تُعد كلية العلوم البيئية والأحياء البحرية أحد المعالم البارزة في جامعة حضرموت، وتشكّل أحد الروافد العلمية المساهمة في بناء النهضة، من خلال المهام الجسام الملقاة على عاتقها في بناء كوادر مزوّدة بالمعارف النظرية والخبرات العملية والسلوكيات الإيجابية، وقادرة على توظيفها لدراسة العلوم البيئية والأحياء البحرية وعلوم وتكنولوجيا الأغذية، واستغلال الثروة السمكية وتنميتها، والتوسع في مجال التصنيع الغذائي وجودته والسلامة الصحية، وفقًا للمعايير الوطنية والإقليمية والعالمية، والحد من التلوث بكافة أشكاله، وصولًا إلى بيئة صحية ونظيفة.
«عدن الغد» حاورت عميد كلية العلوم البيئية والأحياء البحرية بجامعة حضرموت، الدكتور خالد عوض الرباكي، الذي أوضح الكثير عن نشاطات الكلية، نتعرّف إلى ذلك من خلال الحوار الآتي:
حاوره/ عبدالعزيز بامحسون
ممكن تحدثونا أولًا عن البدايات الأولى للتأسيس، وكم كان عدد الأقسام في بدايتها، والآن كم عدد الأقسام والتخصصات والطلاب فيها؟
بالنسبة إلى بدايات التأسيس، فإن الكلية تأسست في العام 1996م، تحت مسمى «كلية العلوم البيئية والأسماك»، إذ بدأت الدراسة الفعلية في درجة البكالوريوس مطلع العام الجامعي 1997/1998م، بقسمين علميين فقط، هما: العلوم البيئية والأحياء البحرية.
وتُعد الكلية من أوائل الكليات التي قامت عليها جامعة حضرموت، بوصفها واحدة من الأعمدة الرئيسة التي تأسست بموجبها الجامعة. ونظرًا للتطور الخاص في الثروة، غُيّر مسماها إلى «كلية العلوم البيئية والأحياء البحرية» في العام 1999م، وهو ما يزال إلى يومنا هذا.
ونظرًا لزيادة أعداد المصانع والشركات ومصانع الأسماك في محافظة حضرموت، ولحاجة الكثير منها إلى كوادر متخصصة في علوم وتكنولوجيا الأسماك وتعبئتها بمواصفات عالمية، استُحدث في العام 2002م قسم علمي ثالث سُمّي «قسم تكنولوجيا الأسماك»، حيث بدأنا القبول فيه منذ العام الجامعي 2002/2003م.
ورأينا فيما بعد أن هناك حاجة في السوق إلى متطلبات أخرى، ليست فقط في عملية تكنولوجيا الأسماك وتصنيعها، فوسّعنا المنهج الدراسي وغيّرنا اسم هذا القسم الثالث إلى «قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية»، كون الأسماك وتصنيعها جزءًا لا يتجزأ من عملية الأغذية.
الكلية الآن، ومع الأوضاع التي تمر بها البلاد، تُعد من أهم الكليات في البلد، وهي الوحيدة العاملة، خصوصًا فيما يتعلق بالأحياء البحرية والثروة السمكية.
وتوجد في الكلية اليوم ثلاثة أقسام علمية رئيسة، وهي:
قسم علوم وتقنيات البيئة، وكان اسمه سابقًا قسم العلوم البيئية.
قسم الأحياء البحرية.
قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية.
جميع هذه الأقسام العلمية تمنح درجتي البكالوريوس والماجستير، عدا قسم الأحياء البحرية الذي يمنح أيضًا درجة الدكتوراه.
في الحقيقة، الكلية نوعية ومهمة جدًا للمجتمع، وكما تعرفون، فإنه لا يمكننا العيش في بيئة ملوثة وأنظمة غذائية بعيدة عن المعايير والمواصفات المعتمدة، ولا يمكننا أن ننظر إلى استنزاف الموارد الطبيعية بجميع أشكالها؛ لذلك قلت إنها مهمة لنا كبشر للحفاظ على كل شيء في هذا الكوكب.
تمتلك الكلية العديد من القاعات الدراسية والأجهزة والوسائل العلمية الحديثة، كما لدينا نحو سبعة مختبرات علمية مجهزة بالأدوات والأجهزة التي لن نقول إنها حديثة، لكنها تلبي الغرض للعملية التعليمية وخدمة المجتمع.
كما تمتلك الكلية كادرًا متميزًا يضم نحو 50 عضو هيئة تدريس رئيسًا، من مدارس مختلفة حول العالم؛ فمنهم من درس في أوروبا وأمريكا وروسيا وآسيا والدول العربية، وهذا بحد ذاته مصدر قوة. وهناك عدد لا بأس به من أعضاء الهيئة المساعدة وفنيي المختبرات.
حدثونا عن استقبال الكلية للعام الجامعي الحالي 2026/2027م، وكيف كانت البدايات؟
في بداية عام التأسيس، أي في العام الجامعي 1997/1998م، استقبلت الكلية أولى دفعاتها بنحو 50 طالبًا، ثم كان هناك انخفاض في عدد الطلاب نتيجة للمشكلات والأوضاع التي واجهتها وتواجهها البلاد بشكل عام.
ولكن حاليًا، وخلال السنوات الثلاث الماضية، والحمد لله، رأينا زيادة ملحوظة في أعداد الطلاب. ولو تحدثنا بلغة الأرقام، فيوجد لدينا في الأقسام العلمية الثلاثة نحو 260 طالبًا وطالبة.
هذا العام نتوقع استقبال نحو 90 أو 100 طالب، وهو مؤشر جيد مقارنة ببعض الكليات. ونعلم جميعًا أن هناك مشكلة كبيرة جدًا، وهي عزوف الطلاب عن مواصلة الدراسة الجامعية لأسباب كثيرة، في مقدمتها الظروف الاقتصادية التي تواجهها كل أسرة وكل بيت في بلدنا.
هل المناهج في الكلية تواكب العصر الحديث وسوق العمل؟
سؤال في منتهى الروعة. وبالمناسبة، أكملنا خلال الأسبوعين الماضيين دورة مهمة جدًا حول إعداد مراجعين خارجيين للدراسات الذاتية للبرامج الأكاديمية، وتُقام للحصول على الاعتماد الأكاديمي.
وتعرفون أنه شُكّل مجلس الاعتماد الأكاديمي على المستوى الوطني، وهذا المجلس يعطي أو يمنح الاعتماد، وهو جزء مهم جدًا لمواكبة العصر ودول الجوار ودول العالم. وبمعنى أبسط، يقول لك هذا الاعتماد إن برنامجك يسير في الاتجاه الصحيح، وعليك دائمًا التطوير والتحسين المستمر لكي تصل إلى القمة، وحتى يكون للبرنامج أهمية وحاجة وطلب في سوق العمل.
كانت ورشة رائعة وفي الصميم، ونحن، بإذن الله تعالى، سنأخذ منها العِبر لكي نقوم بتحديث البرامج الدراسية، لتكون أكثر مواكبة للسوق.
طبعًا، فيما يتعلق بكليتنا، نعم، نحن نقوم بعملية التطوير المستمر للبرامج الأكاديمية بالحد الأدنى، حقيقةً؛ لأن عملية التطوير والجودة تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، فنحن نعمل بالحد الأدنى على انتشال هذا الوضع، ونحاول الرقي به إلى المستوى المطلوب.
فمثلًا، أعددنا الآن دراسة ذاتية لقسم الأحياء البحرية وأكملناها، ونحن الآن بصدد المراجعة الداخلية في الجامعة، مع مركز التطوير الأكاديمي وضمان الجودة، لاعتماد هذه الدراسة. وتتضمن تغييرًا للمناهج والمقررات الدراسية وطرق التدريس والتقييم وما إلى ذلك، لكي نواكب التطورات.
وبالنسبة إلى الأقسام العلمية الأخرى، قررنا بعد هذه الدورة أن نجلس مع رؤساء الأقسام العلمية، ونحاول أن نبدأ عملية التقييم الفعلي، أو نعمل الدراسة الذاتية المحلية الآن في إطار الجامعة، ومن ثم نقدمها إلى مجلس الاعتماد الوطني على مستوى الجمهورية.
وبالمناسبة، لدينا الآن كذلك مشروع أوروبي «Move» لدعم البرامج الأكاديمية وتطويرها في العراق واليمن، والحمد لله، كليتنا مستهدفة في هذا المشروع، وبالأمس رفعنا بعض المقترحات لتطوير البرامج واستحداث بعضها.
هل لديكم مبادرات في الجوانب البيئية لمنع انتشار التلوث أو الحد منه في المحافظة، سواء على مستوى اليابسة أو البحر؟
فيما يتعلق بمبادراتنا حول الحد من انتشار التلوث في المحافظة، سواء على مستوى اليابسة أو البحر، نعم، أخي، نحن نقوم، سواء من خلال الكادر التدريسي في الكلية أو الطلاب، بتنفيذ العديد من المبادرات والنزولات الميدانية، وإلقاء المحاضرات التوعوية بين الحين والآخر في المرافق والمدارس والمؤسسات.
هذه المحاضرات تركز في الأساس على لفت نظر المجتمع إلى القضايا البيئية الملحّة، ومنها قضية انتشار البلاستيك وخطورته على البيئة، وانتشار التلوث البحري، والتلوث النفطي، وتلوث الهواء، وما إلى ذلك من موضوعات مهمة.
كما أن طلابنا ينفذون مبادرات وحملات تنظيف في كثير من المواقع. وبالمناسبة، أدعوكم، أخي الكريم، إلى زيارة موقع الكلية على موقع جامعة حضرموت؛ فستجدون هناك الكثير من الأنشطة التي نفذتها الكلية خلال السنوات الماضية.
ما مدى تعاونكم مع مكتب هيئة المصائد السمكية بالمحافظة للحفاظ على الثروة السمكية من الجرف العشوائي أو تدمير الشعاب المرجانية؟
مكتب هيئة المصائد السمكية شريك رئيس لنا، ونحن سعداء جدًا بالتعاون مع الهيئة. وبالمناسبة، وبفضل الله وحمده، لدينا علاقات كثيرة جدًا مع العديد من المؤسسات، سواء الحكومية أو غير الحكومية.
كذلك، لدينا علاقات قوية جدًا مع هيئة المواصفات والمقاييس، ومؤسسة المياه، وهيئة حماية البيئة، وهيئة علوم البحار وغيرها. كما تربطنا علاقات مع الشركات والمصانع والمؤسسات الخاصة، والعديد منها يستفيد من مختبراتنا في إجراء الكثير من الفحوصات، التي نقوم بها مقابل مبالغ رمزية، تطبيقًا لرسالة جامعتنا المتمثلة في خدمة المجتمع.
نحن كلية متخصصة، وكوادرنا، والحمد لله، موجودة في كل مكان وفي مراكز مرموقة، سواء على مستوى المحافظة أو حتى على مستوى الجمهورية. ولدينا من خريجي كليتنا وكلاء ومديرون ونواب وفنيون؛ لذلك نحن فخورون بهم كثيرًا، ونبتغي ونأمل منهم الآن أن يساعدونا في حلحلة الكثير من القضايا المتعلقة بالبيئة والبحر والهواء والغذاء، من أماكنهم ومواقعهم ومسؤولياتهم، للحفاظ على البيئة.
نعم، تربطنا بهيئة المصائد السمكية علاقة طيبة فيما يتعلق بالبحر ومشكلاته وقضاياه، ومنها قضايا البحر والاصطياد التقليدي والجرف. ونحن أكثر اهتمامًا بالجانب البحثي فيما يتعلق بالأبحاث العلمية، وتربطنا بالهيئة وبمركز أبحاث علوم البحار موضوعات كثيرة.
ولدينا الآن، والحمد لله، مشروع حول توطين الشروخ وإعادة تطويره وتنميته بشكل كبير جدًا، بعد انحساره عن الشواطئ اليمنية نتيجة التدمير الممنهج لبيئاته.
ماذا عن علاقة الكلية بالواقع التطبيقي وحماية البيئة من التلوث؟
سؤال رائع. نحن نوجّه إليكم الدعوة لزيارة الكلية والاطلاع عن قرب على المشاريع البحثية التي تتناول الكثير من القضايا والمشكلات، ومنها: مشكلة تلوث المياه، ومشكلة تلوث التربة، ومشكلة تلوث الهواء، ومشكلات التصحر، ومشكلات اختلاط المياه الصحية أو مياه الصرف الصحي بالمياه الجوفية أو السطحية، ومشكلات البحر والثروة السمكية، ومشكلات التصنيع الغذائي وكيفية الحفاظ على الجودة. وستكون هذه الوثائق خير إجابة عن هذا السؤال.
هل هناك إقبال من الفتيات على أقسام الكلية أم هناك تدنٍّ؟
نعم، هناك إقبال من الفتيات على الأقسام العلمية بالكلية، خصوصًا قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية. وبشكل عام، تبلغ نسبة الفتيات في الكلية نحو 90% من إجمالي الطلاب المقيدين.
ما الخدمات التي تقدمونها للمجتمع؟
في الحقيقة، ترتبط الكلية ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع، من خلال إجراء العديد من الفحوصات اليومية، سواء الكيميائية أو الفيزيائية أو الميكروبيولوجية، للعديد من الشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وحتى الأفراد.
ولدينا أجهزة ومعدات وفنيون مختصون في هذا الجانب، كما أن لدينا باعًا طويلًا في هذا الأمر، يؤهلنا لتقديم خدماتنا للمجتمع.
ما أبرز التحديات السمكية في الوقت الراهن من وجهة نظركم؟
بالنسبة إلى التحديات السمكية التي تواجه البيئة البحرية، أقولها صراحةً: إن البحر يئنّ مما يتعرض له من مشكلات عديدة. فعدم تطبيق اللوائح البحرية من قِبل عدد من شركات الاصطياد والصيادين الذين عبثوا بمصائد الصيد سينتهي بكارثة، إذا استمر الوضع دون تغيير، وهذا ربما سنشاهده خلال السنوات القادمة.
لهذا، نأمل من الجهات المعنية والسلطات المحلية أن تأخذ هذا الأمر بجدية، وتوقف هذا العبث العشوائي، وتتخذ كافة الإجراءات اللازمة لإعادة الأمور إلى مساراتها الصحيحة، وإعطاء البحر فرصة للتعافي.
وبكلمات بسيطة، نريد فقط تطبيق اللوائح وإنفاذ القانون. فمثلًا، هناك مشكلة الحوي، ومشكلة طحن الساردين «العَيد»، ومشكلة الغواصين. فالغواص ينزل إلى الأعماق ويصطاد أي شيء أمامه دون أية معايير، فلا بد من تدخل الجهات المعنية للحد من هذه المشكلات.
هل تريدون قول شيء في ختام هذا اللقاء؟
شكرًا لصحيفتكم على إتاحة هذه الفرصة. وأجدها فرصة لأقدم كل الشكر والتقدير لمعالي البروفيسور محمد سعيد خنبش، رئيس الجامعة، ولجميع النواب والأمين العام، على الدعم والمساندة التي يقدمونها لتحسين العملية التعليمية وتجويدها.
كما أحب أن أقدم شكري وتقديري لنائبي الكلية، ورؤساء الأقسام العلمية، والكادر التدريسي، والفنيين، والموظفين، على الجهود المبذولة للرقي بالكلية إلى مستويات أفضل. والله يوفقنا جميعًا.