يا عيدروس، في السياسة لا تكفي الخطب لتغطية الأخطاء، ولا تحوّل الشعارات الخسارة إلى نصر. ومن يطلب من الناس أن يثقوا بقيادته، عليه أولًا أن يواجههم بالحقيقة: ماذا فعل؟ ماذا أخطأ؟ ومن يدفع ثمن قراراته؟
في يناير مضيتَ في إعلانك السياسي، ثم دعوتَ إلى التعبئة، ودفعتَ برجالك إلى طريقٍ محفوف بالمخاطر. واليوم، تعود لتطلب من المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي الاعتراف بما أعلنته. هنا لا بد من السؤال الذي لا يجيب عنه خطاب تعبوي: إذا كنت تعرف أن مفتاح الاعتراف بيد الرياض، فلماذا لم تبدأ منها؟ ولماذا صار على الجنود أن يدفعوا ثمن قرار كان يمكن أن يبدأ بالحوار؟
لا تقل إن التضحيات فرضتها الظروف؛ فالظروف لا تُعفي القيادة من مسؤوليتها عن تقدير العواقب. ولا تقل إن المرحلة تتطلب الاصطفاف، وكأن الاصطفاف يغني عن المحاسبة. من حق الناس أن يعرفوا لماذا اندفع المسار إلى التصعيد، وما الذي تحقق منه، وما الذي خسره الجنوب، ومن يتحمل مسؤولية هذا الثمن.
الجنود الذين استُدعوا إلى الميدان ليسوا وقودًا لمشروع سياسي، ولا صورًا تُستحضر في الخطب عند الحاجة. هم بشر لهم أسماء وأسر وحق في معرفة الحقيقة. فإذا كانت الحسابات قد أخطأت، فالواجب أن يُقال ذلك بوضوح، وأن يُقدَّم الاعتذار لهم ولأسرهم، لا أن يُطلب منهم الاستعداد لتضحيات جديدة فيما تبقى قرارات الأمس بلا مراجعة.
الاعتذار هنا ليس تفصيلًا ولا تنازلًا؛ إنه الحد الأدنى من المسؤولية. قبل أن تطلب الاعتراف بإعلانك، اعترف أنت بما أخطأت فيه. وقبل أن تطلب من الناس تجديد الثقة، أجبهم: لماذا اتُّخذت تلك القرارات؟ وما نتائجها؟ وما الضمانة ألا تتكرر؟
أما المملكة، التي تتوجه إليها اليوم بطلب الاعتراف، فهي صاحبة وزن أساسي في مسار الحل والربط. إذا كنت ترى أن بابها هو الطريق إلى الاعتراف، فلماذا لم يكن الحوار معها هو البداية؟ السعودية ليست مخرجًا يُبحث عنه بعد استنزاف الرجال؛ إنها ملجأك السياسي الأخير، وكان الأجدر أن تدرك ذلك قبل أن تضع الجنوب وجنودك أمام كلفة التصعيد.
وكان غيرك أشطر حين فهم أن السياسة لا تُدار بالقفز إلى المجهول، وأن من يهرب من مراجعة قراراته قد يجد نفسه وحيدًا أمام نتائجها. فلا تجعل التصفيق من حولك بديلًا عن النقد، ولا تسمح لمن أدمنوا الشعارات أن يقنعوك بأن الاعتراف بالأخطاء هزيمة. الهزيمة الحقيقية أن تتكرر الأخطاء، وأن يُطلب من الناس دفع ثمنها مرة بعد مرة.
يا عيدروس، لا تبدأ بطلب الاعتراف من الآخرين. ابدأ بالاعتراف أنت: أخطأتَ في الحساب، وأثقلتَ الجنوب بالتبعات، وعليك أن تعتذر. بعد ذلك فقط يمكن الحديث عن مراجعة المسار، واستعادة الثقة، وأي مشروع سياسي يريد أن يقنع الناس بأنه يعمل من أجلهم.