آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-06:48م

( رحيل مجيد.. رحيل الشموخ، والجرأة الناطقة )

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 05:15 م
احمد مهدي سالم


( رحيل مجيد.. رحيل الشموخ، والجرأة الناطقة )


-عدن الغد: أحمد مهدي سالم


توفَّى الأخ العزيز عبد المجيد الصلاحي مدير عام الاستثمار في م/أبين، ومستشار المحافظ لشؤون الاستثمار و زميل الدراسة فجر اليوم الجمعة بعد حياة حافلة بالعطاء الجزيل، والنجاحات الرائعة مع قدر لا بأس به من الخيبات التي مُني بها في صراعه مع الحياة والسلطة والبحث عن مكانة تحفظ قدراته ومواهبه.

رحل الصوت الجريء الناطق، والمنطق القوي، الواضح، والصراحة الصادقة، المواجِهة..

عبدالمجيد متعدد المواهب..فوق عمله الاسثماري.. مثقف عضوي، إداري رياضي، ناشط اجتماعي، صاحب تحليلات سياسية جيدة مناصرة لما يراه هو حقًّا، شخصية داعمة بأفعال خيرية للأسر الفقيرة في شهر رمضان، إنسان صاحب علاقات اجتماعية، وكثير الحضور للمناسبات الفرحة والحزينة، هو زميل دراسة لي من الابتدائية حتى الثانوية، جمعتنا الدراسة، ونادي خنفر، الرياضة والثقافة،وملتقى الشجرة بجعار. جمعتنا جعار كأمٍّ رؤوم تحتضن الجميع، ولا تبالي بأية أصوات نشاز، قبل عشرين عامًا، أو يزيد كم اختلفنا واتفقنا لكن كان كُلِّ منا يحترم الآخر، ويقدِّر مواهبه وقدراته.

كان أهم ما يميِّزه أنه ذرب اللسان، سريع الرد، عميق السخرية.. كثيرًا ما يجاهر بصراحته، وما يراه حقًّا في وجه جهات نافذة فتزيد عليه المضايقات في عمله، أو نشاطاته.

ولا ننسى نجاحه في آخر انتخابات كممثل لمديرية خنفر، هو والشيخ محمد عمر الفضلي في المجلس المحلي بالمحافظة،وقد نجح المؤتمر الشعبي العام في الفوز بمعظم المقاعد وقتها..ذي الفقرة بتزعل البعض المزايد مع أنها حقيقة، وقد اُختير رئيسًا للجنة الموارد المالية في مجلس المحافظة، وبعد فترة تم تغييره، وبقي عضوًا في محلي المحافظة،ومكتبها التنفيذي حتى لحظة وفاته.

كان شخصية اجتماعية تحرص أن يكون لها حضور طيب في كثير من المناشط، وكان لديه من الطموحات ما هو فوق قدراته في بعض الأحيان، وفي كثير من الأحيان تكون طموحاته مشروعة حينما كان يهمَّشونه، ويولُّون كودار أقل منة خبرة وثقافة مما يحزُّ في نفسه كرد فعل طبيعي، ومثله عانينا في أعمالنا ونشاطاتنا وتوجهاتنا.. ذي أبين قاسية، ظالمة ما تنصف إلا في النادر.

ونتيجة لأن مقيل الشجرة يجمعنا من حوالى سبع سنوات.. نجلس ونتناقش معًا، وكان يأنس بحضوري ونقاشي معه لأن هناك قواسم مشتركة بيننا أكثر من الآخرين، ويسرُّ لي بكل، أو معظم المضايقات والمصادمات التي حصلت له مع رؤوس في قيادة المحافظة، كان يثق في، ويتنفس قليلًا في الكلام معي، و في مواضيع مع الزملاء، وأن طالت قصصه أحيانًا، وشلت أكثر الوقت فيتغير انتباه وانسجام الزملاء.. عندما يحس بذلك يصمت، وينكب على الجوال، ولا يتكلم إلا إذا تعمدت استفزازه بسؤال، بمعلومة، برأي ما.

وكان مجيد حاضر النكتة، كثير المزح مع زملائه، وعنده ما نسميه باللغز.. بارع فيه، ويبزَّنا جميعًا، لذا كان الكثير يتجنب مواجهته، ولا يتحدثون إلا عند غيابه.

كما عنده ميزة رائعة، وهي قوة الذاكرة..قوي المعلومات، عندما يتناقش الزملاء عن حدث، ويختلفون في التاريخ يرجعون عليه فيعطي الإجابة الصحيحة.

كان مجيد ذا طموح كبير،وذا حق مشروع لكل من لديه قدرات وإمكانات، كان مديرًا لمكتب الشيخ الراحل فضل محمد عيدروس عندما كان وزيرًا للمغتربين، وهناك في صنعاء نشط، وكوَّن علاقات طيبة، حتى أنه رُشَّح لتعيين وكيل أبين، وبدأت المراسلات غير أن البعض القيادي لم يتحمس لها وأفشلها كما أخبرني هو. وكذلك كان مديرًا للغرفة التجارية بأبين عدة سنوات، ولفترة قصيرة تم تعيينه مديرًا عامًا لمؤسسة المياه والصرف الصحي بالمحافظة، وهذا النشاط القيادي، المتنوع مع وجود جملة من المضايقات، أو التقييدات يدل على مرونة وخبرة إدارية، وطموح وتطلُّع مجيد إلى كل ما هو أفضل لخدمة ناسه ومجتمعه ومحافظته.

من طرائفه حسب روايته لي، ولنا أنه عندما تم تعيينه مديرًا للاستثمار وصادف ذلك بداية تولى الأخ ابوبكر حسين سالم محافظة أبين، وربما كان لا يعرفه فالتقاه في جعار في سوق الخضرة، وقال له وهو منفعل بعد أن تجاهله المحافظ: قدها من علامات الساعة لما يجيبوا محافظ من يرامس، ومأمور من الرواء.. يقصد الأخ ناصر المنصري، وكان وقتها مديرًا عامًا لمديرية خنفر، وحسب كلامه: في ذاك اليوم طلع بي الضغط، تجاهل المحافظ أحرقني.

وكنت في المقيل الوحيد الذي ينتقد تقصيرات الانتقالي، والمقيل كله انتقالي، الكل يافعي وبتشدد، كان لما يسخن النقاش، وتكون الأكثرية ضدي يقوم بالوقوف في صفي، وترجيح آرائي، وفي حالات أخرى أقل يكون متعصبًا للانتقالي فقلت له ذات مرة وأنا مبتسم: يا مجيد.. خليك على موقف واحد.. أنت محسوب على الشرعية، بس أشوفك شمسي قمري، ابتسم وضحك الحاضرون.

وحدث أن جهز المحافظ قافلة أبين.. وفيها كباش إلى مأرب مع إرسال المحافظات قوافل لها فكان مقيلنا يشتمون المحافظ بحدة وألفاظ قاسية، ومجيد محسوب صديق المحافظ.. أول ما جاء مجيد.. هاجموه وهاجموا المحافظ بسخرية حادة فرد عليهم بجواب هادئ وعميق: ياجماعة ما يقع تسبون ابوبكر.. يقصد المحافظ، على ثلاثة كباش وداهم مأرب.. رجَّعوا الشباب اللي ودوهم الساحل الغربي، ونحن با نعيد كباش أبوبكر.. سكتوا جميعًا، وكان المرحوم هيثم الشبحي عيونه معلقة بمجيد وهو يسحب المكرد والمخاد ويهيء مجلسه فقال له: بصراحة رد قوي، وعلقت: فعلًا رد قوي، والدليل أنكم صمتم. لمَّا تجيء قوة الحجة.. هكذا كان مجيد عندما يدافع عن أية فكرة كان ينصرها، ولو كان أنصارها قليلي العدد.

مغادرة مجيد هزتني كما هزت كل من زامله، أو عرفه، أو تعامل معه حتى من اختلف معه يعرف قيمته ومكانته. وسيجد المتابع للمقالة أن كتابتي الرثائية أو التأبينية هذه تختلف عن باقي الكتابات عن الفقداء؛ فكُلُّها مديح مبالغ فيه، ولا ذكر لأي مثلبة، وكأن الفقيد مبرَّأ من العيوب،مختلف عن بقية البشر، وهنا حاولت أن أعطي عن الفقيد أكبر قدر من المعلومات والمواقف.. كثيرون لا يعرفونها عنه، مع أنني أكتب وأنا على فراش المرض.

ومختصر القول: مجيد كان أحد أبرز رموز جعار وخنفر وأبين، رحل بعد أن ترك آثارًا طيبةً، محفورةً في النفوس، رحمة الله تغشاه، وعسى الجنة مأواه.