آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-02:32ص

اليمن قبل 2005… حين كان للخبر وجه، وللجريمة حكاية، وللبلاد ذاكرة.

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 08:54 ص
داود محمد باعوضة


اليمن قبل 2005 حين كان للخبر وجه وللجريمة حكاية وللبلاد ذاكرة

كان لليمن قبل عام 2005 وجه آخر في ذاكرتنا وجه لا يخلو من التعب ولا ينجو من الفقر ولا يعرف الناس فيه حياة كاملة الخلو من الخوف لكنه كان وجها نعرف ملامحه ونحفظ أسماء شوارعه ونستطيع أن نروي حكاياته من أولها إلى آخرها

كانت الحياة تسير على مهل كأن الزمن يومها كان يمشي على قدميه لا يركض كما يفعل الآن وكأن للأيام متسعا من الوقت كي تمنح الإنسان فرصة ليعيش ما يحدث قبل أن يفاجأ بما سيحدث بعده

في تلك الأيام كانت الشوارع اليمنية تحمل رائحة الصباح وكانت الدكاكين تفتح أبوابها على أصوات الباعة وكانت المجالس تمتلئ بأحاديث الناس وكان للمذياع مكانه في البيوت وللتلفاز موعده وللنشرة الإخبارية هيبتها الصغيرة التي تجعل الجميع يصمتون قليلا كأن البلاد ستخبرهم بشيء ينتظرونه

لم تكن الأخبار تصل إلينا بهذه السرعة التي نعرفها اليوم كان للخبر طريق وكان له وقت وكانت بين وقوع الحادثة ووصولها إلى الناس مسافة تسمح للأسئلة بأن تنضج وللحكاية بأن تتضح وللقلوب بأن تستعد لما ستسمعه

كان الناس يعرفون أخبار مناطقهم ويتناقلون حكايات القرى والمدن ويسألون عن الغائب ويطمئنون على المسافر وتظل بعض الحوادث حديث المجالس أياما طويلة

وكان لمقتل إنسان واحد وقع مختلف في الذاكرة لا لأن اليمن يومها كان خاليا من القتل والجريمة ولا لأن الظلم كان غريبا عن أرضه بل لأن الخبر في كثير من الأحيان كان يصل إلى مجتمع يعرف وجوه الناس ويحفظ أسماءهم ويعرف أن وراء كل اسم بيتا وراء كل بيت أما تنتظر وأطفالا يسألون وأبا قد لا يعود إلى مائدة العشاء

إذا سمع الناس أن رجلا قُتل لم يكن السؤال الأول دائما عن عدد القتلى بل عن الرجل نفسه

من هو من أين جاء أين قُتل لماذا قُتل وما الذي حدث حتى انتهت حياة إنسان بهذه الطريقة

كانت الأسئلة تحيط بالحادثة وكان الناس يبحثون عن تفاصيلها لا بدافع الفضول وحده بل لأن الجريمة كانت في نظرهم حكاية لا بد أن تُفهم وحدثا لا بد أن يُعرف له سبب وسياق

وكان لاسم القتيل حضور يتجاوز الخبر فربما عرفه أحد الجالسين أو عمل معه رجل في سوق أو جمعته بآخر رحلة سفر أو كان ابنا لرجل يعرفه الجميع

وهذا لم يكن الموت رقما مجردا بل كان إنسانا يعرفه أحد ويشتاق إليه أحد وتنتظره عائلة لا تعلم أن يومها العادي سيتحول إلى عمر كامل من الفقد

ثم بدأت السنوات تمضي وبدأت ملامح البلاد تتغير ولم يكن عام 2005 بابا أُغلق خلفه الماضي ولا كان اليوم التالي له بداية الخراب دفعة واحدة كانت هناك سنوات تتعاقب وأحداث تتداخل وأزمات تراكم ومخاوف تكبر حتى أخذت البلاد تمضي نحو منعطفات أكثر قسوة

تغيرت أشياء كثيرة ولم يتغير كل شيء في يوم واحد

كبرت الأزمات السياسية واشتدت الانقسامات ومر اليمن بمحطات من الاضطراب ثم جاءت أحداث عام 2011 بما حملته من تحولات وصولا إلى تصاعد الصراع والحرب منذ عام 2014 وما تلاها من سنوات تركت آثارها الثقيلة على الإنسان والمكان

تغيرت المدن وتبدلت أحوال البيوت وغادر كثيرون أرضهم بحثا عن الأمان وتفرقت عائلات بين وطن يشتاقون إليه وبلاد يحاولون فيها أن يبدأوا من جديد

ولم تعد الحرب مجرد خطوط على خريطة أو أسماء جبهات تتردد في نشرات الأخبار صارت أما تفقد ابنها وطفلا يكبر بعيدًا عن أبيه ورجلًا يحمل صورة بيته الذي لم يعد يستطيع الوصول إليه وشابا يقطع المسافات بحثا عن عمل يحفظ به كرامته فيما يظل قلبه معلقا بأهله في الجهة الأخرى من الغياب

لم يعد الوطن عند كثيرين مجرد أرض يولدون عليها بل صار سؤالا يوميا هل ما زال البيت قائما هل ما زال أبي بخير هل نستطيع العودة وهل ستأتي أيام نلتقي فيها من دون أن يخيم على اللقاء خوف من خبر جديد

واليوم يكفي أن يفتح الإنسان هاتفه في الصباح حتى تنهال عليه الأخبار من كل جهة

قتيل هنا وانفجار هناك واختطاف في مكان واشتباك في آخر ونازحون يبحثون عن مأوى وأطفال لا يعرفون لماذا صار الطريق إلى المدرسة محفوفا بالخوف وعائلات تنتظر مكالمة قد تحمل إليها الطمأنينة أو تنقلها في لحظة إلى عالم آخر

خبر لم ينته بعد حتى يظهر خبر جديد

وصورة لم يستوعبها القلب حتى تزاحمها صور أخرى

واسم لم نحفظه حتى يمر أمامنا اسم ثان وثالث وعاشر

وهنا تكمن المأساة التي لا تتعلق باليمن وحده بل بالإنسان حين يُحاصر بسيل من المصائب إذ قد لا يفقد إحساسه لأن قلبه صار قاسيا بل لأن قدرته على الاحتمال أخذت تتآكل تحت وطأة التكرار

نحن لا نبكي كل خبر كما بكينا الخبر الأول ليس بالضرورة لأننا أصبحنا أقل رحمة بل لأن النفس البشرية مهما اتسع صدرها لها حدود في استقبال الألم وحين يصبح الحزن متصلا قد يتحول البكاء إلى صمت والدهشة إلى اعتياد والاعتياد إلى خوف من أن نفقد من حيث لا نشعر قدرتنا على التأثر

ما أقسى أن يرى الإنسان ما كان يومًا يستوقفه طويلا ثم يمضي عنه اليوم لأنه ينتظر خبرًا آخر

وما أقسى أن تصبح المأساة في زحام الأخبار عاجزة عن الاحتفاظ بمكانها في الذاكرة لا لأنها أقل فداحة بل لأن المآسي التي تتبعها لا تمنحها فرصة كافية لتستقر في القلب

أتذكرون كيف كانت المجالس تتناقل خبرا واحدا

كيف كان الناس يختلفون حول تفاصيله ويتساءلون عن أسبابها ويبحثون عمن يعرف شيئا يوضح الصورة

أما اليوم فقد يحمل الهاتف في دقائق ما لم تكن مجالس الأمس تسمعه في أيام صارت الأخبار أقرب إلينا من أي وقت مضى لكن قرب الخبر لا يعني دائمًا قرب الحقيقة وسرعة انتشاره لا تعني أن الناس فهموا أسبابها وكثرة الصور لا تعني أننا أدركنا حجم الألم الذي وراها

في الماضي كان الخبر يسافر إلينا ببطء أما اليوم فإننا نسافر بين الأخبار بسرعة لا تمنحنا وقتا كافيا لالتقاط أنفاسنا

صرنا نعرف ما يحدث في أماكن بعيدة ونحن جالسون في بيوتنا لكننا أحيانا لا نعرف كيف نساعد إنسانًا قريبا منا نشاهد المأساة ونققرأ تفاصيلها ونمرر الشاشة إلى الأسفل ثم نعود إلى أعمالنا كأن الحياة تطلب منا أن نواصل يومنا مهما كان ما رأيناه قبل لحظات

وليس في ذلك ما يدين الناس جميعًا فلكل إنسان أعباؤه ولكل بيت همومه ولكل قلب قدرة محدودة على حمل أوجاع الآخرين لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم يضع أمام أعيننا من الألم ما يفوق قدرتنا على استيعابه

كيف نمنع كثرة الأخبار من أن تجعل الإنسان مجرد رقم والدم مجرد صورة والفاجعة مجرد عنوان عابر

وكيف نتذكر أن وراء كل خبر لا نملك الوقت لقراءته كاملا إنسانا كان له اسم وجه صوت وأمنية مؤجلة وربما موعد لم يأت

ولعل أكثر ما يؤلم في حكاية اليمن أن الوطن لم يفقد أبناءه في الحرب وحدها فقد أخذت السنوات من كثيرين طمأنينتهم ومن آخرين بيوتهم ومن آخرين أعمارا قضوها بين الغربة والانتظار

هناك يمنيون صاروا يقيسون أعمارهم بعدد السنوات التي غابوا فيها عن أهلهم وآخرون يقيسونها بعدد المرات التي حاولوا فيها العودة ثم تعذر عليهم الطريق

وهناك من خرج من اليمن شابا ثم شاب رأسه في الغربة حتى صار يتساءل إن كان سيعود يوما إلى الشوارع التي يعرفها أم أنه سيكتفي بأن يروي لأطفاله حكايات بلد لم يروه إلا في الصور

كم من رجل غادر منزله وهو يظن أن الغياب أيام فإذا بالأيام تتحول إلى سنوات والسنوات إلى نصف عمر

وكم من أم ما زالت تحتفظ بأشياء ابنها كأنها تخشى إن رتبتها أن تعترف بأن الغياب قد طال أكثر مما ينبغي

وكم من طفل كبر وهو يسمع عن وطن أبيه ثم اكتشف أن الوطن ليس دائمًا مكانا تستطيع الوصول إليه بل قد يكون وجعا تحمله معك أينما ذهبت

وليس اليمن اليوم حكاية موت فقط فما زال فيه من يعمل ومن يزرع ومن يتعلم ومن يساعد جاره ومن يفتح متجره كل صباح ومن يحاول أن يصنع لأطفاله حياة أفضل رغم ضيق الإمكانات وما زالت فيه قلوب ترفض أن تستسلم وأيد تمتد إلى المحتاج وأمهات يخبزن الخبز وآباء يسعون إلى الرزق وشباب يحلمون بأن يكون الغد أقل قسوة من الأمس

تلك هي المفارقة التي تستحق أن تُروى أيضا أن اليمن رغم ما أصابه لم يتحول إلى خراب خالص وأن الإنسان اليمني لم يفقد قدرته على الحياة وإن أثقلته الخيبات

فالوطن ليس الحرب وحدها كما أن الماضي لم يكن سلاما كاملا الوطن هو الناس بكل ما عاشوه من أخطاء وآمال وبكل ما قاوموه من فقر وخوف وبكل ما يحاولون إنقاذه من ذاكرتهم وكرامتهم وأحلامهم

أحيانا أتساءل لو عاد بنا الزمن إلى أحد مجالس اليمن قبل عام 2005 وجلسنا بين أولئك الرجال الذين يتحدثون عن أخبار يومهم فهل كانوا سيتخيلون أن يأتي زمن يحمل فيه الإنسان عشرات المآسي في جيب قميصه وأن يستيقظ على خبر موت ويأكل على خبر موت وينام وهو ينتظر ألا يصحو على خبر موت آخر

هل كانوا سيتصورون أن تصبح المسافة بين الإنسان والمأساة شاشة صغيرة وأن يكون العالم كله حاضرا أمام عينيه بينما يعجز عن مد يده إلى كثير ممن يراهم

ربما كانوا سيصمتون طويلا

وربما قال أحدهم إن الأيام تتغير وإن الدنيا لا تبقى على حال

لكنني أظن أن أكثر ما كان سيحزنهم ليس أن اليمن تغير فالتغير سنة الحياة ولا أن الناس صاروا يعرفون الأخبار بسرعة أكبر فالمعرفة في ذاتها ليست مصيبة بل أن يجدوا أنفسهم أمام وطن تتزاحم فيه الحكايات المؤلمة إلى الحد الذي قد يعجز فيه الناس عن منح كل حكاية حقها من الفهم والرحمة

كان لكل جريمة سؤال ولكل اسم حكاية ولكل مصاب مكان في حديث الناس

أما الآن فنخشى أن يكون السؤال قد ضاع في زحام الأسئلة وأن تضيع الحكاية في زحام الحكايات وأن يتعب الناس من الحزن حتى يصبح الصمت طريقتهم الوحيدة في النجاة

ومع ذلك لا ينبغي أن نترك الحنين إلى الماضي يتحول إلى يأس من الحاضر ولا أن نجعل كثرة المآسي دليلا على أن الرحمة قد ماتت ما دام في اليمن من يسأل عن الغائب ويواسي المكلوم ويطعم الجائع ويحفظ حق الضعيف فإن في هذه الأرض شيئا من روحها القديمة لم ينطفئ

ربما لم يعد الخبر يصلنا كما كان يصلنا وربما لم تعد المجالس كما كانت وربما أخذت الحرب من الوجوه ما أخذت لكننا ما زلنا قادرين على أن نتوقف أمام اسم القتيل وأن نتذكر أنه لم يكن رقما وأن نرفض أن يصبح الموت أمرا عاديا وأن نربي أبناءنا على أن حياة الإنسان ليست خبرا يُقرأ ثم يُنسى

يا يمن لسنا نبكي زمنا مضى لأنه كان كاملا ولا نشتاق إلى ماض لم يعرف أهله الألم إنما نشتاق إلى شيء كان يجعل للحكاية مكانا وللإنسان اسما وللخبر وقتا كي يُفهم وللحزن مساحة كي يُعاش

نشتاق إلى أيام كان فيها الناس يسألون عن بعضهم وإلى أبواب تُطرق من غير موعد وإلى مجالس يعرف الجالس فيها أن وراء كل غائب قصة تستحق أن تُروى

نشتاق إلى طمأنينة لم تكن تعني غياب المصائب بل كانت تعني أن الحياة لا تُختصر في انتظار المصيبة التالية

وكلما فتحنا هواتفنا اليوم ومررنا بين أخبار اليمن شعرنا أن هناك وطنا قديما يسكن في مكان بعيد داخلنا وطن لا نعرف إن كان قد بقي كما هو في بعض شوارعه وبيوته أم أن الزمن غيّر ملامحه إلى الحد الذي يجعل العودة إليه عودة إلى الذكريات أكثر منها عودة إلى الأماكن

فأين اليمن الذي عرفناه

وأين أولئك الناس الذين كانوا يتوقفون طويلا عند خبر مقتل إنسان واحد يسألون عن اسمه وعن أهله وعن السبب الذي أنهى حياته

وهل ما زالت قلوبنا قادرة على أن ترتجف أمام المأساة رغم كل ما رأته وكل ما سمعته وكل ما اضطرت إلى احتماله

ربما لا نستطيع أن نعيد السنوات ولا أن نمحو ما تركته الحرب في البيوت والوجوه والذاكرة لكننا نستطيع على الأقل ألا نسمح لكثرة الموت أن تسلبنا احترام الحياة وألا نجعل تكرار المأساة مبررا للتعود عليها

فالأوطان لا تضيع حين تتغير خرائطها وحدها قد تضيع أيضا حين ينسى الناس كيف يحزنون لبعضهم وكيف يحملون أسماء موتاهم وكيف يرون في كل إنسان حكاية لا يجوز اختصارها في سطر

رحم الله يمنا كان للخبر فيه وجه وللجريمة حكاية وللإنسان مكان في الذاكرة

فما أقسى أن يكثر الموت حتى يخاف الأحياء على قلوبهم من الاعتياد