استلم منتسبو المنطقة العسكرية الرابعة راتبهم الشهري لشهر أبريل، وسط فرحة واسعة، ودون خصومات تُذكر، باستثناء مبلغ رمزي قدره 1900 ريال رسوم ادارية ، وذلك بحسب تعميم صادر عن وزارة الدفاع بناءً على توجيهات وزير الدفاع.
ورغم أن صرف الراتب بهذه الصورة أسعد الجنود، إلا أن القرار فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول أسبابه وأهدافه، وانقسمت الآراء حوله إلى عدة قراءات:
الرؤية الأولى ترى أن القرار قد يكون جزءًا من توجه يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى تهميش الجيش الوطني وإفراغ المعسكرات من منتسبيها؛ فالراتب بالعملة المحلية لم يعد كافيًا لتوفير أبسط متطلبات الحياة، الأمر الذي دفع عددًا من العسكريين إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، سواء بالعمل في وظائف خاصة أو حكومية، أو بالهجرة، أو بالانتقال إلى وحدات عسكرية يتقاضى منتسبوها رواتبهم بالريال السعودي. وفي ظل ذلك، يصبح الحضور الفعلي داخل المعسكرات محدودًا، بينما تُستخدم الموارد المتاحة لتغطية احتياجات من يواصلون الدوام.
الرؤية الثانية ترى في القرار محاولة لامتصاص غضب الجنود وجبر خواطرهم، خصوصًا منتسبي الوحدات التي لا تتقاضى رواتبها بالريال السعودي، في ظل تفاوت واضح في أوضاع العسكريين، وما يثيره ذلك من شعور بالتمييز وعدم المساواة، خاصة مع استمرار الوعود بصرف الرواتب بالريال السعودي دون خطوات عملية واضحة.
أما الرؤية الثالثة فتذهب إلى أن القرار قد يكون مقدمة لإعادة تنظيم القوى البشرية داخل المعسكرات، وإلزام المنتسبين بالدوام الفعلي، تمهيدًا لإعادة ترتيب أوضاع الوحدات العسكرية وتسوية وضعها مع بقية المناطق العسكرية.
في حين ترى الرؤية الرابعة أن الأمر قد يكون جزءًا من توجه نحو توحيد رواتب جميع الوحدات العسكرية وصرفها بالعملة المحلية، باعتبار أن الجيش مؤسسة وطنية واحدة، ومن ثم لا ينبغي أن تتباين عملته أو آلية صرف رواتبه من وحدة إلى أخرى.
هذه كلها قراءات واجتهادات، ولا يمكن الجزم بصحة إحداها دون توضيح رسمي من الجهات المعنية. لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو: هل نحن أمام معالجة حقيقية لأوضاع الجيش، أم أمام حلول مؤقتة لمشكلة أكبر؟
فالبلاد أنهكها الفساد المالي والإداري، وأصبح المواطن والجندي يدفعان ثمن الاختلالات المتراكمة. ومن هنا فإن معالجة أوضاع القوات المسلحة يجب ألا تكون بالقرارات المؤقتة أو المعالجات المجتزأة، وإنما بسياسة واضحة تقوم على العدالة والشفافية والمساواة.
إن العدل أساس الحكم، ومن أراد جيشًا وطنيًا قويًا ومخلصًا، فعليه أن ينصف منتسبيه، ويحفظ حقوقهم، ويوحد معايير التعامل معهم، ويضع حدًا لازدواجية الرواتب والامتيازات.
فالجيش لا يُبنى بالشعارات، ولا تُصان معنوياته بالتطبيل، وإنما بالعدالة، والانضباط، وصون الحقوق، وربط الحقوق بالواجبات.
دامت اليمن بخير، وحفظ الله أبناء قواتها المسلحة، وكل من يقدم جهده ودمه من أجل الوطن.
عوض المجعلي
رئيس المركز الاعلامي للدراسات والبحوث المنطقة الوسطى أبين