آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-06:48م

العقيدة القتالية للجنوبيين ، من مدرسة "المبادرة الهجومية" إلى الحسم الميداني

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 05:23 م
أحمد سعيد كرامة


​تُشكل العقيدة العسكرية الجوهر الحقيقي لأي قوة مسلحة في العالم ، فهي ليست مجرد خطط تكتيكية تُطبق في ميدان المعركة ، بل هي المنظومة الفكرية والتنظيمية التي تحدد هوية الجيش وطبيعة تدريبه ونوعية تسليحه ، والأهم من ذلك كيف ومتى يقاتل .


​وتتنوع هذه العقائد حول العالم بين مدارس دفاعية تكتفي بحماية الحدود والعمق الاستراتيجي ، ومدارس هجومية ترتكز على نقل المعركة إلى أرض الخصم والمبادرة السريعة وإسقاط القوة خارج حدودها الجغرافية عند التهديد .


​ بُني جيش اليمن الديمقراطي الشعبي ( جنوب اليمن ) على عقيدة قتالية صلبة ومحترفة تميل بطبيعتها إلى الهجوم والمبادرة ، ولم تكن عقيدته دفاعية تقيدية في أي مرحلة من تاريخه .


​وقد انعكس ذلك الالتزام العسكري في انضباطه الصارم ومشاركته المباشرة وغير المباشرة في مسارح عمليات إقليمية ودولية متعددة منها :

المواجهات الإقليمية : خوض حروب ومناوشات عسكرية على جبهات متعددة لحماية حدوده وسيادته .

​المهام الخارجية العابرة للحدود :

• انخراط القوات الجنوبية في صراعات كبرى خارج القارة الآسيوية ودعماً للقضايا العربية والإقليمية مثل :

# مشاركة القتالية في حرب تشاد .

# الانخراط في الصراع الإثيوبي-الصومالي .

# وقوف إلى جانب الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير في بيروت عام 1982 لمواجهة الغزو الإسرائيلي .


​وعلى النقيض من ذلك ، اتسمت عقيدة جيش اليمن الشمالي بطابعها الدفاعي والاستعراضي ، حيث سعت القيادات السياسية والعسكرية حينها لإرسال ألوية من جيش اليمن الشمالي إلى جمهورية العراق لرفع الكفاءة والمهارات القتالية ، إلا أن تلك المحاولات تصادمت مع هشاشة البنية التنظيمية وافتقارها للعقيدة الهجومية المتماسكة .


​عند قراءة الخريطة العسكرية الدولية ، نجد أن معظم جيوش العالم—مثل اليابان والدول الإسكندنافية ، وغالبية الدول الأوروبية والخليجية ، تعتمد عقائد دفاعية تركز على الردع وحماية الأراضي .


في المقابل تمتلك دول مثل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عقائد هجومية تعتمد على المبادأة والتواجد العسكري العابر للحدود .


​إن تحويل العقيدة العسكرية لجيش ما من "دفاعية" إلى "هجومية" ليس مجرد قرار سياسي يُتخذ بين عشية وضحاها ، بل هو مسار استراتيجي شاق يستغرق سنوات طويلة ويحتاج إلى :

1. ​تعديل المنظومة التشريعية والدستورية الحاكمة للقوات المسلحة .

٢.

2. ​إعادة تأهيل العنصر البشري وتغيير ثقافة المؤسسة العسكرية .

3. ​تزويد الجيش بأسلحة وآليات هجومية نوعية .

4. ​بناء ترسانة متقدمة تشمل الغواصات ، الفرقاطات البحرية والقواعد العسكرية اللوجستية خارج الحدود .

٥.

​إن ما شهدته الساحة اليمنية خلال العقد الماضي يقدم برهاناً ساطعاً على الفرق الشاسع في المهارات القتالية و الجاهزية الميدانية بين مقاتلي جنوب اليمن وشماله ، رغم التفاوت الكبير في التعداد البشري وحجم السلاح التقليدي والنوعي لصالح الشمال الذين استحوذوا على كامل ترسانة جيش الجمهورية اليمنية .


​ويتجلى هذا الفارق في معيارين رئيسيين :

​1. الكفاءة القتالية وحجم التسليح

​لو توفرت للقوات المسلحة الجنوبية ترسانة حديثة تتضمن صواريخ باليستية متعددة المدى ، وطائرات مسيرة متطورة وآليات مدرعة وحديثة مزودة بكافة التجهيزات الحديثة وكاسحات ألغام متقدمة ، لتمكنت من تغيير المعادلة العسكرية وحسم المعارك الميدانية لصالحها في وقت قياسي .


​2. الدافع الذاتي مقابل التعبئة الجبرية

• ​في الجنوب : يندفع المقاتلون نحو جبهات القتال بشكل تطوعي وعفوي ، بدافع ذاتي ودفاعاً عن الدين والأرض والعرض ، دون الحاجة لإعلان "نفير عام" أو فرضه بالقوة .

•

• ​في مناطق سيطرة الحوثيين : يعتمد الحشد العسكري على التعبئة القسرية وشحن الأطفال والشباب عقائدياً للزج بهم في أتون المعارك دون رغبة حقيقية أو عقيدة عسكرية وطنية .


​إن العقيدة القتالية ليست مجرد شعار ، بل هي الإيمان بالقضية والجاهزية للتضحية والمبادرة . وما يظهره المقاتل الجنوبي اليوم هو امتداد طبيعي لتاريخ عسكري طويل بُني على الاحتراف والانضباط والقدرة على حسم المعارك مهما بلغت التحديات .


وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم