آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-02:52ص
العالم من حولنا

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم قواعد الاستهداف

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - 01:46 ص بتوقيت عدن
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم قواعد الاستهداف
المصدر: (عدن الغد) وكالات

تخطت فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف العسكري الخيال العلمي إذ باتت واقعا.


ووفقا لموقع ريسبونسبل ستيت كرافت، دخلت التكنولوجيا بالفعل إلى ساحة المعركة، وأصبحت أنظمة قادرة على تحليل البيانات وتحديد الأهداف والمساعدة في اختيار الأسلحة جزءاً من العمليات العسكرية الأمريكية، ما يفتح سؤالاً أكثر إلحاحاً من مجرد مدى دقة الآلة: هل يجعل الذكاء الاصطناعي الحرب أقل فتكاً بالمدنيين فعلاً؟


هذا السؤال برز خلال جلسة استماع أُبلغ خلالها مشرعون أمريكيون باستخدام الجيش هذه التقنيات لتحديد أهداف الخصوم، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي توسيع نطاق استخدامها إلى زيادة عدد الأهداف بدلاً من تقليص الخسائر البشرية.




وبحسب الموقع، يستند المدافعون عن هذه التكنولوجيا إلى وعد أساسي مفاده أن الآلة تستطيع معالجة معلومات تفوق قدرة البشر، وبالتالي تحسين دقة الاستهداف والحد من الأضرار الجانبية.


وعد الدقة يصطدم بأرقام الميدان

في حلقة نقاشية عام 2024، قال أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير”، إن التكنولوجيا يجب أن تكون قادرة على “تقليل حجم الأضرار الجانبية ووفيات المدنيين بشكل كبير”. وشارك هذا التصور إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لـ”جوجل”، وديفيد كوهين، نائب مدير الاستخبارات المركزية السابق.


لكن انتقال التكنولوجيا من الخطاب النظري إلى ميدان القتال يطرح صورة أكثر تعقيداً. فقد ضرب البنتاغون 13 ألف هدف خلال الأيام الـ38 الأولى من الحرب، مستعيناً بنظام “مافن” التابع لـ”بالانتير” لتحديد الأهداف والأسلحة المستخدمة في الهجمات.


وفي جلسة نظمتها لجنة “توم لانتوس” لحقوق الإنسان، قال خبراء إن الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يؤدي تلقائياً إلى خفض الأضرار المدنية لا تؤيده الوقائع التي استشهدوا بها من إيران وأوكرانيا واليمن وغزة.


وقال ستيفن فيلدستين، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: “أنا لا أتفق مع ذلك”. فبينما يتحدث مؤيدون عن دقة تصل إلى 90 في المائة، يرى فيلدستين أن النسبة الفعلية قد تكون أقرب إلى 50 في المائة.


عندما تصبح الآلة جزءاً من قرار القتل

وتتضح المعضلة بصورة أكبر عند الانتقال من دقة تحديد الهدف إلى القرار المتعلق بما يحدث بعد تحديده. فقد أثار مشرعون تساؤلات بشأن احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجوم الذي وقع في 28 فبراير/شباط على مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، وأسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصاً.


وعندما سُئل شيام سانكار، المسؤول في “بالانتير”، عن دور الشركة، وصف الحادث بأنه “مأساة لهؤلاء الفتيات بلا شك”، لكنه قال إن التكنولوجيا ساهمت تاريخياً في تقليل الأضرار الجانبية.


غير أن فيلدستين يرى أن زيادة دقة الاستهداف لا تعني بالضرورة انخفاض عدد الضحايا، لأن عدد الأهداف التي يمكن تحديدها يصبح هائلاً.


وتظهر الإشكالية نفسها في غزة، حيث يزعم الجيش الإسرائيلي أن نظام “لافندر” المعتمد على الذكاء الاصطناعي يحقق دقة تبلغ 90%. غير أن أماندا كلاسينغ، من منظمة العفو الدولية، ترى أن الدقة تفقد معناها عندما تُنتهك قواعد التناسب، مثل استخدام قنبلة تزن 2000 رطل ضد مبنى سكني.


الخوارزمية لا تحدد وحدها ما هو مقبول

فالذكاء الاصطناعي لا يضع قواعد الحرب بنفسه؛ بل يعمل ضمن معايير وقرارات بشرية تحدد ما يعتبر هدفاً وما يُعد خسارة مدنية مقبولة. ويقول فيلدستين: “إذا قرر الجيش أنه من المقبول مقتل 5 مدنيين مقابل كل مشتبه به يتم استهدافه، فأنت بذلك تحدد للآلة ما هو مقبول”.


وبحسب مصدر استخباراتي تحدث إلى صحيفة “الغارديان”، استُخدم “لافندر” لتحديد 37 ألف رجل فلسطيني كأهداف محتملة، فيما تعرض العاملون لضغوط مستمرة لإضافة مزيد من الأهداف. كما وافق الجيش الإسرائيلي على هجمات ضد أهداف منخفضة الأهمية مع احتمال مقتل 15 إلى 20 مدنياً.


وفي الوقت الذي تُطرح فيه التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لجعل الحرب أكثر إنسانية، تتراجع، في المقابل، بعض برامج التدريب المخصصة لحماية المدنيين. فقد انخفض عدد موظفي “مركز التميز لحماية المدنيين” التابع للبنتاغون، الذي أُنشئ عام 2023، من 40 موظفاً في يناير/كانون الثاني 2025 إلى 9 بحلول نهاية 2026.


وهنا تعود المسألة إلى نقطة البداية: إذا كان الذكاء الاصطناعي أكثر دقة وأقدر فعلاً على تقليل الخسائر المدنية، فأين الدليل؟


بالنسبة إلى براون، الإجابة لا تحتاج إلى خوارزمية معقدة، بل إلى بيانات تثبت الوعد الذي قطعته التكنولوجيا: «إذا كان الأمر كذلك… فلنطلع إذن على الأدلة».