آخر تحديث :الإثنين-19 أكتوبر 2026-11:18م
ملفات وتحقيقات

الخلايا الحوثية النائمة في المحافظات المحررة.. الخطر الذي يتحرك خلف الجبهات وكيف يمكن للأجهزة الأمنية مواجهته؟ (تحليل سياسي)

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - 05:45 م بتوقيت عدن
الخلايا الحوثية النائمة في المحافظات المحررة.. الخطر الذي يتحرك خلف الجبهات وكيف يمكن للأجهزة الأمنية مواجهته؟ (تحليل سياسي)
المصدر: (عدن الغد) تحليل سياسي:

في الوقت الذي تخوض فيه القوات المسلحة اليمنية مواجهات عسكرية واسعة مع ميليشيا الحوثي على امتداد عدد من الجبهات، تبرز في المحافظات المحررة تحديات أمنية لا تقل أهمية عن المواجهات العسكرية المباشرة، وفي مقدمتها خطر الخلايا الإرهابية النائمة التي قد تسعى إلى تنفيذ عمليات اغتيال وتفجير وتخريب، وجمع المعلومات الاستخباراتية، واستهداف القيادات العسكرية والأمنية، وإرباك الاستقرار الداخلي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

ولا تقتصر خطورة هذه الخلايا على قدرتها المحتملة على تنفيذ هجمات مسلحة، بل تمتد إلى طبيعة عملها السري، وقدرتها على التخفي داخل المجتمعات، واستغلال الثغرات الأمنية والإدارية، والانتظار حتى تتوافر الظروف المناسبة لتنفيذ عمليات قد تكون لها تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية واسعة.

ومع تصاعد المواجهات العسكرية منذ مطلع سبتمبر 2026، تصبح مسألة حماية الجبهة الداخلية أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن أي تصعيد عسكري قد يترافق مع محاولات من الأطراف المتحاربة لتوسيع نطاق المواجهة إلى المناطق الخلفية، سواء عبر الهجمات المباشرة أو الأنشطة الاستخباراتية أو عمليات التخريب.

وفي الحالة اليمنية، فإن الحديث عن خطر الخلايا المرتبطة بميليشيا الحوثي يستدعي التمييز بين ما ثبت بالأدلة من أنشطة أمنية معادية، وما يزال في نطاق الاحتمالات التي تتطلب التحقيق. غير أن غياب المعلومات العلنية عن بعض التهديدات لا يعفي الأجهزة الأمنية من مسؤولية الاستعداد لها، ووضع خطط استباقية لمواجهتها وفق القانون.

فالخلايا النائمة، من حيث المفهوم الأمني، ليست بالضرورة مجموعات مسلحة تتحرك بصورة ظاهرة، وإنما قد تكون أفراداً أو شبكات تعمل في الخفاء، وتتلقى التعليمات أو التمويل أو الدعم من جهات مرتبطة بالصراع، وتنتظر توقيتاً مناسباً للقيام بأنشطة غير مشروعة.

وقد تتخذ هذه الأنشطة صوراً متعددة، منها جمع معلومات عن المواقع والمنشآت، أو تقديم تسهيلات لعمليات تخريبية، أو نقل أموال بطرق غير قانونية، أو المشاركة في التخطيط لاعتداءات تستهدف الأمن العام. ولا يمكن الجزم بوجود شبكة محددة أو ارتباطها بجهة بعينها إلا من خلال أدلة وتحقيقات موثوقة.

إن أخطر ما في هذا النوع من التهديدات أنه قد لا يظهر إلا عند وقوع الجريمة، وهو ما يجعل الاقتصار على الإجراءات الأمنية اللاحقة أمراً غير كافٍ. فالأجهزة الأمنية مطالبة بتطوير قدرتها على منع الهجمات قبل وقوعها، من خلال العمل الاستخباراتي المشروع، وتحليل المعلومات، وتبادلها بين المؤسسات، والتحقيق في البلاغات والمؤشرات الجدية دون المساس بحقوق المواطنين.

وفي المحافظات المحررة، تزداد أهمية هذا التحدي نتيجة تعقيدات المشهد الأمني وتعدد التشكيلات العسكرية والأجهزة المختصة، فضلاً عن اتساع المساحات الجغرافية وحركة السكان والبضائع بين المحافظات، وما تفرضه سنوات الحرب من أعباء إضافية على مؤسسات الدولة.

وتبرز العاصمة المؤقتة عدن بوصفها إحدى أهم المناطق التي تستدعي مستوى عالياً من اليقظة الأمنية، نظراً إلى وجود مؤسسات الدولة والمرافق السيادية والمنشآت الاقتصادية والحيوية فيها، إلى جانب كثافتها السكانية ودورها في إدارة شؤون المحافظات المحررة.

ولا يعني ذلك وجود معلومات مؤكدة عن خلايا محددة داخل المدينة، وإنما أن طبيعة المنشآت والمؤسسات الموجودة فيها تفرض على السلطات الأمنية التعامل مع حماية العاصمة المؤقتة باعتبارها مسؤولية استراتيجية مستمرة.

ومن الخطأ الاعتقاد أن الخطر الأمني ينحصر في الشخص الذي يحمل سلاحاً أو يزرع عبوة ناسفة. فالعمليات الإرهابية قد تسبقها أنشطة تمويل أو دعم لوجستي أو جمع معلومات أو تزوير وثائق أو اتصالات غير مشروعة، وهي أفعال تستوجب التحقيق والملاحقة متى توافرت أدلة على ارتباطها بجرائم أو مخططات عدائية.

ولهذا فإن نجاح الأجهزة الأمنية لا يقاس فقط بعدد المتهمين الذين يتم ضبطهم بعد وقوع الحوادث، بل أيضاً بقدرتها على كشف المخططات الإجرامية ومنع تنفيذها، وحماية الأدلة، وإحالة المتورطين إلى القضاء، ومنع تكرار الثغرات التي سمحت بوقوع الاعتداءات السابقة.

ومن أهم التحديات التي ينبغي أن تواجهها السلطات الأمنية في المحافظات المحررة مسألة التنسيق بين مختلف الأجهزة والتشكيلات. فتعدد الجهات المسؤولة عن الأمن، دون وجود آليات واضحة لتبادل المعلومات وتحديد الاختصاصات، قد يؤدي إلى ازدواجية العمل، وتأخر الاستجابة، وضياع معلومات مهمة بين المؤسسات.

وفي مواجهة التهديدات السرية، لا يكفي أن تعمل كل جهة أمنية بصورة منفصلة، لأن المعلومات التي تبدو محدودة الأهمية لدى جهاز معين قد تكتسب دلالة أكبر عند مقارنتها بمعلومات متوافرة لدى جهاز آخر.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى غرفة تنسيق أمنية مشتركة، تعمل تحت إشراف السلطات المختصة، وتضم ممثلين عن الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب والأمن الجنائي والاستخبارات وحماية المنشآت، وتكون مهمتها توحيد تقييم المخاطر، وتنسيق الاستجابة للتهديدات، ومنع التضارب بين الجهات.

ويجب أن تقوم هذه الغرفة على نظام مؤسسي واضح يحدد المسؤوليات، ويضمن حماية المعلومات الحساسة، ويمنع تداولها خارج القنوات الرسمية، ويخضع إجراءات جمع البيانات واستخدامها للضوابط القانونية.

إن وجود غرفة مشتركة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تشكيل إداري جديد يضاف إلى الهياكل القائمة، وإنما يجب أن يكون أداة عملية لتحسين الأداء الأمني، وتحديد مواطن القصور، وتقييم نتائج التحقيقات، ومتابعة الإجراءات الوقائية في المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر.

وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة النظر في مفهوم الانتشار الأمني داخل المدن. فزيادة عدد النقاط والحواجز ليست بالضرورة دليلاً على ارتفاع مستوى الأمن، خصوصاً إذا لم تترافق مع تدريب جيد، وتنسيق فعال، وإجراءات مهنية للتعرف على المخاطر والاستجابة للحوادث.

فالأمن الحديث يعتمد على جودة المعلومات وكفاءة التحقيق وسرعة التنسيق أكثر مما يعتمد على المظاهر المسلحة وحدها.

ومن الضروري كذلك أن تتبنى السلطات الأمنية سياسة واضحة لحماية المنشآت الحيوية، بما فيها المطارات والموانئ ومحطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمقار الحكومية، عبر تقييمات دورية للمخاطر، ومراجعة إجراءات الدخول والحماية والسلامة، وتطوير خطط الاستجابة للطوارئ.

ويجب أن تشمل هذه المراجعات المنشآت المدنية التي قد يؤدي تعطيلها إلى أضرار واسعة بالسكان، لأن استهداف الخدمات الأساسية لا يقتصر أثره على الخسائر المادية، بل قد يفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية ويضعف قدرة المؤسسات على أداء واجباتها.

ومن الجوانب المهمة أيضاً تعزيز كفاءة التحقيقات الجنائية والقدرات الفنية للأجهزة الأمنية. فمواجهة الشبكات السرية تحتاج إلى كوادر قادرة على التعامل مع الأدلة المادية والرقمية والمالية، وربط الوقائع بعضها ببعض، وتحليل الأنماط الإجرامية دون الاعتماد على الاعترافات وحدها أو على معلومات غير موثقة.

كما أن تطوير المختبرات الجنائية، وحفظ مسار الأدلة، وتأهيل المحققين، وتعزيز التعاون مع النيابة العامة، كلها عناصر أساسية لضمان تحويل المعلومات الأمنية إلى قضايا قانونية متماسكة يمكن عرضها أمام القضاء.

والأهمية هنا لا تتعلق فقط بإدانة المتورطين، وإنما كذلك بحماية الأبرياء من الاتهامات الخاطئة، لأن أي تجاوزات في إجراءات التحقيق قد تضر بثقة المجتمع بالأجهزة الأمنية، وتضعف قدرة الدولة على الحصول على تعاون المواطنين.

وتحتل مكافحة التمويل غير المشروع موقعاً مهماً في أي استراتيجية لمواجهة الخلايا الإرهابية. فالنشاط الإجرامي المنظم يحتاج عادة إلى موارد مالية أو خدمات أو تسهيلات، وهو ما يفرض تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والجهات المختصة بالرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال والنيابة العامة.

لكن هذا التعاون ينبغي أن يستند إلى مؤشرات قانونية واضحة، لا إلى الاشتباه العام بالتجار أو أصحاب الأنشطة الاقتصادية، مع احترام خصوصية الأفراد وضمان عدم تعطيل المعاملات التجارية المشروعة.

وإذا أثبتت التحقيقات وجود شبكات تستخدم أنشطة تجارية أو مالية لتوفير الدعم لعمليات إرهابية، فإن التعامل معها يجب أن يشمل تتبع الأموال وفق القانون، وكشف المستفيدين الفعليين، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، مع تجنب اتخاذ إجراءات جماعية تضر بالاقتصاد والمواطنين.

وهنا يظهر الترابط بين الملف الأمني والملف الاقتصادي الذي تشهده المحافظات المحررة خلال الأسابيع الأخيرة.

فالارتفاعات التي يشكو منها المواطنون في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وتدهور القدرة الشرائية، وتأخر المرتبات، تمثل مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة بحد ذاتها، ويمكن للأطراف المعادية أن تستغلها في نشر الشائعات أو تأجيج التوترات أو إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة.

ومع ذلك، لا توجد في المعطيات المطروحة أدلة تثبت أن موجة الغلاء الحالية تديرها خلايا حوثية نائمة، ولذلك ينبغي ألا يتحول الربط بين الظاهرتين إلى اتهام غير مسند.

والأدق أن يقال إن الأزمات الاقتصادية، سواء كانت ناجمة عن الحرب أو الفساد أو اختلال الأسواق، قد تخلق بيئة يسهل فيها انتشار التضليل والاستقطاب والتوتر الاجتماعي، وهو ما يجعل معالجتها جزءاً من تعزيز الاستقرار العام.

ومن هذا المنطلق، فإن دور الحكومة ووزارة الصناعة والتجارة والسلطات المحلية في عدن وبقية المحافظات المحررة لا ينفصل عن الجهد الأمني، وإن اختلفت طبيعة المسؤوليات.

فالسلطات الاقتصادية مطالبة بضبط المخالفات التجارية ومكافحة الاحتكار وحماية المستهلك، فيما تتولى الأجهزة الأمنية التحقيق في الجرائم والتهديدات التي تدخل ضمن اختصاصاتها. ولا ينبغي الخلط بين المسارين إلا عندما تظهر أدلة على ارتباط نشاط اقتصادي بعمل إجرامي منظم.

أما السلطة المحلية في محافظة عدن، بقيادة وزير الدولة المحافظ عبدالرحمن شيخ، فإنها مطالبة بتعزيز التنسيق المؤسسي مع الجهات الأمنية المختصة، ومتابعة مستوى حماية المرافق العامة والأسواق والمنشآت الحيوية، وضمان وجود قنوات واضحة لتلقي بلاغات المواطنين وشكاواهم.

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل استمرار التهديدات المرتبطة بالحرب، وما تفرضه من ضرورة الجمع بين حماية المدينة واستمرار الحياة الطبيعية فيها.

ومن أهم الوسائل التي يمكن أن تساعد الأجهزة الأمنية في مواجهة الخلايا الإرهابية بناء علاقة ثقة حقيقية مع المجتمع. فالمواطن الذي يثق بأن بلاغه سيؤخذ بجدية، وأن معلوماته ستبقى محمية، وأن الأجهزة الأمنية ستتعامل معه باحترام، يكون أكثر استعداداً للتعاون عند اطلاعه على وقائع تستحق الإبلاغ.

ولهذا ينبغي إنشاء قنوات آمنة وسهلة للإبلاغ عن التهديدات والأعمال الإجرامية، وتدريب العاملين فيها على التعامل المهني مع المعلومات، والتمييز بين البلاغات الجدية والشائعات والاتهامات الكيدية.

ولا ينبغي تشجيع المواطنين على مراقبة جيرانهم أو الاشتباه بالأشخاص بسبب انتماءاتهم المناطقية أو السياسية أو مظهرهم أو آرائهم، لأن مثل هذه الممارسات قد تفتح الباب أمام الوشايات والخصومات الاجتماعية، وتؤدي إلى تشتيت الجهد الأمني بعيداً عن التهديدات الحقيقية.

إن المطلوب هو تشجيع الإبلاغ عن الوقائع المحددة التي تشير إلى جرائم أو تهديدات فعلية، وترك مهمة التحقق والتحقيق للجهات المختصة.

كما ينبغي للأجهزة الأمنية أن تتعامل بجدية مع خطر الشائعات والمعلومات المضللة، خصوصاً أثناء التصعيد العسكري، حيث يمكن للأخبار الكاذبة عن سقوط المدن أو اختراق المؤسسات أو وقوع تفجيرات أن تثير الذعر وتربك الحياة العامة.

والاستجابة المناسبة لهذه الظاهرة لا تكون بالتضييق على حرية التعبير أو منع الانتقاد، وإنما بتوفير معلومات رسمية دقيقة وفي الوقت المناسب، وتصحيح الأخبار غير الصحيحة، وتوضيح الحقائق المتعلقة بالحوادث الأمنية عندما تسمح متطلبات التحقيق بذلك.

فغياب المعلومات الرسمية يترك فراغاً تستفيد منه الشائعات، بينما تساعد الشفافية المنضبطة على تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات.

وتبرز كذلك ضرورة مراجعة إجراءات حماية المعلومات داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية، وتطوير ضوابط الوصول إلى البيانات الحساسة، وتدريب الموظفين على الأمن الرقمي، وتعزيز آليات الإبلاغ عن محاولات الاختراق أو تسريب المعلومات.

ولا يعني ذلك افتراض أن موظفي المؤسسات الحكومية موضع اشتباه، وإنما تطبيق قواعد مهنية لحماية المعلومات، وهي إجراءات تحتاج إليها أي دولة تواجه تهديدات أمنية معقدة.

ومن الضروري أيضاً أن تستفيد الأجهزة الأمنية من مراجعة الحوادث السابقة، وتحديد أوجه القصور التي كشفتها التحقيقات، واستخلاص الدروس المؤسسية منها، دون الاكتفاء بإعلان ضبط المتهمين أو نشر بيانات الإدانة.

فكل حادث أمني ينبغي أن يقود إلى مراجعة موضوعية لإجراءات الوقاية والاستجابة والتنسيق، بما يمنع تكرار الأخطاء ويحسن قدرة المؤسسات على حماية السكان.

وفي هذا الإطار، لا بد من الاهتمام بتأهيل منتسبي الأجهزة الأمنية وتحسين ظروف عملهم وانتظام مستحقاتهم، لأن بناء جهاز أمني محترف يحتاج إلى تدريب وانضباط وتجهيزات مناسبة ونظام مساءلة عادل.

كما ينبغي مكافحة الفساد داخل المؤسسات الأمنية نفسها، ومنع استغلال الصلاحيات أو استخدام النفوذ لأغراض شخصية، لأن أي اختلال في النزاهة المؤسسية قد يضعف فعالية العمل الأمني ويؤثر في ثقة المواطنين.

وتبقى مسألة وحدة القرار الأمني من القضايا الجوهرية في المحافظات المحررة. فوجود تشكيلات متعددة لا ينبغي أن يؤدي إلى تعدد مراكز اتخاذ القرار في القضايا التي تستوجب استجابة مشتركة، ولا إلى تضارب الاختصاصات بين المؤسسات.

والحل هنا لا يتمثل بالضرورة في إلغاء كل الهياكل القائمة، وإنما في تحديد المسؤوليات بصورة قانونية واضحة، وتعزيز التسلسل القيادي، ووضع إجراءات مشتركة لإدارة الحوادث والتهديدات الكبرى.

ولا يمكن تجاهل أهمية التعاون بين السلطات الأمنية في عدن ولحج وأبين وتعز ومأرب وشبوة وحضرموت وغيرها من المحافظات المحررة، لأن الجرائم المنظمة والتهديدات المرتبطة بالصراع قد تتجاوز الحدود الإدارية بين المحافظات.

ويقتضي ذلك تطوير آليات قانونية لتبادل المعلومات ذات الصلة بالتحقيقات، وتنسيق الإجراءات بين الجهات المختصة، وتسهيل التعاون القضائي، مع ضمان حماية البيانات ومنع إساءة استخدامها.

وفي موازاة هذه الجهود، ينبغي أن تتبنى الحكومة سياسة تواصل واضحة مع الرأي العام بشأن المخاطر الأمنية، بحيث توضح طبيعة التهديدات المثبتة والإجراءات الوقائية العامة، دون نشر تفاصيل عملياتية حساسة أو معلومات قد تعرقل التحقيقات.

كما ينبغي الإعلان عن نتائج القضايا الأمنية بعد استكمال الإجراءات القانونية، وتقديم المعلومات الدقيقة بشأن الجرائم التي تثبت صلتها بميليشيا الحوثي أو بأي تنظيم مسلح آخر، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً للتكهنات والاتهامات المتبادلة.

إن التصدي للخلايا الإرهابية النائمة لا يتحقق بإثارة الخوف داخل المجتمع، بل ببناء مؤسسات أمنية قادرة على العمل الهادئ والمنظم، وبإجراءات قانونية واضحة توازن بين حماية الأمن وصون الحقوق.

وكلما اعتمدت الأجهزة الأمنية على المعلومات الموثوقة والتحقيق المهني والتنسيق المؤسسي، تراجعت الحاجة إلى الإجراءات العشوائية التي قد تعطل حياة المواطنين دون أن تحقق نتائج أمنية حقيقية.

وفي ظل المواجهات العسكرية الراهنة، ينبغي أن يكون تعزيز الأمن الداخلي أولوية حكومية مستمرة، لا استجابة مؤقتة لحادث أمني أو موجة تصعيد عسكري.

فالقوات المسلحة التي تخوض المعارك على الجبهات تحتاج إلى بيئة داخلية مستقرة، كما يحتاج المواطنون إلى أجهزة أمنية تحمي حياتهم وممتلكاتهم، وتضمن استمرار عمل المؤسسات والمرافق العامة.

والخطر الذي تمثله أي خلايا إرهابية نائمة، إذا ثبت نشاطها، لا يقاس فقط بعدد العمليات التي قد تنفذها، بل أيضاً بما يمكن أن تسببه من خوف واضطراب وفقدان للثقة، خصوصاً إذا استهدفت منشآت حيوية أو شخصيات عامة أو تجمعات مدنية.

ولهذا فإن مواجهتها تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل الوقاية والتحقيق والملاحقة القضائية وحماية المنشآت والتعاون المجتمعي، إلى جانب معالجة الاختلالات الإدارية والاقتصادية التي تضعف قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات.

وإذا كانت الحرب الدائرة مع ميليشيا الحوثي تفرض على القوات المسلحة مواجهة التهديدات العسكرية عند خطوط التماس، فإنها تفرض على المؤسسات الأمنية مسؤولية حماية المدن والسكان من أي أعمال إرهابية أو تخريبية تستهدف أمنهم واستقرارهم.

غير أن نجاح هذه المهمة لا يقاس بحجم الانتشار الأمني أو عدد الحملات المعلنة، وإنما بمدى انخفاض الجرائم، وسرعة كشف مرتكبيها، ومنع تكرارها، وحماية حقوق المواطنين، وقدرة الدولة على توفير الأمن دون تحويل الحياة اليومية إلى حالة دائمة من الخوف والاشتباه.

إن المحافظات المحررة تحتاج اليوم إلى مراجعة أمنية مؤسسية جادة، تبدأ بتقييم التهديدات القائمة، وتحديد مواطن الضعف، وتطوير التنسيق بين الأجهزة، وتعزيز القدرات الفنية والتحقيقية، وتنتهي بترسيخ مبدأ المحاسبة وسيادة القانون.

كما تحتاج إلى قيادة حكومية تتابع تنفيذ هذه الإجراءات، وتوفر الإمكانات اللازمة للأجهزة المختصة، وتضمن عدم تحول تعدد السلطات والاختصاصات إلى ثغرات تضعف حماية المدن والمنشآت.

وفي المحصلة، فإن الخلايا الإرهابية النائمة تمثل نوعاً من التهديدات التي لا يجوز الاستهانة بها أو المبالغة في تصوير انتشارها دون أدلة. والتعامل المسؤول معها يبدأ باليقظة المهنية، ويمر بالتحقيقات الدقيقة والتعاون المؤسسي، وينتهي بتقديم المتورطين المثبتة مسؤوليتهم إلى العدالة.

فحماية المحافظات المحررة لا تعني فقط منع ميليشيا الحوثي من تحقيق تقدم عسكري على الجبهات، وإنما تعني أيضاً حماية المدن من الإرهاب والتخريب، وحماية المؤسسات من الاختراق، وحماية المجتمع من الخوف والفوضى.

والرسالة الأهم التي ينبغي أن تدركها الحكومة والأجهزة الأمنية هي أن المعركة الأمنية لا تُحسم بكثرة الحواجز والسلاح، بل بكفاءة المؤسسات وقوة المعلومات وسرعة الاستجابة وثقة المواطنين. فكل ثغرة أمنية لا تُعالج قد تتحول إلى خطر، وكل جهاز يعمل بمعزل عن بقية المؤسسات يضعف منظومة الحماية، وكل جريمة تمر دون تحقيق ومحاسبة تفتح الباب أمام تكرارها.

ومن هنا فإن المسؤولية اليوم لا تقتصر على التحذير من الخلايا الحوثية النائمة، بل تتطلب بناء منظومة أمنية متماسكة قادرة على اكتشاف التهديدات الحقيقية والتصدي لها قبل أن تتحول إلى مآسٍ جديدة، مع الحفاظ على القانون وحقوق المواطنين بوصفهما أساساً للاستقرار الذي تسعى الدولة إلى حمايته.