آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-06:48م

أسباب الحرب

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 11:29 م
هاني غيلان عبدالقادر


موجز الأنباء: صواريخ انطلقت، وقنابل سقطت، قصفٌ مدفعي استهدف مصنعًا ومبنى حكوميًا، ودُمّرت مدرستان وثلاثة مستشفيات. تقدّمت قواتنا ميلًا، ثم انسحبت ميلين. مائة قتيل، ومائتا جريح.


اسجدوا شكرًا: سجدنا.

احمدوا: يا ربنا، لك الحمد.

كبّروا: الله أكبر، الله أكبر.

اهتفوا: عاشت الحرب، ومات الشعب!

بصوت أقوى: عاشت الحرب، ومات الشعب!


يمرّ النبأ، وتتردّد التكبيرات، ونفرح بالانتصارات، ثم ينصرف الجميع إلى شؤونهم كأن شيئًا لم يكن.


تبدأ الحرب بالرصاص، لكن أخطر ما تنتهي به يحدث داخلنا؛ حين يصبح منظر الجثث مشهدًا نتعايش معه: أمٌّ تنتظر أبناءها الذين انقطعت أخبارهم في الجبهات، وطفلٌ تعلّم الخوف قبل الحروف، وأسرةٌ تغادر بيتها ولا تعرف إن كانت ستعود إليه.


لهذا أكتب. لا أملك إجابات عن أسباب الحرب، ولا أتوهم أن الكلمات ستوقفها. لكنني أخشى أن نعتاد ما كان ينبغي أن يوجعنا، وأن نفرح أحيانًا بما كان ينبغي أن نحزن لأجله، فنفقد قدرتنا على رؤية هول ما يحدث لنا كشعب ووطن.


أنا حميريُّ الهوى والجذور؛ تسكنني عدن ببخورها وبحرها، وتعز بجبالها وآثارها، وصنعاء ببيوتها القديمة وقمريّاتها، ومأرب بما تحفظه من شواهد حضارية. فلكل مدينة خصوصيتها ولهجتها وملامحها، لكنها جميعًا أجزاء من حكاية يمنية واحدة.


أعتز ببلدي، لكنني لا أريد أن أختبئ خلف التاريخ كلما أخفقنا في الحاضر. فما قيمته إذا كان أطفال اليوم يُحرمون من التعليم والعلاج، وكان المعلم ينتظر راتبًا يطعم به أسرته فلا يجده؟ ينبغي أن يمنحنا الماضي دافعًا لبناء المستقبل، لا أن يتحول إلى عزاء وسلوى.


أرى الحرب في رب أسرة يحاول إخفاء عجزه عن أولاده، وفي نازح يعود بعد سنوات إلى الحي الذي نشأ فيه، فلا يجد بيته، وإن بقيت بعض جدرانه قائمة. أراها في جريح لا يجد ما يزيل ألمه، ومعتقل لا يعرف أهله مكانه. تستطيع الأرقام أن تحصي الضحايا، لكنها لا تخبرنا كم بيتًا خلا من أصحابه، وكم حلمًا انطفأ، وكم سنة سُرقت من أعمارنا.


ومع امتداد الحرب، أخشى أن نفقد قدرتنا على رؤية بعضنا شركاء وطن واحد. فإذا ورّثنا أبناءنا أحقادنا، فلن تنتهي الحرب بإسكات البنادق؛ ستنتقل إلى قلوبهم، ويكبرون وهم يرون الآخر عدوًّا قبل أن يروه زميل دراسة.


لهذا لا يكفينا أن تتوقف الحرب فقط. علينا أن نسأل: أي حياة تنتظرنا بعدها؟ فقد تصمت المدافع، ويبقى المواطن تحت رحمة الفساد، ثم يُطلب من الناس أن يسمّوا ذلك سلامًا وتغييرًا.


نريد دولة تحمي مواطنيها ولا يخافونها، وتتاح فيها الوظائف على أساس الكفاءة، ويختار الناس حكامهم ويحاسبونهم. نريد مدرسة ومستشفى يليقان بأطفالنا، وراتبًا يصل في موعده، وصحافة لا تصبح فيها الكتابة تهمة. نريد مسؤولًا يدرك أن منصبه مسؤولية، وأن المواطن صاحب حق، لا تابع يستجدي العطف.


نريد..، ونريد..، هذه ليست مطالب مؤجلة إلى ما بعد انقضاء أعمارنا. كيف يُطلب منا الصبر إذا لم نرَ في المستقبل ما يستحق الانتظار؟ وكيف يُطلب منا التضحية لوطن نراه يتدمر أمام أعيننا؟


وحين يُستخدم الدين لتبرير التخوين، وتُرفع الشعارات لدغدغة العواطف وتبرير القمع، يفقد التدين معناه. لسنا بحاجة إلى أن نتشابه كي نعيش معًا، ولا إلى أن يتخلى أحد عن قناعاته؛ نحتاج إلى الاعتراف بحق الاختلاف، وألّا يحتكر فريق منا الحقيقة أو يتعامل مع السلطة كأنها ملكه الخاص.


أشعر بثقل هذه الأسئلة حين أعود متعبًا، فتستقبلني ضحكات طفلتيَّ. أفكر في المستقبل الذي أريده لهما؛ مستقبل لا تضطر فيه الطفولة إلى التعايش مع الحرب، ولا يكبر فيه الأطفال وهم يظنون أن القصف والقتل قدر لا مفر منه.


خلف كل رقم إنسان له اسم وبيت وأحلام وأشخاص يهتمون به. وخلف كل قرار بالحرب عائلات تدفع من أعمارها ثمنًا لشيء لم تختره. لذلك لا يكفي أن نعرف من قتل أكثر، ومن تقدّم ومن خسر. علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا أبقت الحرب من إنسانيتنا وأخوتنا وعاداتنا؟ وماذا سنفعل كي لا يرث أبناءنا الكراهية؟


سأظل أسأل، وأسأل، لأن الصمت قد يجعل المأساة تبدو أمرًا عاديًا. ولأنني، رغم كل ما أصاب الوطن، ما زلت أؤمن بالمستقبل؛ مستقبل لا نحتاج فيه إلى الاحتفال بأعداد القتلى كي نشعر بأننا انتصرنا، ولا نكتفي فيه بغياب الرصاص بينما أسباب الحرب حاضرة.