السادس عشر من رمضان الواحدة ظهرا
ضيق تنفس وكحة شديدة تفاجئ والدي
مستشفى التضامن كان وجهتنا
أوكسجين وبخار ثم تحاليل دم وكشافة x ray
نتائج اشتباه بإصابته بكورونا
متعلثما يبدو الطبيب وهو يخاطبني
بخطى متسارعة نسابق الشمس قبل أن تلملم خيوطها كي نصل المحجر الصحي بجلاس
كل شيء مثار للخوف هنا الكل يأتي وينظر إلى والدي ثم يبتعد خائفا حذرا دون أن ينبس ببنت شفه فقط هو الخوف من كل شيء هنا .
أوكسجين بخار ومضادات حيوية والبارستمول قدمها الأطباء على عجالة
التدهور الصحي لحالة والدي سيد الموقف طيلة الثلاث ليال الاولى
صعوبة في التنفس ونبضات تتسارع وحالة من اللاوعي يبدو أن والدي قد دلف إليها ,
أما أنا فمزيج من القلق والأرق والكوابيس والهذيان تبدو جلية علي خاصة بعد دخولي معترك البحث عن اسطوانه اوكسجين كل اربع ساعات في الوقت الذي يحوي المحجر ثلاث اسطوانات فقط
وفد طبي من وزارة الصحة لأخذ عينة أنفية وبلعومية لوالدي لإجراء فحص PCR
يومين مضت وانا اترقب بصمت وتوجس ، أرق يصاحبني طيلة غفواتي التي لا تزيد عن نصف ساعة كل ليلة اقول سأنام فيها
الخامسة عصر أيضا تأبى الا ان تكون ساعة الفجيعة
حالة والدي مؤكدة بأصابتها بكورونا هكذا وصلني الخبر !
امضيت نصف ساعة في بهو المحجر أصارع مخاوفي وأطرد شرودي حتى تمكنت ع الأقل من الظهور أمام والدي بصورة مغايرة تماما
دخلت مبتسما أزف له خبر عدم إصابته بكورونا وبداخلي جلبة من المخاوف تنخر تفكيري ، قال لي متبسما هو الآخر اذا ما هذا المرض الذي لم أعهده بحياتي ؟ قلت له التهابات حاده أتت في هذا العمر كإنعكاس لتلك السنين التي كنت تدخن فيها بشراهة اتذكر ؟
قال وهل هي معدية قلت له على الاطلاق .. أخذ تنهيدة وحمد الله ونام
أما أنا فحاولت أخذ تنهيدة أجزم انها وقفت في منتصف صدري واستحالت الى وجع يلازمني طيلة الوقت وانا ادعوا الله بقلب تحاصره المخاوف أن يحفظ عائلتنا من الوباء
جميعنا كنا قد خالطنا والدي دون أن نعرف أنه قد أصيب بكورونا حين قدم من عدن قبل أيام من ظهور الأعراض عليه ...
المرحلة إستثنائية يشوبها القلق الطبيب يخبرني أن الوقاية خير من العلاج
فيتامين سي وبرتقال وليمون وزنجبيل وعسل وحبه سوداء
اصبحت جزء من منظومتنا الغذائية كل صباح ومساء
وتمضي الايام مثقلة بالخوف وانا اشاهد الموت يتخطف الأرواح هنا في المحجر حالتين اليوم توفيت
اعود كلما خرجت من عند والدي سريعا اراقب حالته واعطيه جرعات من الامل أن حالته اليوم بعد كل تحليل دم نجريه له اصبحت مهيئة للخروج رغم أن نتائج التحاليل تربكني
بيد أنه يقول اباك متعب اشعر ان روحي تنتفض حين تأتيني نوبة السعال وينقطع انفاسي هل هناك علاج يقضي على هذا العناء الذي يلازمني ..؟
تمر الايام والمضادات الحيوية رفيقة غرفته الصغيرة بعد أن اضاف له الطبيب العلاج الطبيعي عسل وكركم وحبة سوداء ، بخار ليمون صباح مساء زنجبيل وفيتامين سي وبرتقال وكيوي كانت حاضرة بقوة ، وعيون الأطباء تراقب بحذر
ليلة العيد كان والدي متذمرا هذا اول عيد أعيشه بهذا الشكل !!! حمدا لله ع العافية ،
وتمر ايام العيد بملامح مغايرة تماما لكل عيد ، عيدنا أن عائلتنا بخير ، عيدنا أن أحدا لم يصب في البيت ولم تنتقل العدوى
المظاهر الباذخة والثياب الجديدة والتهاني وأغان العيد كلها كانت غائبة عنا
كنا نبتهج بكل ساعة تمر دون أن يعطس فيها أحد
رابع ايام العيد تم اخذ عينة أخرى
يومين إضافيين تمضي مثقلة ايضا لكن فيها مسحة من الطمأنينة أن والدي قد استغنى عن اسطوانة الأوكسجين والبخار وبدأ يخطو من جديد بعد ان لازم السرير طويلا
حالته تحسنت وأصبحت أنام لساعات مطمئنا بالقرب من غرفته بعد أن اضحى قادر على التكفل ببعض أموره من مأكل ومشرب
أين السلال هكذا ينادي الطبيب سألته ماذا ؟ يخبرني بوجه بهيج أن نتيجة الفحص سليمة
تلألأت بوجهي السماء ولمعت بعيني فرحة العيد في هذه اللحظات وعاد قلبي ليخفق بعد عشرين يوما من الوجوم ..
اخيرا تغلب والدي ذو الستين عاما والمصاب بالسكر ، والضغط ، والقلب ، وأمراض أخرى على فايروس كورونا ... حمدت الله في تلك اللحظة وأخبرته مازحا بعد أن أتى الأطباء يباركوا له سلامته قلت مما شفيت حتى يباركوا لك قال من الالتهابات ! انفجرت ضاحكا وقلت لا بل من كورونا ، سألني بنبرة حادة ماذا تقول ؟ قلت نعم انت شفيت من كورونا ولم نخبرك حتى لا نقض على الجيش المناعي لديك ونهزم عزيمتك . ..
حمد الله وأثنى عليه وودعنا المحجر بتحية شكر وتقدير للكادر الصحي على كل ما قدموه وخص منهم الدكتور فهد السلال طبيب عام وباطني الذي كان له الفضل بعد الله عز وجل في تجاوز والدي لهذا الوباء القاتل فجزاه الله عنا خير الجزاء ، ونسأل الله أن يرفع الوباء عن أمتنا ويزيح ظلام الليل بفجر بهيج إنه ولي ذلك والقادر عليه.