آخر تحديث :الخميس-05 نوفمبر 2026-12:31م

السُّلْطَةُ الزَّمَنِيَّة

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 11:21 م
عوض المجعلي


كنتُ في نقاشٍ مع أحد الأصدقاء، فقال لي: «هل تعرف ما معنى السلطة الزمنية؟» قلتُ: «عندي جوابٌ قد لا يكون دقيقاً، وهو أنَّ للسلطة زَمَناً محدداً». قال: «نعم، هو كذلك». وهذا المصطلح كثيراً ما كان يذكره الشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله-؛ كيف أنَّ السلطة لها زمنٌ محدد مكتوبٌ بالأجل، أو بالإنهاء، أو بالإقالة، أو بالانقلاب، ولا يمكن لأحدٍ أن يُخلَّد في هذه الدنيا، ناهيك عن منصبٍ أو موقع؛ فالأيامُ دُوَل، وهذه سُنَّةٌ إلهية جارية في المجتمعات والأفراد، كما قال الله تعالى:

​﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

​بل إنَّ الأرض نفسَها وحكمَها والملك فيها لا يخلد لأحد، كما قال عز وجل:

​﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]

​ومن المفارقات العجيبة أنَّ المُلْك والجاه يُعطَيان للإنسان -سواء كان منصباً أو مكانةً أو غير ذلك- بتكليفٍ اواختيار وهو لا يملك من أمره شيئاً، ولكن عندما يُقال أو يُعفى لا يتركه إلا بنزاعٍ أو انتزاع! وقد جاء الوصف القرآني بديعاً لهذا المعنى في قوله تعالى:

​﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]

​فكم من جَبَّارٍ قصمه الله، وكم من متكبرٍ بالجاه والسلطة أذلَّه الله! هذا قانون الله الذي لا يُحابي نبيّاً مُرسَلاً ولا مَلَكاً مُقرَّباً.

​إنَّ على الجميع أن يتذكروا أنَّ منصبَ أحدهم وسلطتَه لو دامت لغيره ما وصلت إليه، وأنها ستزول عنه لغيره، فما عليه إلا أن يُيسِّر على الناس ويتواضع، ولا يبخل بخدمة الخلق؛ لأن أحبَّ العباد إلى الله أنفعُهم لعياله (أي لمن يعولهم)، كما في الحديث الصحيح.

​وليكن دَيدَنَ أيِّ مسؤول ألا يضيقَ صدره بقضاء حوائج الناس والتيسير عليهم، وألا يكذب عليهم؛ لأن هذا ممّا يمقته الله سبحانه، وقد جاء في الحديث المتفق عليه تحذيرٌ شديدٌ للراعي الكذّاب.

​وقد كان للنبي ﷺ دعوتان موجَّهتان لمن يتولى وظيفةً عامة أو منصباً، ولا محالة تصيب إحداهما كلَّ من يتولى أمور الناس؛ حيث قال ﷺ:

​«اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ».

​كما حذَّر النبي ﷺ من يطلب الوظيفة العامة والمنصب وهو ضعيفٌ لا يقدر على أداء حقها، كما حدث عندما طلبها أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-، فقال له النبي ﷺ:

​«يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا».

​ولنا عِبرةٌ في غابر الزمان من فرعون وهامان، وممّن بعدهم وممّن قبلهم ممن ملكوا الأرض؛ حيث يُذكر أن الذين ملكوا الأرض كلَّها أربعة: مؤمنان أقاما العدل، وكافران ظلموا وعاثوا في الأرض فساداً. ولنا عِبرةٌ كذلك في الرؤساء والزعماء إلى أيامنا هذه؛ فلعلنا أن نرعى الأمانة ونُيسِّر على الناس وعلى من وُلِّينا عليهم، ولو كانوا أبناءنا وأزواجنا.

​واللهُ من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل

عوض المجعلي

رئيس المركز الاعلامي للدرسات والبحوث المنطقة الوسطى أبين