامية تأثيرًا في المشهد اليمني.


هذا الإعلامي الصغير سنًا، الكبير بتجربته وحضوره وتأثيره، استطاع أن يشق طريقه في عالم الصحافة، وأن يبني لنفسه مكانة إعلامية متقدمة، حتى أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين الإعلامي رقم واحد في اليمن.


ولم تأتي هذه المكانة من فراغ، بل كانت ثمرة حضور يومي فاعل، وشبكة واسعة من المصادر الإعلامية والمجتمعية المنتشرة في مختلف ربوع الوطن، فضلًا عن قدرته على بناء علاقات مباشرة مع المواطنين البسطاء الذين أصبحوا يمدونه بالمعلومات من قلب الحدث، وينقلون إليه تفاصيل الوقائع لحظة حدوثها، الأمر الذي منحه ميزة السرعة في الوصول إلى المعلومة، والتفاعل مع الأحداث قبل أن تتناولها كثير من المنابر الإعلامية.


وإذا أردت أن تقرأ المشهد اليمني وتتابع تفاصيله، فإن متابعة ما يكتبه فتحي بن لزرق تمنحك نافذة واسعة على ما يجري في مختلف المناطق اليمنية، فقد أصبح مصدرًا إعلاميًا يتابعه المواطنون بمختلف اتجاهاتهم، لما يتميز به من سرعة في نقل الأحداث وقدرة على الوصول إلى المعلومات.


ولعل من أبرز الشواهد التي لفتت انتباهي شخصيًا، ما يتعلق بإطلاق الصواريخ من قبل المليشيات الحوثية باتجاه العاصمة عدن، ففي بعض المرات كنت أقرأ منشورًا له على صفحته في الفيس بوك يتحدث فيه عن إطلاق صواريخ من منطقة محددة باتجاه عدن، وبعد دقيقتين أو ثلاث دقائق فقط، نسمع دوي الانفجارات والارتجاجات القوية التي تهز المناطق السكنية في العاصمة.


إن هذه التجربة تعكس أهمية سرعة تداول المعلومات ودقتها، ولا سيما عندما تتعلق بتهديدات تمس حياة المواطنين وأمنهم، كما تستدعي من الجهات المعنية التعامل بجدية مع المعلومات والمؤشرات المتاحة، والتحقق منها والاستفادة منها في اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بما يسهم في حماية المواطنين والحد من الخسائر البشرية.


لم يكن دور فتحي بن لزرق مقتصرًا على نقل الأخبار ومواكبة الأحداث، بل امتد إلى أداء دور إعلامي وطني في مواجهة المليشيات الحوثية، وكشف ممارساتها وانتهاكاتها، وتعريف المجتمع بخطورة هذه المليشيات وما تمثله من تهديد للدين والعرض والوطن.


لقد أدرك أهمية المعركة الإعلامية في مواجهة المليشيات، فوظّف منابره الصحفية والإعلامية لكشف حقيقتها، وفضح ممارساتها، ومواجهة محاولاتها للتأثير في الرأي العام، واضعًا المعلومة والكلمة في صدارة أدوات المواجهة الوطنية.


وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف أمامها، إذ كان من المفترض أن تضطلع وزارة الإعلام اليمنية الشرعية بهذا الدور بصورة مؤسسية ومنظمة، وأن تقود جبهة إعلامية وطنية فاعلة خلال سنوات الحرب العشرة، مستفيدة من الإمكانات المادية واللوجستية والمؤسسات الإعلامية المتاحة لها.


غير أن القصور في أداء هذا الدور، وعدم توظيف الإمكانات المتاحة بالشكل الذي تقتضيه طبيعة المعركة الإعلامية، أوجدا فراغًا إعلاميًا كان يفترض ألا يحدث في ظل حرب بهذا الحجم والتعقيد، وفي المقابل، استطاع فتحي بن لزرق، بإمكانات شخصية وجهود ذاتية، أن يسد جانبًا مهمًا من هذا الفراغ، وأن يؤدي دورًا إعلاميًا وطنيًا كان يفترض أن يكون في صدارة أولويات المؤسسة الإعلامية الرسمية.


وهذه ليست مقارنة بين إمكانات فرد وإمكانات مؤسسة فحسب، بل هي تساؤل مشروع عن مستوى المسؤولية الإعلامية التي أدتها الجهات الرسمية خلال مرحلة كانت فيها الكلمة والمعلومة لا تقلان أهمية عن أدوات المواجهة الأخرى.


ومن الجوانب المهمة في تجربة فتحي بن لزرق أنه لم يحصر عمله الإعلامي في تغطية الصراع والأحداث السياسية والعسكرية، بل فتح صحيفته الغراء وقناته وموقعه الإلكتروني أمام المواطنين البسطاء الذين يعانون الفساد والظلم وسلب الحقوق.


لقد وجد هؤلاء في منابره الإعلامية مساحة لإيصال أصواتهم، وعرض مظالمهم، وكشف ما يتعرضون له من تجاوزات، فكان صوتًا للمواطن الذي لا يمتلك وسيلة للدفاع عن حقه أو إيصال قضيته إلى الجهات المعنية.


وهذا الدور يعكس أحد أهم أبعاد الرسالة الإعلامية، فالإعلام الحقيقي لا يقتصر على نقل الحدث، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة المقصرين، وكشف الفساد، والانتصار للمظلوم، والدفاع عن حقوق المواطنين، ووضع القضايا العامة أمام الرأي العام.


ومن خلال هذه المنابر، استطاع فتحي بن لزرق أن يجمع بين مسارين إعلاميين مهمين: مواجهة المليشيات الحوثية وكشف ممارساتها، ومواجهة الفساد والظلم والانتصار لقضايا المواطنين، وهو ما منح تجربته حضورًا وتأثيرًا يتجاوزان حدود الصحافة الإخبارية التقليدية.


إن تجربة فتحي بن لزرق تقدم نموذجًا يستحق الدراسة في العمل الإعلامي، ليس فقط بسبب اتساع دائرة متابعيه أو سرعة وصوله إلى المعلومات، وإنما بسبب قدرته على تحويل الإمكانات الشخصية والعلاقات المجتمعية إلى شبكة إعلامية مؤثرة، استطاعت أن تفرض حضورها في مشهد شديد التعقيد.


لقد أثبت أن قوة الإعلام لا تُقاس فقط بحجم المؤسسات وميزانياتها وعدد مراسليها، بل بمدى قدرتها على الوصول إلى المعلومة الصحيحة، وسرعة نقلها، ومصداقية خطابها، وقربها من هموم المواطنين وقضاياهم.


ومن هنا، فإن الإشادة بتجربة فتحي بن لزرق لا تعني الإعفاء من تقييم أداء المؤسسات الإعلامية الرسمية، بل تعني إبراز تجربة فردية ناجحة تضع أمام تلك المؤسسات سؤالًا مهمًا: كيف استطاع إعلامي بإمكانات شخصية أن يحقق حضورًا وتأثيرًا إعلاميًا واسعًا، بينما لم تتمكن مؤسسة رسمية بما تمتلكه من إمكانات مادية ولوجستية من أداء الدور الوطني المأمول منها خلال سنوات الحرب العشرة؟


تحية تقدير للإعلامي فتحي بن لزرق، الذي جعل من الكلمة جبهة، ومن المعلومة سلاحًا، ومن منابره الإعلامية مساحة للدفاع عن الوطن والمواطن.


ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تخوض معاركها على جبهات القتال، كانت هناك جبهة أخرى تخوض معركتها بالكلمة وكشف الحقائق ومواجهة التضليل والفساد، وقد استطاع فتحي بن لزرق أن يكون أحد أبرز الوجوه التي حملت مسؤولية هذه الجبهة بإمكاناتها الشخصية وجهودها الذاتية.


وتبقى المسؤولية اليوم أمام وزارة الإعلام اليمنية والمؤسسات الإعلامية الرسمية أن تستفيد من هذه التجارب، وأن تعيد الاعتبار للمعركة الإعلامية، باعتبارها جزءًا أساسيًا من معركة استعادة الدولة وحماية المجتمع وصون أمن الوطن واستقراره.