آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-12:31م

السَّلامُ في اليمن بين المُثير والاستجابة

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 03:23 م
عوض المجعلي


لا تَفْتُرُ الميليشياتُ الحوثيةُ المدعومةُ من إيران عن العمل على زعزعة الأمن والسلم في اليمن والإقليم، مستفيدةً من تعقيدات المشهد اليمني وتشابكاته الإقليمية والدولية. ومع تراجع نفوذ إيران في بعض ساحات المنطقة، ولا سيما بعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية، وما أصاب «حزب الله» في لبنان من تراجع في قدرته ونفوذه، تبدو الساحة اليمنية إحدى الأوراق التي ما زالت طهران قادرة على توظيفها في صراعها الإقليمي.


وهنا يبرز السؤال: كيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ وكيف كبرت هذه الميليشيات حتى أصبحت قادرة على إسقاط مؤسسات الدولة والسيطرة على عمران ثم صنعاء؟ ومن هي الأطراف التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في وصولها إلى هذه المرحلة؟


فلو عدنا بالزمن عقدًا أو أكثر إلى الوراء، لوجدنا أن بعض من أسهموا في صناعة المشهد الذي نعيشه اليوم باتوا هم أنفسهم يدفعون ثمن خياراتهم السابقة. وربما لم يدرك كثيرون آنذاك أن عقدًا من الزمن كفيل بإعادة تشكيل جيل كامل، وبناء وعي جديد وقيم وأفكار قد تتعارض مع ما اعتاده المجتمع اليمني من مرجعيات دينية وسياسية واجتماعية.


ولا يعني ذلك انعدام القواسم المشتركة بين اليمن ودول الجوار، فهناك روابط تاريخية وجغرافية واجتماعية وثقافية عميقة، لكن الإشكال يكمن في السؤال السياسي الأهم: أي دولة نريد لليمن؟


كيف يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية تقوم على التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، في الوقت الذي ما تزال فيه البيئة السياسية والإقليمية المحيطة باليمن تعاني من ضعف التجربة الديمقراطية والمؤسساتية؟


ومن هنا، فإنني أرى ــ من باب قراءة المشهد لا من باب إطلاق حكم قطعي على النيات ــ أن المشكلة لا تتعلق فقط بالقضاء على الميليشيات الحوثية، وإنما تمتد إلى شكل الدولة اليمنية التي ستنشأ بعد الحرب، وطبيعة نظامها السياسي، ومدى استقلال قرارها الوطني.


فهل المطلوب استعادة الدولة اليمنية بمؤسساتها ومرجعياتها الدستورية والتشريعية، أم إعادة تشكيلها بما يجعلها أكثر قابلية للتأثر بموازين القوى الإقليمية؟


وإذا كان الأمر كذلك، فما العمل؟


أرى أن أبرز مظاهر إضعاف القرار الوطني يمكن قراءتها في الآتي:


1 ــ إضعاف القرار السيادي للدولة والنظام الجمهوري، وتحويل القرار الوطني من قرار مؤسسات إلى قرار مرتبط بموازين القوى ومصالح الأطراف الخارجية.

2 ــ استقطاب القيادات السياسية وكبار موظفي الدولة بالمال والنفوذ، بما قد يؤدي إلى الارتهان لقرارات لا تنطلق بالضرورة من المصلحة اليمنية، وإنما من حسابات أمنية وسياسية خارجية.

3 ــ تقييد حركة بعض الشخصيات السياسية وأصحاب القرار، بما يحد من قدرتهم على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار، وهي مسألة تحتاج إلى أدلة محددة عند نسبتها إلى طرف بعينه، حتى لا تتحول القراءة السياسية إلى اتهام بلا بينة.

4 ــ العمل وفق قاعدة «المُثير والاستجابة»، وهي الفكرة التي أرى أنها تصلح مفتاحًا لقراءة جزء كبير من مسار الأزمة اليمنية خلال السنوات الماضية.

فمنذ المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية عام 2011، بدأت مرحلة انتقالية أفضت إلى انتقال السلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، ثم جاءت مرحلة مؤتمر الحوار الوطني الشامل التي اختُتمت في يناير 2014، باعتبارها محطة رئيسية في مسار الانتقال السياسي اليمني.

لكن ذلك المسار لم يكتمل؛ ففي سبتمبر 2014 سيطرت جماعة الحوثيين على صنعاء، وتفاقمت الأزمة السياسية والعسكرية، ثم دخل اليمن مرحلة جديدة من الصراع والتدخل الإقليمي.

ثم جاءت عملية «عاصفة الحزم» في مارس 2015، لتتحول بعدها العملية العسكرية إلى «إعادة الأمل» في العام نفسه. وكان الأمل يومها أن تكون القوة العسكرية وسيلة لوقف التمدد الحوثي وتهيئة الظروف لاستعادة الدولة وإنهاء الحرب، لكن السنوات التالية أثبتت أن العمل العسكري وحده لم يكن كافيًا لصناعة السلام أو بناء واقع سياسي مستقر.

ثم توالت المحطات والمبادرات: اتفاق الرياض، والمسارات السياسية المختلفة، والحوار اليمني ــ اليمني، ثم نقل السلطة في أبريل 2022 إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة قالت الأمم المتحدة إنها عكست تمثيلًا أوسع للقوى السياسية اليمنية، وأمل المجتمع الدولي أن تكون مدخلًا للاستقرار والتسوية السياسية.

وهكذا، كلما أُغلق باب، فُتح باب آخر؛ وكلما لاح في الأفق بصيص أمل، تبدلت العناوين وتغيرت الأدوات، بينما بقي المواطن اليمني واقفًا في المكان ذاته، ينتظر نهاية الحرب وبداية الدولة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نحن، وكأننا أمام شركة تسويق تبحث عن تحقيق الـ«تارغت»؛ كلما فُتح باب، رُفع شعار، وكلما انطفأ بريقه، فُتح باب آخر، بينما يظل المواطن هو المستهلك الوحيد لكل الوعود، والدافع الأكبر لكل الفواتير.

والمشكلة ليست في المبادرات من حيث المبدأ؛ فكل مبادرة جادة للسلام تستحق الترحيب، وقد أكدت الأمم المتحدة مرارًا أن الحل في اليمن لا بد أن يكون سياسيًا وشاملًا، وأن مسار التفاوض هو الطريق لإنهاء الحرب ومعالجة أسبابها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المبادرات من وسائل للوصول إلى السلام إلى غايات بحد ذاتها، أو عندما تصبح إعادة ترتيب موازين القوى أهم من إعادة بناء الدولة.

فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من الأبواب التي تفتح ثم تُغلق، ولا إلى مزيد من الوعود التي تبدأ ببصيص أمل وتنتهي بخيبة جديدة؛ بل يحتاج إلى باب واحد واضح: باب الدولة.

دولةٌ لا تُدار بالوكالة، ولا تُختزل في أشخاص، ولا تُرتهن للخارج، ولا تُبنى على إقصاء الداخل؛ دولةٌ لها مؤسساتها، ومرجعياتها الدستورية والتشريعية، وقرارها السيادي، وتداولها السلمي للسلطة، وتستوعب جميع أبنائها دون أن تسمح في الوقت ذاته بقيام جماعة مسلحة فوق الدولة.

لقد تعمقت مشكلتنا، ولم تعد مع الجار وحده، وإنما مع أبناء جلدتنا الذين يملكون القرار، أو بعض مفاتيح القرار، ثم يجعلون حساباتهم الخاصة تتقدم على حساب معاناة وطن بأكمله.

إننا بحاجة إلى حلفاء يحترمون اليمن، لا إلى أوصياء عليه؛ وإلى علاقات متوازنة مع الجوار، لا إلى تبعية تُحسب فيها مصالح الآخرين على حساب معاناة اليمنيين.

نحن بحاجة إلى حليفٍ بعيدٍ عن تفاصيلنا اليومية، قريبٍ من مصالحنا الوطنية؛ حليفٍ يساعدنا على الوقوف، لا من يمسك بنا كي نبقى واقفين حيث يريد.

فالسلام الحقيقي ليس مجرد توقفٍ لإطلاق النار، ولا اتفاقٍ يُوقَّع في قاعة، ولا مبادرةٍ تُعلن أمام الكاميرات؛ السلام هو أن يستعيد اليمن قراره، وتستعيد الدولة مؤسساتها، ويستعيد المواطن ثقته بأن الغد لن يكون نسخةً أخرى من الأمس.

دامت اليمن بخير، وحفظ الله شعبها وقواتها المسلحة، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وكتب لها سلامًا عادلًا ودولةً قويةً وسيادةً لا تُستعار من أحد.