آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-02:32ص

اليمن إلى أين؟

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 08:59 ص
محمد أحمد العولقي



في اليمن، لم يعد

السؤال: من يملك الدولة؟


السؤال الأكثر إحراجًا هو: هل ما زالت الدولة تعرف أين ذهبت؟


فكل طرف تقريبًا يتحدث باسم اليمن، وكل طرف يرفع شعار إنقاذه، وكل طرف يملك روايته الخاصة عن الوطن الذي يريد استعادته. وحده اليمن يبدو كأنه لم يُستشر في كل هذه المشاريع، وكأن اسمه صار مجرد لافتة كبيرة تُعلّق على أبواب غرف صغيرة، يجلس داخل كل غرفة طرف مختلف ويشرح لنا كيف يحب اليمن بطريقته.


والمشكلة أن اليمن لم يعد يعيش حربًا واحدة.


هناك حرب الحوثي مع خصومه، وحرب النفوذ الإقليمي على اليمن، وحرب الممرات البحرية، وحرب المشاريع السياسية داخل المعسكر المناهض للحوثي، وفوق كل ذلك حرب صامتة يخوضه

ا المواطن مع الجوع والنزوح وانقطاع الخدمات؛ وهي الحرب الوحيدة التي لا تحتاج إلى بيان عسكري كي تثبت أنها مستمرة.


خلال سبتمبر وحده، أدت موجة التصعيد الأخيرة إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة، مع تحذيرات من موجات نزوح إضافية إذا استمر القتال.


وهنا يصبح المشهد أكثر عبثية من أن يُسمّى مجرد «أزمة».


أناس يهربون من بيوتهم، بينما السياسيون يهربون من مسؤولياتهم.


العائلات تبحث عن مكان آمن تنام فيه، بينما القوى السياسية تبحث عن مكان آمن تجلس فيه إلى طاولة المفاوضات.


والطفل الذي يحمل حقيبته نحو المج

هول لا يعرف شيئًا عن خرائط النفوذ، لكنه يعرف جيدًا أن الخريطة التي كانت فيها قريته لم تعد آمنة.


وفي الجهة الأخرى، الحوثي لا يبدو كمن ينتظر أن تأتيه الدولة لتستعيده.


التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي، وما رافقها من سيطرة على مواقع مطلّة على باب المندب، أعادت وضع الجغرافيا البحرية في قلب الصراع، وحوّلت المعركة من مجرد صراع على الأرض إلى صراع على موقع اليمن نفسه في الحسابات الإقليمية والدولية.


وهنا تكمن المفارقة.


اليمن الذي كان يُقال لنا إنه «أزمة داخلية»، أصبح موقعه الجغرافي أهم من كثير من خطابات السياسيين.


باب المندب لا يقرأ البيانات الحزبية.


والبحر الأحمر لا يهتم بمن يحمل لقب «الشرعية».


والصواريخ التي تصل إلى ما وراء الحدود لا تسأل أصحابها إن كانوا قد حصلوا على إذن من مؤتمر سياسي.


الجغرافيا، ببساطة، قررت أن تدخل السياسة من أوسع أبوابها.


أما المعسكر الآخر، المعسكر الذي يفترض أن يواج

ه الحوثي، فما زال يعاني من مشكلة قديمة جدًا: تعدد الاتجاهات، وتعدد الحسابات، وتعدد تعريف «المشروع الوطني».


كل طرف يريد أن ينتصر على الحوثي، لكن ليس بالضرورة أن تكون لديه الإجابة نفسها عن سؤال: ماذا بعد الحوثي؟


وهذه ليست مسألة صغيرة.


لأن إسقاط خصم شيء، وبناء دولة شيء آخر تمامًا.


يمكنك أن تجمع الناس حول بندقية، لكن من الصعب أن تجمعهم حول دولة إذا كان كل واحد منهم يريد أن يكتب دستورها من موقعه الخاص.


أما «الشرعية»، فمشكلتها أعمق من مجرد تعدد القوى داخل معسكرها.


فكيف يمكن لشرعية أن تبني دولة وهي لا تعيش داخل الدولة؟


وكيف يمكن لسلطة بعيدة عن أرضها أن تعيد مؤسساتها، أو تفرض حضورها، أو تصنع انتصارًا حقيقيًا، بينما يظل حضورها السياسي أكبر من حضورها على الأرض؟


قد تُصدر البيانات، وتعقد الاجتماعات، وتعلن المواقف، وتتحدث باسم الدولة في المحافل الدولية، لكن الدولة لا تُبنى من خلف الميكروفونات، والانتصارات لا تُصنع من غرف الفنادق.


الدولة تحتاج إلى وجود على الأرض، ومؤسسات تعمل، وقرار يُنفَّذ، ومواطن يرى أثر السلطة في حياته.


أم

ا أن تبقى «الشرعية» عنوانًا سياسيًا في الخارج، بينما تُدار تفاصيل الداخل بواسطة قوى متعددة، لكل منها حساباتها ومصالحها، فهذه ليست مشكلة إعلامية يمكن حلها ببيان جديد.


إنها مشكلة دولة.


وهنا تحديدًا تبرز مفارقة أخرى تستحق أن تُقال بصوت مرتفع.


رشاد العليمي هو رئيس مجلس القيادة الرئاسي، والقائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذا ليس لقبًا بروتوكوليًا صغيرًا يمكن وضعه أسفل البيانات ثم ننساه؛ فالرجل الذي يحمل صفة القائد الأعلى يفترض أن يكون حاضرًا عندما تكون المعركة في أشد لحظاتها، لا أن يكتفي بمتابعة خطوط النار عبر الاتصالات والتقارير.


وحين تكون الجبهات مشتعلة، والأرض تتغير، والجنود يقاتلون، والمدن تنزح، ويُعاد رسم ميزان القوة على الأرض، يصبح السؤال مشروعًا:


أين يجب أن يكون القائد الأعلى؟


هل مكانه الطبيعي في قلب مؤسسات الدولة وعلى الأرض، حيث تُتخذ القرارات وتُرى النتائج بالعين، أم في عواصم الخارج، يدير حرب استعادة الدولة من مسافة آمنة؟


قد يقول قائل إن إدارة الحرب الحديثة لا تشترط وجود القائد في الجبهة، وهذا صحيح من الناحية العسكرية. لكننا هنا لا نتحدث عن قائد وحدة عسكرية، بل عن رأس سلطة تقول إنها تمثل الدولة اليمنية وتسعى إلى استعادتها.


والدولة لا تُست

عاد بالاتصالات وحدها.


فإذا كان الحوثي يدير معركته من صنعاء، ويتواجد رجاله في الجبهات، ويصنع قراره داخل الأرض التي يسيطر عليها، بينما رأس الشرعية يدير معركته من الخارج، فإن المفارقة تصبح أكبر من مجرد عنوان سياسي.


كيف تستعيد دولةً وأنت لا تستطيع أن تجعل عاصمتك السياسية والعسكرية حيث توجد المعركة؟


وليس المقصود هنا أن ينزل رئيس مجلس القيادة إلى الخنادق ويحمل بندقية؛ فتلك ليست وظيفة رئيس الدولة. المقصود أن يشعر الجندي في الجبهة أن القائد الأعلى موجود حيث توجد الدولة، وأن يرى المواطن أن سلطته ليست مجرد عنوان يقيم خارج الحدود.


لأن الفرق كبير بين أن تكون للدولة قيادة في الخارج، وبين أن تكون للدولة قيادة حاضرة في الداخل.


وفي النهاية، إذا كانت الشرعية تريد استعادة الدولة، فعليها أولًا أن تستعيد حضورها؛ فالدولة التي تغيب عن أرضها طويلًا قد يبقى لها اعتراف دولي، وقد تبقى لها مقاعد وبيانات ومكاتب، لكن أصعب ما يمكن أن تستعيده بعد ذلك هو هيبتها في عين المواطن قبل أن تستعيد جغرافيتها.


وهنا يعود الجنوب إلى الواجهة، لا باعتباره تفصيلًا جغرافيًا يمكن وضعه في آخر الصفحة، وإنما باعتباره واحدًا من الأسئلة التي لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.


فالقضية الجنوبية ليست صندوقًا يمكن إغلاقه أثناء الحرب ثم فتحه بعد توقيع اتفاق السلام.


وما يجري على الأرض، من عدن إلى حضرموت والمهرة، يقول إن مستقبل الجنوب سيكون جزءًا أساسيًا من أي نقاش حول شكل المرحلة

القادمة.


قد تختلف القوى الجنوبية فيما بينها، وقد تختلف مشاريعها، وقد تتغير موازين القوة والتحالفات، لكن تجاهل المسألة لن يجعلها تختفي.


تمامًا كما أن تجاهل الحوثي لم يجعل مشروعه يختفي.


وكما أن تجاهل المواطن لم يجعله أقل جوعًا.


وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكبر من مجرد: من سيحكم صنعاء؟


فاليمن الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون بالضرورة هو اليمن الذي دخلها.


الجغرافيا تغيرت، وموازين القوة تغيرت، ومراكز النفوذ تغيرت، والجنوب لم يعد يقبل أن يُتعامل معه باعتباره مجرد هامش في معادلة تُرسم في مكان آخر.


ولهذا فإن أي حديث عن مستقبل اليمن يتجاهل الجنوب، أو يتعامل معه كملف مؤجل، إنما يؤجل المشكلة ولا يحلها.


وفي الخارج، لا يبدو أن اليمن وحده هو من يقرر مصيره.


السعودية تنظر إلى أمن حدودها، وإيران تنظر إلى نفوذها، والولايات المتحدة تنظر إلى البحر والممرات البحرية، والقوى الدولية تنظر إلى باب المندب باعتباره ممرًا لا يحتمل كثيرًا من الفوضى.


وهكذا أصبح اليمن أشبه ببيتٍ تتنازع غرفه العائلة، بينما يقف الجيران أمام الباب يتناقشون في من يحق له امتلاك المفتاح.


والمفارقة أن أهل البيت أنفسهم لم يعودوا متفقين على شكل البيت.


لهذا فإن السؤال «اليمن إلى أين؟» ليس سؤالًا عن الطريق فقط.


إنه سؤال عن صاحب القرار في تحديد الطريق.


هل سيقرر اليمنيون شكل مستقبلهم بأنفسهم؟


أم سيأتيهم شكل الدولة جاهزًا ضمن صفقة إقليمية، ثم يُطلب منهم لاحقًا أن يقتنعوا بأنها كانت فكرتهم منذ البداية؟


هل ستتحول الحرب إلى تسوية سياسية حقيقية؟


أم إلى هدنة طويلة تمنح كل طرف فرصة لترتيب بندقيته استعدادًا للجولة التالية؟


هل سيُعالج ملف الجنوب باعتباره قضية سياسية تحتاج إلى حل سياسي؟


أم سيستمر التعامل معه كملف مؤجل حتى يقرر الواقع وحده متى يفتح الدرج؟


وهل يستطيع المعسكر المناهض للحوثي أن يتحول من مجموعة قوى تتشارك خصمًا واحدًا إلى مشروع سياسي قادر على إدارة دولة؟


هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل اليمن القادم أكثر من عدد البيانات التي ستصدر هذا الأسبوع.


أما المواطن اليمني، فقد تعب من سماع عبارة «المرحلة القادمة».


لقد عاش مراحل قادمة كثيرة، وكل مرحلة كانت تأتي ومعها مرحلة قادمة أخرى.


تعب من الوعود باستعادة الدولة، بينما الدولة نفسها تبدو كأنها آخر من يعرف أين استُعيدت.


تعب من الحديث عن النصر، بينما حقيبته الصغيرة تزداد امتلاءً بأوراق النزوح.


وتعب من الذين يتحدثون عن الوطن من فوق المنصات، بينما الوطن نفسه صار يبحث عن مكان ينام فيه بعيدًا عن القصف.


ربما تكون المأساة الحقيقية في اليمن أن الجميع يتحدث عن المستقبل، بينما ملايين اليمنيين لا يملكون رفاهية التفكير في الغد.


إنهم يفكرون في الليلة القادمة فقط.


ومن يدري؟


ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه أخيرًا ليس:


إلى أين يذهب اليمن؟


بل:


إلى متى سيظل اليمن هو الشيء الوحيد الذي يذهب إليه الجميع… ولا يصل؟