د. محمود صديق.. حين تجتمع المرجعية العلمية مع الرؤية الاستراتيجية وقيادة المؤسسات .. الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 01:38 م بقلم: د. هزم أحمد - أرشيف الكاتب اليمن..... أولاً ليست قيمة القيادات العلمية في قدرتها على استعراض تاريخ المؤسسات التي تنتمي إليها فحسب، بل في قدرتها على قراءة هذا التاريخ وفهم محطاته واستحضار دروسه لبناء المستقبل. ومن هذا المنطلق، يلفت طرح الدكتور محمود صديق الانتباه إلى نموذج للقيادة الأكاديمية التي تجمع بين الوعي بتاريخ الأزهر الشريف، والإحاطة بمسارات تطوره، والقدرة على ربط إرثه العلمي بمتطلبات الجامعة الحديثة. فعندما يستحضر المتحدث تاريخ الأزهر الممتد لأكثر من ألف عام، ويعرض محطات تطوره منذ نشأته في القرن العاشر الميلادي، مرورًا بإصلاحاته التعليمية والتنظيمية، وصولًا إلى تحديث مؤسساته وتوسيع كلياتِه، فإنه لا يقدم سردًا تاريخيًا مجردًا، بل يضع أمامنا صورة لمؤسسة عريقة أدركت أن المحافظة على رسالتها لا تعني الجمود، وأن الأصالة الحقيقية تكتسب قوتها من قدرتها على التجدد. وتتجلى في هذا الطرح أربعة أبعاد تستحق التوقف عندها: العمق العلمي الذي يمنح الحديث أساسه المعرفي، والمرجعية المؤسسية التي تستند إلى فهم رسالة الأزهر ومكانته، والكاريزما القيادية التي تظهر في القدرة على تقديم الأفكار ضمن سياق مترابط، والرؤية الاستراتيجية التي تصل بين التاريخ والتطوير وجودة التعليم والحضور في التصنيفات الدولية. والأهم أن هذا النموذج يفتح بابًا للتأمل في مفهوم القيادة الجامعية الحديثة؛ فالقيادي الأكاديمي لا ينبغي أن يكون مجرد مسؤول يدير الملفات اليومية، بل شخصية قادرة على فهم التحولات، واستشراف التحديات، وبناء التوازن بين الهوية العلمية ومتطلبات المنافسة العالمية. كما أن مكانة المؤسسات لا تُصان بالأمجاد التاريخية وحدها، وإنما تتعزز بجودة التعليم والبحث العلمي، وكفاءة الإدارة، والقدرة على تحويل المعرفة إلى أثر ملموس. إن تجربة الأزهر، كما يعرضها هذا الطرح، تقدم درسًا مهمًا للجامعات العربية، ومنها الجامعات اليمنية: لا نهضة تعليمية بلا قيادة تمتلك المعرفة والرؤية، ولا تطوير مستدام بلا مؤسسات تحترم تاريخها وتستثمره في صناعة المستقبل. إن الدكتور محمود صديق، من خلال هذا الطرح، يقدم مادة تستحق الدراسة بوصفها نموذجًا في عرض التاريخ المؤسسي وربطه بقضايا التطوير الأكاديمي؛ فالقيمة الحقيقية للقيادة العلمية تكمن في تحويل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى إنجاز يخدم الإنسان والوطن.