في كل مرة نتأمل فيها واقع الإعلام اليوم، ندرك أننا لا نتحدث عن مهنة تقليدية بقدر ما نتحدث عن مساحة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحقيقة مع السرعة، وتتصادم فيها المهنية مع الفوضى الرقمية. لذلك لم يعد السؤال: كيف ننقل الخبر؟ بل أصبح: كيف نحمي الحقيقة من التشويه؟ وكيف نصنع إعلامياً لا يركض خلف الضجيج بل يقود الوعي وسطه؟
في هذا السياق، جاءت دورة مركز التغيير للإعلام والدراسات في مدينة عتق بمحافظة شبوة، كواحدة من المحاولات الجادة لإعادة ضبط البوصلة المهنية. ثلاثة أيام فقط، لكنها بدت كمساحة مكثفة لإعادة التفكير في معنى الإعلام ذاته، حيث اجتمع أكثر من ثمانين إعلامياً وإعلاميةً ونشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي، في تجربةٍ لم تكتفِ بالتلقين، بل حاولت أن تلامس جوهر المهنة: المسؤولية.
المحاور التي طُرحت لم تكن بعيدة عن الواقع المشتعل للمشهد الإعلامي؛ تدقيق المعلومات، مواجهة الأخبار المضللة، وتحرير الخبر الرياضي الرقمي، كلها بدت كعناوين لمرحلة إعلامية جديدة لا ترحم الأخطاء، ولا تتسامح مع التسرع. وفي مثل هذا المناخ، يصبح التدريب ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية للإعلامي الذي يريد أن يظل قريباً من الحقيقة.
لكن ما لفت الانتباه في هذه التجربة، ليس فقط تنوع المحاور، بل حضور الدكتور أديب الشاطري، الذي قدّم سلسلة محاضرات بدت أقرب إلى قراءة عميقة في أزمة الإعلام المعاصر، لا مجرد شرحٍ أكاديمي. الرجل لم يقدّم معلومات بقدر ما قدّم رؤية؛ رؤية تربط بين أخلاقيات المهنة وإدارة الأزمات، وبين وعي الإعلامي وتأثيره على المجتمع. ولهذا لم يكن غريباً أن يترك أثراً واضحاً لدى المشاركين، الذين وجدوا في طرحه ما يتجاوز القاعة إلى الواقع اليومي للعمل الإعلامي.
هنا تحديداً تتضح الفكرة الأهم: الإعلام لا يُبنى بالشعارات، بل بالكفاءات التي تعرف كيف تفكك الفوضى وتعيد ترتيب المعنى. والدكتور أديب الشاطري، بحسب ما عكسه تفاعل المشاركين، يمثل أحد هذه النماذج التي لا تكتفي بالشرح، بل تسهم في تشكيل وعيٍ مهنيٍّ جديد، يحتاجه الإعلام اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وفي النهاية، قد تبدو هذه الدورة حدثاً تدريبياً عابراً في روزنامة الفعاليات، لكنها في الحقيقة تكشف عن حاجة أعمق: أننا ما زلنا في مرحلة بناء الإعلام لا استكماله. وأن الطريق إلى إعلامٍ مهني لا يمر عبر كثرة الأخبار، بل عبر كثرة الوعي. وأن أسماء مثل أديب الشاطري، ليست مجرد حضور في دورة، بل جزء من محاولة أوسع لإعادة تعريف معنى أن تكون إعلامياً في زمنٍ مزدحم بكل شيء إلا الحقيقة.