آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-03:21م

تدير الحكومة ظهرها في رواتب المتقاعدين وتتركهم لمواجهة الفقر برواتب اقل من مائة ريال سعودي في الشهر

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 02:33 م
محمد احمد النعماني


اليوم مررت بجانب أحد محلات الصرافة في عدن فتوقفت عيناي أمام مشهد مؤلم.

طوابير طويلة من كبار السن والمتقاعدين الذين يقفون لساعات في انتظار استلام معاشاتهم الشهرية.

والله إن المشهد لا يحزنني بسبب الطوابير وحدها بل بسبب ما تحمله هذه الطوابير من حكاية مؤلمة عن رجال أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن ثم وجدوا أنفسهم في آخر العمر أمام معاشات لا تكاد تكفي لتوفير أبسط احتياجات أسرهم.

هؤلاء ليسوا متسولين ولا يبحثون عن صدقة من أحد بل كوادر وموظفون وعمال خدموا الدولة سنوات طويلة وكانوا في يوم من الأيام عماد المؤسسات والمرافق الحكومية.

هؤلاء من حقهم اليوم أن يعيشوا بكرامة وأن يجدوا ما يسد احتياجاتهم بعد سنوات العمل والعطاء.

لكن أي كرامة يمكن أن يوفرها معاش لا يتجاوز خمسة وعشرين ألف ريال أو أربعين ألف ريال أو حتى ستين ألف ريال في الشهر؟

ماذا يستطيع رب أسرة أن يفعل بهذا المبلغ في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات والأدوية والمواصلات وفواتير الخدمات؟

وكيف يمكن لرجل متقاعد أن يعيل أبناءه ويواجه متطلبات الحياة بهذا الدخل المحدود؟

إنها معادلة مستحيلة بكل المقاييس فالمتقاعد لا يستطيع أن يوقف احتياجات أسرته حتى نهاية الشهر ولا يستطيع أن يطلب من صاحب البقالة أو الصيدلية أن ينتظر حتى تتحسن أوضاع البلاد.

الأكثر إيلاما أن كثيرا من هؤلاء المتقاعدين وصلوا إلى هذه الحال بعد سنوات من الخدمة ثم جاءت حرب عام 1994 وما تبعها من إجراءات الإقصاء والتقاعد القسري بحق أعداد من موظفي الدولة في الجنوب لتزيد معاناة كثير من الأسر وخاصة في تلك المرحلة التي ارتبطت بالخصخصة والتصرف في مؤسسات ومرافق حكومية كانت تمثل مصدر رزق لآلاف العاملين.

والسؤال أين الحكومات اليمنية المتعاقبة من معاناة هؤلاء؟

لماذا يتفرجون على اوضاع المتقاعدين ورواتبهم؟

أليس للمسؤولين أسر وآباء وأمهات؟

ألا يعرفون كم أصبحت تكاليف الحياة؟

ألا يرون كبار السن وهم يقفون في طوابير الصرافة للحصول على مبلغ لا يكاد يكفي أياما قليلة؟

كيف يمكن أن نتحدث عن الإصلاح الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة بينما لا تزال رواتب شريحة واسعة من المتقاعدين بعيدة عن الحد الأدنى الذي يوفر حياة كريمة؟

والحقيقة إن إصلاح أوضاع المتقاعدين ليس منّة من الحكومة ولا هبة من مسؤول بل هو حق مستحق لمن خدموا الدولة وأفنوا سنوات عمرهم في العمل والإنتاج. ومن غير المقبول أن تظل رواتبهم أسيرة أرقام قديمة بينما تتغير الأسعار كل يوم وتتآكل القدرة الشرائية للعملة بصورة مستمرة.

نحن لا نطالب المستحيل بل نطالب بالإنصاف.

نطالب بمراجعة عاجلة وجادة لرواتب المتقاعدين بما يتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية.

نطالب بوضع حد أدنى عادل للمعاشات يحمي كبار السن وأسرهم من الفقر والعوز.

نطالب بمعالجة أوضاع المتقاعدين قسرا وإنصاف من تضرروا من إجراءات الماضي وفق القانون والحقوق المستحقة.

وعلى الحكومة والجهات المختصة أن تضع ملف المتقاعدين في مقدمة أولوياتها لا أن تتركه حبيس التصريحات والوعود واللجان التي لا تنتهي أعمالها إلى حلول ملموسة.

إن المتقاعد الذي يقف اليوم أمام محل الصرافة ليس رقما في كشف الرواتب ولا عبئا على خزينة الدولة بل هو إنسان له كرامته واحتياجاته وتاريخه وأسرته التي تنتظر منه أن يوفر لها لقمة العيش.

ارحموا كبار السن يا مسئولي الدولة قبل أن تضطرهم الحاجة إلى طرق أبواب لا تليق بتاريخهم وتضحياتهم.

فالدولة التي لا تنصف من خدموها في سنوات شبابهم مطالبة بأن تراجع حساباتها قبل أن تتحدث عن العدالة الاجتماعية والوفاء للموظفين.

وأختم بسؤال أضعه أمام كل مسؤول في الحكومة

لو كان والدك أو أخوك أو أحد أفراد أسرتك يعيش على معاش لا يتجاوز خمسة وعشرين ألف ريال في الشهر فهل كنت سترضى له بهذه الحياة؟

إذا كانت الإجابة لا فكيف ترضونها لآلاف المتقاعدين الذين خدموا هذا الوطن؟

تحية إجلال لكل متقاعد شريف أفنى عمره في خدمة وطنه وما زال يصارع الحياة بصبر وكرامة وباذن الله يفرجها الله