آخر تحديث :الخميس-17 سبتمبر 2026-12:41م

بين أسطورة "فرعون" وواقع ساسة اليوم: هل التاريخ يكرر نفسه بصورة أشُدّ هواناً؟!

السبت - 12 سبتمبر 2026 - الساعة 11:21 ص
منصور بلعيدي


تتداول الأوساط الشعبية والقصص التراثية حكاية طريفة تضرب جذورها في أعماق الأساطير التاريخية، مفادها أن "فرعون" مصر ينحدر من أصول يمنية، وأنه كان يُدعى في وطنه الأم بـ (عون). وتقول الرواية إنه كان من أصحاب الجاه والثروة، ولسببٍ ما اضطر للفرار من اليمن حاملاً معه أموالاً طائلة وخزائن من الذهب. وعندما غادر دياره، تداول الناس خبره قائلين: "فرّ عون"، لتندمج الكلمتان مع مرور الزمن وتصبح اللقب التاريخي الشهير "فرعون".

وتضيف الحكاية التراثية أن "عون" عندما حطّ رحاله في أرض مصر، وجد أن ملكها قد فرض حظر تجوال ليلياً.


وبفضل ثروته ونفوذه المالي، استطاع أن يتقرب من الملك، مقترحاً عليه أن يتولى قيادة الحراسة الليلية لتطبيق الحظر بحجة خبرته في ذلك.


وما إن تمكن من ذلك وأمسك بزمام السلطة الأمنية، حتى خرج الملك ذات ليلة لتفقد حراسته، فقام "عون" بقتله بحجة أنه خالف القوانين الصارمة، ليستولي بعدها على العرش ويتوج نفسه حاكماً على مصر.

قد تبدو هذه القصة للوهلة الأولى مجرد أسطورة شعبية تتداخل فيها الخيالات للتندر أو التفسير العامي للأسماء، لكن التاريخ يخبرنا دائماً أن الأساطير قد تحمل في طياتها قرائن وإسقاطات على الواقع.


وإذا ما أردنا البحث عن "قرينة" تؤكد فلسفة هذه الحكاية، فلن نجد أقوى من مقارنتها بواقع الحكام والسياسيين في اليمن اليوم؛ فقد شابهوا "عون" في فراره وفي نهبه للثروات، لكنهم فارقوه تماماً في القدرة والجسارة.!!

لقد رأينا حكام اليمن وقياداته يفرون إلى العواصم العربية والأجنبية تماماً كما فرّ "عون"، وحملوا معهم من أموال الشعب وثروات البلاد ما استطاعوا حمله.

غير أن "فرعون" التراثي استخدم تلك الثروات المنهوبة لينشئ لنفسه مجداً وسلطة -وإن كانت ظالمة- واستطاع بصلابته وطموحه أن يتسلق إلى سدة الحكم في دولة كبرى. أما فاروا اليوم، فلم يملكوا من شجاعته أو طموحه شيئاً، بل اتجهوا بثروات شعبهم المغتصبة نحو الملاهي، والفسوق، وبددوا طاقاتهم في العبث والعصيان.

إن القرينة التاريخية والواقعية الملموسة تثبت لنا أن فكرة "الفرار بالمال لبناء المجد" كانت ولا تزال سلوكاً لبعض الشخصيات، غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن "فرعون" القديم هرب بالذهب ليبني إمبراطورية، بينما هرب سياسيو اليوم بالثروات ليغرقوا في العبث، ويدعوا وطنهم وشعوبهم تكتوي بنار الأزمات.