إنها حكمة الله الخالدة وسنته النافذة في هذه الحياة الدنيا؛ أن يتقلب ابن آدم في أيامه بين حالين لا ثالث لهما: نعمة فاضلة تُستوجب الشكر، أو بلية نازلة تستوجب الصبر.
وما بين هاتين الركيزتين تتشكل تفاصيل وجودنا، وترتسم ملامح رحلتنا البشرية.
قد يتراءى للبعض من الوهلة الأولى، وممن يكتفون بظواهر الأمور، أن هناك من يتنعمون بحياة خالية من كدر الابتلاء، مبرأة من الصعاب، لكن الواقع الحقيقي والعميق يؤكد أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض تخلو صحيفته من اختبار.
(انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج "نبتليه"..) الانسان 2
فالابتلاء صور وألوان؛ قد يأتي في الصحة، أو يأتي في المال، أو الأهل، أو حتى في السكينة والنفس.
ولو قُدر لك يوماً أن تنفذ إلى خبايا النفوس، وأن يفتح لك من حولك مغاليق قلوبهم ليعربوا عما يُخفونه من محن وأثقال يتكبدونها بعيداً عن أعين الناس لوجدت نفسك مذهولاً أمام حجم ما يحملون.
وحينها فقط، ستدرك كم أنت في عافية ورحمة، ولخررت لله ساجداً تحمده وتشكره على ما أنت فيه من حال، معتقداً أن ما لديك هو اللطف بعينه.
إن فهم هذه المعادلة الإلهية يُورث النفس سكينة لا تتزعزع؛ فالشكر عند النعمة يزيدها ويزكيها، والصبر عند الابتلاء يرفع الدرجات ويُهذب النفوس. وبينهما، يظل المؤمن متماسكاً لا تطغيه المسرّات ولا تكسره الملمات، عالماً أن الدنيا دار امتحان، وأن الحمد هو العابر الوحيد بنا إلى بر الأمان..