آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-06:48م

الخضوع المقدس

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 11:36 ص
هاني غيلان عبدالقادر


ليست نقاط التماس خطوطا على خريطة فحسب، إنها طرق انقطعت، وعائلات تفرقت، وأناس صار الوصول إلى بعضهم مغامرة محفوفة بالمخاطر. خلف الحواجز، لا تزال المباني تحمل آثار القصف، والقبور تحفظ حكايات الذين خرجوا ولم يعودوا. في مدينة يعرف أهلها أحياءها وأسواقها ومعالمها، صار الانتقال من مكان إلى آخر رحلة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

الحرب في تعز ليست معركة على الأرض وحدها، إنها صراع على حق أهلها في أن يعيشوا بلا خوف أو وصاية. وحين يفرض على المدينة واقع بالقوة، لا تقتصر الخسارة على الجغرافيا، بل تمتد إلى حق أبنائها في التعليم، والحصول على الخدمات، والتنمية، والعدالة، وحرية الصحافة. عندئذ يتجاوز السؤال حدود من يحكم المدينة، ليطال حق أهلها في تقرير مصيرهم، والجهة التي تمنح نفسها سلطة مصادرة هذا الحق تحت يافطات دينية أو ثورية.

لكن فهم ما يجري في اليمن لا يبدأ من خطوط المواجهة وحدها، بل من حياة المواطن الذي ضاقت به سبل العيش. فاليمنيون يعانون من تراجع الخدمات، وانقطاع الرواتب، واتساع رقعة العوز. وفي بلد كهذا، لا يكون السؤال الأهم ماذا يطلب من الناس أن يقدموا للسلطة، بل ماذا تقدم السلطة لهم، وكيف تستجيب لحاجاتهم، وأي مستقبل تضعه أمامهم.

حين تعجز السلطة عن توفير أبسط مقومات الحياة، لا تستطيع الأيديولوجيا وحدها احتواء الغضب المتزايد. فالذي ينتظر راتبه، ويبحث عن دواء لطفله، ويقف عاجزا أمام ارتفاع الأسعار، لا يحتاج إلى خطاب جديد عن القضايا الكبرى بقدر ما يحتاج إلى أن يرى أثر السلطة في حياته. وحين تتأخر الاستجابة لهذه الاحتياجات، قد يتحول التصعيد الخارجي أو الانخراط في صراعات تتجاوز حاجات الناس إلى وسيلة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية، ونقل النقاش من مسؤوليات السلطة إلى واجبات التعبئة والطاعة.

هنا تتجلى المفارقة: لا يدفع المواطن ثمن الفقر وتراجع الخدمات فحسب، بل يطلب منه أيضا أن يتحمل كلفة صراع يضاعف معاناته، وأن يتعامل مع حرمانه باعتباره تضحية ضرورية في سبيل قضية أكبر. ومع الوقت، تتحول الشعارات إلى غطاء يحجب السؤال عن النتائج، وتستبدل محاسبة السلطة بمطالبة الناس بالصبر على إخفاقاتها. وحين يصبح الاعتراض موضع تخوين، يجد الإنسان نفسه بين خيارين: الصمت أو مواجهة تهمة الوقوف في الجانب الخطأ.

في تعز، أسبغ على القصف والحصار، في خطاب بعض مبرريهما، غطاء من الشعارات التي ترفعهما إلى مرتبة الجهاد المقدس، حتى بدا تجويع المدينة ثمنا ينبغي دفعه لإخضاعها، لا ظلما يستوجب الرفض. وحين يمنح القمع غطاء دينيا، لا يتغير اسمه فحسب، بل يتغير أيضا ما يسمح للناس بالاعتراض عليه.

لكن الجوع لا يفهم لغة الشعارات. تحت الحصار ومع شح المواد الأساسية، تصبح كل وجبة محسوبة، وكل مشوار مخاطرة، وكل طريق احتمالا للفقد. قد يخرج المرء لقضاء حاجة بسيطة، ثم يعود بخبر موت شخص يعرفه، أو لا يعود على الإطلاق.

حتى الوداع تغير معناه. يتعانق قريبان قبل أن يسلك كل منهما طريقا مختلفا، ويقول أحدهما للآخر: ادع لي، وسأدعو لك، ثم يفترقان من غير ضمان بأن يلتقيا مرة أخرى. لم تعد العبارة مجرد دعاء عابر، صارت تعبيرا عن حياة يهدد فيها الحصار أبسط اللقاءات، ويحول الوصول إلى الأهل إلى أمر لا ضمان له.

ومع مرور الوقت، باتت الرواتب والخدمات والرعاية الصحية ورغيف العيش تواجه بعبارة: أولويات المعركة. لكن الشعار لا يجيب عن السؤال: أي معركة تتسع خرائطها كلما ضاقت موائد الناس؟ وأي نصر يمكن أن يشبع طفلا ينام جائعا، أو يعيد راتبا تنتظره أسرة؟ حين تؤجل احتياجات الناس بلا نهاية، لا تعود أولويات المعركة تفسيرا للعجز، بل ذريعة لتأجيل المسؤولية.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين يحاصر إنسان باسم فك حصار إنسان آخر، وحين تستدعى مآسي الماضي لتبرير مظالم جديدة. فالضرر لا يقف عند الجوع والخوف، بل يمتد إلى علاقة الناس بعضهم ببعض. ينشأ جيل لا يعرف عن أبناء المحافظة الأخرى إلا ما يسمعه عنهم من تحريض، فيتحول الاختلاف السياسي من واقع يمكن التعايش معه إلى سبب للعداء.

وحين يتسلل هذا التحريض إلى البيوت، لا يبقى مجرد كلام يسمع في الشوارع، بل يتحول إلى خوف يتعلمه الأطفال قبل أن يعرفوا حقيقة الذين يطلب منهم أن يخافوهم. ومع ذلك، تظل تعز أعمق من محاولات التمزيق، بتاريخها وثقافتها وهويتها التي لا تستطيع أبواق التحريض محوها بسهولة.

ولعلنا نقترب من بعض وجوه هذه المعاناة إذا تخيلنا ما قد يجري داخل أحد بيوت النازحين في تعز.

في غرفة ضيقة عند أطراف تعز، جلست أم لثلاثة أطفال أمام نافذة بلا زجاج. كان البرد يتسلل منها، ولم تكن تملك سوى بطانيات قليلة ولوح خشبي تحاول به سد الفجوة وحماية أطفالها من ليل لا تعرف ماذا يحمل.

منذ استشهاد زوجها، صارت تتولى وحدها تدبير الطعام ورعاية أبنائها، وتحاول إقناعهم بأن الغد قد يكون أقل قسوة. لكنها كانت، في بعض الليالي، تعجز حتى عن إقناع نفسها بذلك.

رفعت اللوح وحاولت تثبيته في إطار النافذة. لم يكن مناسبا تماما، بقيت فجوة صغيرة، لكنها ضغطت عليه بيدها حتى استقر. عندها جاءها صوت طفلها:

متى ستصلحين النافذة يا أمي؟

كان سؤالا عن النافذة، لكنها سمعت فيه أسئلة أخرى: أين المدرسة؟ وأين أبي؟ ومتى سيعود البيت بيتا؟ ومتى ننام دون خوف؟

لم تجبه. لم تكن تعرف كيف تشرح لطفل أن بعض الأشياء لا تصلح لأن ما يلزم لإصلاحها غير متاح، وأن الطمأنينة التي يبحث عنها لا يمكن تثبيتها بلوح خشبي.

على الطاولة، كان هناك رغيف واحد. أخذته وبدأت تقسمه ثلاثة أجزاء، ثم وضعت أمام كل طفل نصيبه. انشغلوا بالأكل، فيما بقيت تراقبهم بصمت. كانت تعرف أن الجوع سيعود قبل أن ينتهي الليل، لكنها لم تكن تملك ما تضيفه إلى المائدة. وضعت يدها على بطنها، كأنها تخشى أن يفضحها جوعها أمام أطفالها.

في الخارج، دوى قصف بعيد، فرفع الصغير رأسه عن الطعام. التفتت الأم إلى النافذة، كان اللوح ثابتا، لكن الفجوة بقيت مفتوحة، والبرد يتسلل منها كما لو أن الليل وجد طريقه إلى الغرفة رغم كل ما فعلته.

بعد أن نام الأطفال، بقيت الأم مستيقظة. أخرجت ورقة وكتبت عن زوجها، كعادتها، كي لا يتحول إلى رقم آخر في إحصاءات القتلى. كتبت اسمه، واستعادت صوته، وتذكرت كيف كان يجلس إلى جوارها حين تضيق بها الأمور، ويشاركها التفكير حتى في أبسط القرارات. الآن، صار عليها أن تواجه كل شيء وحدها.

لم تكن تبحث عن انتصار، ولا تنتظر من أحد أن يشرح لها عدالة الحرب. كانت تريد نافذة سليمة، وبطانية تكفي أطفالها، ورغيفا آخر، وليلة لا تخاف فيها من القصف. كانت تريد أن يعيش أبناؤها دون أن تخشى عليهم من الجوع والبرد والموت.

لكن أبسط حقوق الإنسان قد تصبح مستحيلة في زمن الحرب، ثم يطلب منه أن يتقبل حرمانه باسم الحرب نفسها. حينها لا تعود القضية الكبرى مبررا كافيا للصمت، فالقيمة الأخلاقية لأي قضية تتوقف على ما تتركه للناس من كرامة وحقوق، لا على ما تطلبه منهم من تضحيات.

إن تقديس المعركة لا يجعلها مقدسة، ورفع شعار ديني أو وطني لا يعفي أحدا من المسؤولية عن أفعاله. فالحروب لا تقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تتركه للناس من حقوق وكرامة. وإذا كان الحصار قد حرم أهل تعز من مقومات الحياة، فإن تبريره باسم الله يضيف إلى معاناتهم مطالبة لهم بأن يروا الظلم واجبا، والاعتراض عليه خطيئة.

لا يحق لأحد أن يذل الناس أو يحاصرهم أو يكمم أفواههم باسم المقدسات. وليست كلمة لا خيانة للدين أو الوطن، إنها رفض لتحويلهما إلى ذريعة للظلم. وحين يطلب من الإنسان أن يقدس من يؤذيه، أو أن يركع لمن ظلمه، فإن حقه في الرفض يصبح أول ما ينبغي إنقاذه.

فليس كل خضوع إيمانا، وليس كل صمت وطنية.