آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-01:36ص

حالنا لن يتغير إذا بقيت أسبابه

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 09:37 م
محمد المسبحي


عندما أكتب عن بلدي، أجد نفسي أمام مفارقة موجعة؛ بلد تفيض أرضه بالخيرات، وتغفو سماؤه على ثروات تكفي العباد، لكن أهله يعيشون على حافة الانتظار. ليست المشكلة في شح الموارد، ولا في عقم الكفاءات، فالعقول الوديعة والسواعد القادرة موجودة، وإنما في إدارة أفرغت المعنى من محتواه، وحولت الشأن العام إلى مغانم ضيقة.

سنوات طوال مرت، وتعاقبت عناوين ووعود براقة ترفع شعارات الإصلاح وتعد بالفرج القريب، غير أن الواقع ظل يراوح مكانه، ويتراجع خطوة إثر خطوة. فحال المحافظات المحررة، على سبيل المثال، تحول من حال إلى أسوأ، وكأن الاستقرار السياسي بات أمنية بعيدة المنال.ومكافحة الفساد مجرد شعار يُرفع في المناسبات ويُطوى في كواليس القرار. وحين ينغمس المشهد في المحاصصة والنفوذ، تصبح أزمة الخدمات معيشة يومية قاسية، ويغدو تحسّن معيشة الناس ضربا من المستحيل.

فالخطر الأكبر يكمن في تطبيع الفساد وتحوله إلى ثقافة تحميها شبكات المصالح، حتى يدفع المواطن البسيط من عمره ولقمة عيشه ثمن أخطاء لم يرتكبها. وبينما الكفاءة تنتظر دورها في طوابير التهميش تجد المحسوبية طرق قصيرة تسبق الجميع. وفي هذا الواقع المفتوح على خيبة الأمل، يسأل المواطن بمرارة: إلى متى تبقى الحلقة الأضعف هي من تتحمل وزر السياسات الخاطئة..!!

وإن ما يؤلم حقا هو تحول الخطأ إلى نظام حياة وثقافة محمية بالنفوذ، حتى بات الشاب الكفؤ يقف على هامش الفرص، بينما تتقدم المحسوبية والنفوذ إلى الصفوف الأولى لقد تعاقبت الوعود، وارتفعت الشعارات، وتناوبت حكومات على رفع يافطات الإصلاح، غير أن الواقع ظل عصيا على التغيير، بل تراجع من سيئ إلى أسوأ، لتتحول المحافظات – ولا سيما المحررة منها – إلى حكاية يومية من المعاناة المزمنة في الكهرباء والماء ولقمة العيش.

والحقيقة التي بات يدركها القاصي والداني أن الاستقرار السياسي المرتجى، ومكافحة الفساد بصدق وشجاعة، هما المفتاح الوحيد الذي لا بديل عنه لمعالجة أزمة الخدمات وتحسين معيشة الناس.

وحين تصبح التضحيات رخيصة، والثروات عرضة للنهب، ويُترك المواطن رهينة للعجز والمحاصصة، فلا مكان لأنصاف الحلول. فالوقت لم يعد يسمح بإدارة الأزمة، ولا بتدوير الوجوه، ولا بإطلاق وعود جديدة بالنتائج نفسها.

وفي الأخير، علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا: حالنا لن يتغير إذا بقيت أسبابه.فحين تبقى المحاصصة والفساد وسوء الإدارة، ستبقى المعاناة نفسها، مهما تغيّرت الوجوه وتبدّلت الوعود. وإذا أردنا واقع مختلف، فعلينا أن نغير أسبابه أولا فلا يمكن أن نصنع غدا افضل بأدوات الأمس.