بعد الإعلان عن زيارة الشيخ ذيب علّة إلى المملكة العربية السعودية لتقديم واجب العزاء في وفاة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي ـ رحمه الله ـ، دار بيني وبين أحد إعلاميي المنطقة الوسطى حديثٌ عابر بعد صلاة الجمعة. سألته: «ما أخبار عمِّنا؟»، فأجاب: «سيعود إلى مسقط يوم السبت». استغربت الأمر وقلت: «لا يمكن!»، فأكد لي ذلك بثقة.
كان استغرابي نابعًا من قناعة تشكلت لدي عبر متابعة طويلة لطبيعة التعامل السعودي مع الشخصيات اليمنية؛ إذ اعتدت أن ضيافة الشخصيات ذات الحضور القبلي أو السياسي قد تمتد أشهرًا، وربما سنوات، وفقًا للظروف والاعتبارات السياسية. لذلك بدا لي أن عودته السريعة أمر غير مألوف.
ثم خطر لي أن السياسة لا تُدار دائمًا بطول مدة الضيافة، وإنما بحسن توظيفها. فقد يكون بقاء الشخصية داخل المملكة فرصة لتكون مقصدًا للقاءات والمشاورات، فيأتي إليها من هم داخل المملكة وخارجها، فتتحول إلى نقطة التقاء وحوار دون حاجة إلى تنقلها. وهذه إحدى صور إدارة الملفات السياسية التي تتغير أدواتها بتغير المصالح والظروف.
وليس هذا النهج جديدًا؛ فقد شهدت العلاقة السعودية اليمنية محطات عديدة استخدمت فيها المملكة أساليب مختلفة في إدارة علاقاتها مع الشخصيات والقيادات اليمنية. ففي سبعينيات القرن الماضي، استقر عدد من الجنوبيين الذين غادروا جنوب اليمن إثر الصراعات السياسية في مناطق داخل المملكة، ثم انتقل بعضهم إلى تبوك، حيث أقاموا سنوات طويلة قبل أن يعود عدد منهم إلى الجنوب مع أحداث عام 1994.
كما أن عددًا من العسكريين والكوادر الذين غادروا اليمن عقب حرب 1994 عاشوا سنوات في الخارج، ثم تغيرت أوضاعهم بفعل التحولات السياسية والاتفاقات الإقليمية، في مشهد يؤكد أن التحالفات والتفاهمات السياسية لا تبقى ثابتة، بل تخضع لموازين المصالح ومتغيرات المرحلة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من طبيعة سياسات الملوك، على لسان ملكة سبأ، فقال تعالى:
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34].
ومن زاوية تاريخية، يرى بعض الباحثين أن الإمام أحمد بن يحيى استطاع، بعد النزاع الحدودي مع المملكة العربية السعودية، أن يخرج باتفاق منح اليمنيين الشماليين امتيازات خاصة في الدخول والعمل داخل المملكة، وهي ترتيبات استمرت سنوات قبل أن تتغير مع التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة.
كما حافظت المملكة، عبر مراحل مختلفة، على شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات وقبائل يمنية، وقد ارتبط بذلك تقديم مخصصات وإعانات لعدد من المشائخ والوجهاء، وهو أمر تحدث عنه عدد من الشخصيات اليمنية، منهم الشيخ الراحل صادق الأحمر. وتشير روايات سياسية إلى أن هذه الترتيبات شملت، في بعض المراحل، شخصيات جنوبية بصورة محدودة، ثم توسعت لاحقًا لتشمل شخصيات من اتجاهات سياسية مختلفة.
إن قراءة السياسة السعودية في اليمن لا ينبغي أن تُختزل في موقف أو حادثة بعينها، بل تُفهم في إطار استراتيجية طويلة النفس، تتبدل فيها الوسائل، بينما يبقى الهدف مرتبطًا بحماية المصالح وإدارة النفوذ والتأثير في محيطها الإقليمي.
وقد يختلف الناس في تقييم هذه السياسة، لكن من الصعب إنكار أن المملكة العربية السعودية ظلت، لعقود، أحد أبرز الفاعلين في الملف اليمني، حضورًا وتأثيرًا، وأن كثيرًا من التحولات التي شهدها اليمن ارتبطت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالدور السعودي في المنطقة.
عوض المجعلي
رئيس المركز الاعلامي للدرسات والبحوث المنطقة الوسطى - أبين