ليس الشيب الأبيض الذي يكسو رأس الأستاذ علي ناصر الهدار المارمي مجرد علامة على عبور السنوات، بل هو صورة لعمرٍ أمضاه الإنسان في ميادين الحياة والعمل. غير أن قيمة الرجال لا تُقرأ من ملامح أعمارهم، وإنما من آثارهم في حياة الآخرين، ومن قدرتهم على تحويل المسؤولية من منصب إداري إلى رسالة إنسانية.
فمنذ توليه رئاسة الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات في العاصمة المؤقتة عدن، حافظ المتقاعدون على انتظام صرف رواتبهم دون أن تطالهم معاناة التأخير، وهو أمر يستحق التقدير؛ لأن راتب المتقاعد ليس رقمًا في كشف مالي، ولا استحقاقًا إداريًا عابرًا، بل هو ثمرة سنوات طويلة من العطاء، وحق إنساني لمن أفنى عمره في خدمة المجتمع، ثم وجد نفسه في مرحلة يحتاج فيها إلى من يصون كرامته قبل أن يصون مستحقاته.
واليوم، يفتح الأستاذ الهدار نافذة أمل أمام التربويين العالقين الذين انتهت خدماتهم، من خلال البحث عن حلول عاجلة لمعالجة أوضاعهم التأمينية. وهي قضية لا تحتمل مزيدًا من الانتظار؛ فالمعلم الذي قضى سنوات عمره بين الأجيال يستحق ألا تكون نهاية خدمته بداية لمعاناة إدارية جديدة.
ومع تقديرنا لهذه الجهود، فإن تطلعات المتقاعدين تتجاوز انتظام الصرف إلى إنصاف أوسع، يتمثل في مراجعة أوضاع رواتبهم في بعض المحافظات والعمل على تحسينها، بما يراعي سنوات الخدمة ومتطلبات الحياة؛ فليس من الوفاء أن نحتفي بعطاء الإنسان في سنوات عمله، ثم نتركه يواجه أعباء الحياة وحده بعد تقاعده.
إن المسؤولية الحقيقية لا تمنح صاحبها قيمة بمجرد الجلوس على كرسي المنصب، وإنما تمنحه مكانته بما يتركه من أثر، وبما يرفع عن الناس من معاناة، وبما يعيده إليهم من ثقة بأن مؤسسات الدولة وُجدت لخدمتهم وصيانة حقوقهم.
ولعل الأستاذ علي ناصر الهدار المارمي يقدم اليوم صورة نأمل أن تتسع، وأن تتحول هذه الجهود إلى مسار مستمر لإنصاف المتقاعدين، ومعالجة ملفاتهم العالقة، وتحسين أوضاعهم، بعيدًا عن تعقيدات الإجراءات وطول الانتظار.
فالمتقاعد لا يطلب من الوطن منّة، بل ينتظر وفاءً لسنوات منحها للوطن. ومن خدم الناس في ريعان شبابه، لا يجوز أن يُترك وحيدًا في خريف عمره.
وتبقى رسالتنا أن حقوق المتقاعدين أمانة في أعناق كل من يتولى المسؤولية، وأننا نأمل أن يجدوا في الأستاذ الهدار صوتًا لحقوقهم، ويدًا تمتد لمعالجة قضاياهم؛ فالتاريخ لا يحتفظ بأسماء شاغلي المناصب بقدر ما يحتفظ بأثرهم في حياة الناس.
وللحديث بقية مع كل إنجاز يُضاف إلى رصيد الهدار، رجل أبين.